الخميس - 18 يونيو 2026
منذ 7 أشهر
الخميس - 18 يونيو 2026

اكرم كامل الخفاجي ||


الحمد لله رب العالمين . اللهم صلّ على محمد وآل محمد .

إن ذكرى (ام البنين) هي ذكرى الأخيار والخيّرات التي تملأ النفس الإنسانية بالصحيح النافع والمنهج المُسعد ، وعندئذٍ تعكس النفس التي تلقت الذكرى شيئاً من تلك الأسوة .

فسيرة العظيمات تربي العظيمات ، بل وحتى العظماء في الأمور المشتركة كالعبادة والزهد والتقوى .. فسيرتهن تربية للرجال والنساء ، والبنين والبنات .

نحن نعرف الشيء القليل عن أم البنين (ع) وذلك لأنه مرتبط ببعض الماديات أو ما أشبه ، كنسبها وزواجها بأمير المؤمنين (ع) وأولادها الأربع ، وشيء عن أدبها الجم وبعض قضاياها بعد قصة كربلاء .. ولكننا قطعاً لا نعرف عن مقدار معنوياتها العالية إلا الشيء اليسير جداً .. حيث يمكننا أن نحسّ بشيء من ذلك عبر ما نراه من الآثار المترتبة على التوسل بها وجعلها شفيعة عند الله عزّ وجل في قضاء الحوائج .. فإن النذر لها يحل المشكلات الكبيرة والصغيرة التي هي بحاجة إلى الإمداد الغيبي من الله سبحانه .. وهذا مما عليه آلاف القصص من المشاهدات والمنقولات ، والسبب لا يكون إلا أن هناك معنوية رفيعة لهذه السيدة الجليلة يقصر ذهننا عن إدراكها .

مولدها ونشأتها (ع) :
كان حزام بن خالدّ بن ربيعة في سفر له مع جماعة من بني كلاب ، نائم في ليلة من الليالي فرأى فيما يرى النّائم كأنه جالسّ في أرض خصبة وقد انعزل في ناحية عن جماعته وبيده درة يقلبها وهو متعجب من حسنها ورونقها وإذا يرى رجلاً قد أقبل إليه من صدر البرية على فرس له ، فلمّا وصل إليه سلم فرد عليه السّلام ، ثمّ قال له الرّجل : بكم تبيع هذه الدّرة ؟ وقد رآها في يده , فقال له حزام : اني لم أعرف قيمتها حتى أقول لك , ولكن أنت بكم تشتريها ؟ فقال له الرّجل : وأنا كذلك لا أعرف لها قيمة , ولكن إهدها إلى أحد الأمراء وأنا الضّامن لك بشيء هو أغلى من الدّراهم والدّنانير . قال : ما هو ؟ قال : اضمن لك بالحظوة عنده والزّلفى والشّرف والسّؤدد أبد الآبدين . قال حزام : أتضمن لي بذلك ؟ قال : نعم . قال : وتكون أنت الواسطة في ذلك ؟ قال : وأكون أنا الواسطة , أعطني إياها . فأعطاه إياها .

فلما انتبه حزام من نومه قص رؤياه على جماعته وطلب تأويلها فقال له أحدهم : ان صدقت رؤياك فانك ترزق بنتا ويخطبها منك أحد العظماء وتنال عنده بسببها القربى والشّرف والسّؤدد .

فلما رجع من سفره ، وكانت زوجته ثمامة بنت سهيل حاملة بفاطمة أُمّ البنين ، وصادف عند قدوم زوجها من سفره كانت واضعة بها ، فبشروه بذلك فتهلل وجهه فرحاً وسر بذلك ، وقال في نفسه قد صدقت الرّؤيا ، فقيل له ما نسميها فقال لهم سموها : (فاطمة) وكنوها : (أم البنين) وهذه كانت عادة العرب يكنّون المولود ويلقبونه في الوقت الذّي يسمونه فيه وهو يوم الولادة .

فنشأت أُمّ البنين في حضانة والدّين شفيقين حنونين هما حزام بن خالدّ بن ربيعة ، وثمامة بنت صهيل بن عامر ، وكانت ثمامة أديبة كاملة عاقلة ، فأدبت ابنتها بآداب العرب وعلمتها بما ينبغي أن تعلمها من آداب المنزل وتأدية الحقوق الزّوجية وغير ذلك مما تحتاجه في حياتها العامة .

وهنا يخلط الكثير وبحسن نية بين تفسير معنى المعجزة والكرامة عند ذكر (ام البنين) ، كما لا يفرق البعض في النتائج ، والصحيح أن بينهما فرق :

فالمعجزة : إنما هي من مختصات الأنبياء وخاتمهم المصطفى (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) ، لهدف التحدي للمعاندين والمنكرين ، ويأتي مدلولها خلاف العادة ، وأن تكون من فعل الله تعالى أو جارياً مجرى فعله .

أما الكرامة : فهي تأتي للنبي والأئمة الأطهار والأولياء تكريماً لهم ، ومن مصاديق تلك الكرامة ما كان قد تجسدت في أم البنين (ع) .

حدّث أحد العلماء قائلاً :
كانت في إحدى قرى همدان إمرأة محرومة من نعمة الولد لعدّة سنين بعد زواجها ، فالتقت بها – يوماً ما – إحدى جاراتها وقالت لها : انذري أن يرزقك الله ولداً فتسميه (أبو الفضل) .
وبعد فترة شملها ربّ العزة والعطاء بعنايته ، فرزقها ولداً سمته (أبو الفضل) .

فلما بلغ الولد سن الرابعة عشرة ابتلي بمرض عضال أعيى كلّ الحيل ، فيأس منه أهله .
وفي ذات يوم جاءت نفس تلك الجارة التي نصحتها بالنذر فقالت لها : أنصحك أن تتوسلي بخلوص وثقة وجدية بأبي الفضل العباس وتطلبي منه ولدك .

فجلست أم الولد الشاب تلك الليلة ، وتوسلت بأبي الفضل من أعماق قلبها بكلّ جدّ وثقة واخلاص ، وقضت ليلتها بتلك الحالة .

فلما انبلج عمود الصبح سمعت طارقاً يطرق الباب ، فسارعت لفتحها ، فرأت جارتها التي نصحتها أن تتوسل بأبي الفضل ، فتعجبت من زيارتها في هذا الوقت المبكر ، فبادرتها جارتها قائلة : لا تحزني فقد شفا الله ولدك .

قالت: كيف ؟ ومن أين عرفت ذلك ؟
قالت: لأني رأيت الليلة في الرؤيا ؛ أنّ لمة من النساء توجهن إلى بيتكم ، وكانت تتوسطهن السيدة أم البنين (ع) قائلة : إني ذاهبة لشفاء هذا الصبي فقد توسلت بإبني .
وبالفعل فقد استيقظ الصبي لا كباقي الأيام ، حيث كان يرفل بالشفاء والعافية ببركة أبي الفضل العباس (ع) وام البنين (ع) .

وتبقى غايةُ الناس وشرفُهم مع أهل البيت (ع) أن يَقْدِموا إليهم لا أن يَتقدّموهم ، وأن يتأخّروا بالاتّباع لهم لا أن يتأخّروا عنهم إلى غيرهم ، وأن يتّصلوا بهم لا أن يَصِلوا إليهم ، وأن يُسلّموا لهم لا أن يكتفوا بأن يُسالموهم أو يسلّموا عليهم . وقد كان هنالك جماعة حالَفَهم التوفيق ، حيث جَدّوا في أن يُوالوا أهلَ البيت (ع) مُوالاةَ محبّةٍ واتّباع ، ومُوالاةَ إجلالٍ وتسليم ، فحَظَوا بأن قدّمَ لهم أهل البيت (ع) ما فيه كرامتهم وسعادتهم .. ومن تلك الجماعة السيّدة الفاضلة المكرَّمة أمُّ البنين (ع) .

كانت اُم البنين شاعرة فصيحة ، تخرج بعد مقتل الحسين (ع) ومقتل أولادها الأربعة كلّ يوم إلى البقيع ومعها عبيد الله ولد ولدها العباس ، فتندب أولادها ـ خصوصاً العباس ـ أشجى ندبة ، فيجتمع الناس فيسمعون بكاءها وندبتها ، وكان مروان بن الحكم على شدّة عداوته لبني هاشم يجيء في مَن يجيء ، فلايزال يسمع ندبتها ويبكي .

ورد عن الامام الصادق (ع) : كانت ام البنين تندب الحسين (ع) وتبكيه حتى كف بصرها .
إن إحياء ذكرى أم البنين (ع) وذكرى المعصومين (ع) وذويهم ومن إليهم ، هو لأجل تنظيم الحياة تنظيماً صحيحاً يوجب سعادة الإنسان في دنياه وآخرته .

وبذلك تسعد المرأة التي تلقت الدروس من مدرسة أم البنين (ع) واتبعتها ، ويسعد بها غيرها من أولادها وذويها ، فيكون الإحسان عائداً لنفسها قبل غيرها ، لقوله سبحانه : (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها) .

كان اسمها يتردد على شفاه محبيها والتي هي كوثر للعطاشى من الموالين ، كما أصبح إبنها (ابو الفضل) كوثر لعطاشى كربلاء .. فتساوى الام والابن في قضاء حوائج المحتاجين ، وخاصة من عندهم مصائب عِظام .. فهما اكسيرٌ للمعضلات .

تعلمتُ من (ام البنين) أن الذي يريد أن يُحلّق في سماء معرفة أهل البيت (عليهم السلام) لابد أن يكون له جناحان يطير بهما .. الجناح الأول : الاعتقاد السليم والصحيح .. والجناح الثاني : الاحساس الوجداني أو الاستشعار العاطفي .

فقد ورد في الروايات الشريفة من الفريقين الخاصة والعامة ، ان من مات على حب محمد وآل محمد مات شهيداً ، ومن المعلوم ان أم البنين (ع) هي من ابرز النساء في عصرها حباً ومودة وموالاة وطاعة لآل علي (ع) فماتت وهي تحمل هذا الحب والموالاة والتسليم والطاعة معها الى أن إرتحلت عن دنياها ، فهنيئاً لها هذه الشهادة على حب اهل البيت (ع) .

كما لا يخفى إن مسألة الدعاء والتوسل من أهم الضروريات الروحية والعقائدية في حياة الإنسان المؤمن ، فلا ينبغي للمؤمن التغاضي والبرود ، كما لا ينبغي للمؤمنة التهاون والخمول ، لقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أتقوا الله وأبتغوا إليه الوسيلة) .

وقد سار علماؤنا العظام في نهج التوسل والتقرب إلى الله تعالى ، للتجلي المعنوي مع الروح ، ولتحقيق المطالب والحاجات ، وكان من لطفه وكرمه ، نالت فاطمة الكلابية (أم البنين) مرتبة أن تكون باباً من أبواب الإجابة والقبول عند الله .

وربما من مقاربة بسيطة في استيلاد الأنوار الإمامية من النور الإلهي .. عندما نعلم أن النبي الأعظم (ص) وأمير المؤمنين (ع) من نور واحد في عالم الأرواح ، افترقا في الارض .. وأصبح كلاً منهما ، في عبد الله ابن عبد المطلب وفي ابو طالب ابن عبد المطلب .. وانجب الأول الحسين (ع) من فاطمة الزهراء (ع) .. وانجب الآخر العباس (ع) من فاطمة بنت حزام (ام البنين) (ع) ، فأي قيمة إلهية وعلوية حازت عليها هذه المرأة الطاهرة .

وإذا كان بعضُ أزواج النّبيّ (صلّى الله عليه وآله) تُدركُهنّ الغيرةُ من خديجة (ع) بعد وفاتها لأنّ رسول الله كان يذكرها فيُحسن الثّناء عليها ، فانَّ أُمّ البنين كانتْ تحبُّ الزّهراء (ع) أشدَّ الحبّ وكانتْ على غاية الوفاءِ والإخلاص مع سيّدة نساءِ العالمين فاطمة الزهراء (ع) .

وكانت تخرج الى البقيع لتقيم هناك المآتم على قتيل العبرات (ع) وهكذا تحرّض الناس ضد بني أمية وأذنابهم وتفضح الحكام الظلمة ، وقد ساهمت في إبلاغ خطاب عاشوراء الى مسامع المجتمع المعاصر لها .
نعم إن أم البنين (ع) كأنها كانت مأمورة بالبقاء في المدينة لكي تبلغ أهداف الحسين (ع) وأهله الى الناس وقد أدت هذه الفريضة بأحسن وجه ممكن لها .

عن الأعمش قال : دخلت على الإمام زين العابدين (ع) في الثالث عشر من جمادى الثاني ، وكان يوم جمعة ، فدخل الفضل بن العباس (ع) ، وهو باكٍ حزين ، وهو يقول : لقد ماتت جدتي أم البنين ، فانظر بالله عليك إلى هذا الدهر الخؤون كيف فجع أهل الكساء مرتين في شهر واحد فلا حول ولا قوة إلّا بالله .

وإني أحتمل أن السيدة أم البنين (ع) قتلها الأمويون بالسم ، وإن لم أجده في التاريخ ، لكنه يُستفاد ذلك من مختلف الشواهد والقرائن غير الخفية على من تأمل في ذلك . وبالأخص انه لم يذكر سبباً وجيهاً لوفاتها من مرض أو ألم أو حتى حُرقة على الإمام الحسين (ع) مع لوعتها عليه ، كما في قضية الرباب زوجة الإمام الحسين (ع) .. بل أن التعتيم التاريخي على عدم ذكر سبب الوفاة يُعد أقوى الأدلة على كونها أُستشهدت بالسم الأموي المعسّل .

ودفنت في مقبرة البقيع ، وأقيم على قبرها بناءٌ ، هدمه الوهابيون فيما هدموا ، في حملاتهم الجائرة ضد تراث المسلمين وقبور الصالحين .

فسلامٌ على تلك المرأة النجيبة الطاهرة ، الوفيّة المخلصة ، التي اقتفت خُطی سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (ع) شرعة ومنهاجاً .

اَلسَّلامُ عَلَيْكِ يَا زَوْجَةَ وَلِيّ اللّهِ ، السَّلامُ عَلَيْكِ يَا زَوْجَةَ أَمِيْرِ المُؤمِنِينَ ، اَلسَّلامُ عَلَيْكِ يَا أُمَّ البَنِينَ ، اَلسَّلامُ عَلَيْكِ يَا أُمَّ العَبَّاسِ ابْنِ أَمِيْرِ المُؤمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِب ، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْكِ وَجَعَلَ الجَّنَّةَ مَنْزِلَكِ وَمَأْوَاكِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ .. وجعلنا الله سبحانه من شفعائها في الدنيا والآخرة .