العراق بين صناديق مكُتملة وثقة منقوصة..!
طه حسن الأركوازي ||

في اللحظة التي أعلنت فيها نتائج الانتخابات لم تتجه الأنظار نحو الأرقام قدر ما أتجهت إلى ما هو أهم إلى سؤال الثقة ، فالعراق الذي أنهكته دورات سياسية مُتعاقبة من الوعود غير المُنجزة وجد نفسه مرة أخرى أمام مشهد مألوف كُتل تتفاوض ، تحالفات تتشكل ، ومقاعد تُقاس بميزان القوة لا بميزان المصلحة الوطنية ، في هذا السياق المشحون يعود الحديث مُجدداً عن أزمة إنعدام الثقة بين المواطن والدولة ، وعن الدور الذي يُمكن للعراقي نفسه أن يلعبه في كسر هذا الجمود الطويل لا بوصفه متفرجاً بل بوصفه عنصراً فاعلاً في إعادة بناء العقد الوطني الذي تهشّم بفعل التجارب القاسية .
لقد عاش المواطن العراقي خلال العقدين الماضيين حالة من التآكُل النفسي والسياسي إذ رأى كيف تحولت السياسة من مشروع لبناء الدولة إلى مساحة صراع بين القوى ، وكيف وُظفت المحاصصة والتوازن لتقسيم المجتمع بدل توحيده ، لذلك ليس غريباً أن يصل شعور الحيرة لديه إلى حد التساؤل إن كانت السياسة قد تحولت إلى لعبة خارج إرادته ، تُدار بمعايير لا تشبه أحلامه ولا تمت لاحتياجاته بصلة ، ومع ذلك ، فإن هذه الحيرة ليست قدراً دائماً ، بل نتيجة طبيعية لتراكمات يمكن مُعالجتها حين تتوفر إرادة الإصلاح من طرفي المعادلة الدولة والمواطن .
وعند النظر إلى المشهد الراهن يبدو أن القوى السياسية قد عادت إلى الأسلوب ذاته في إدارة ما بعد الانتخابات ، فبدل التوجه نحو مشروع وطني يتجاوز الانقسامات ، تنشغل القوى في حوارات مغلقة ، تبني تحالفات على أساس توازنات وحسابات لا علاقة لها بمخاوف العراقيين أو طموحاتهم ، وهنا تكمن جذور أزمة الثقة ، فالمواطن لا يبحث عن خطابات كُبرى قدر بحثه عن دولة قادرة على إدارة ملف الأمن ، ووقف الفساد ، وتوفير الخدمات ، وصون حقوقه ، وحماية كرامته .
لقد شهد العراق في سنوات مضت موجات أحتجاج واسعة ، أنطلقت من الشعور ذاته بأنعدام الثقة ، ورغم أختلاف الظروف بين المحافظات والمراحل ، إلا أن الرسالة التي حملها الشارع كانت واحدة ، الدولة لن تستعيد قوتها ما لم تتعامل مع المواطن بأعتباره شريكاً في القرار لا مجرد مُتلقٍ له ، وهذه الحقيقة أثبتتها تجارب دول أخرى مرت بظروف قاسية مُشابهة “فالبوسنة ولبنان وتشيلي والبرازيل” واجهت أنقسامات داخلية حادة ، لكن تجاوز أزماتها لم يتحقق إلا حين أتجهت مُجتمعاتها إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة عبر الحوار ، والمحاسبة ، وفتح المجال أمام الكفاءات ، ووضع الشخص المناسب في المكان المُناسب ، وتعزيز دور الرقابة والمُحاسبة ، وإشراك مراكز الدراسات الرصينة وذوي الخبرة والكفاءه والتخصص في رسم السياسات .
وفي العراق ، تبدو أزمة الثقة اليوم مرتبطة قبل كُل شيء بغياب الدور الحقيقي للمواطن في صناعة القرار لا بوصفه ناخباً فحسب ، بل بوصفه شريكاً في الرقابة والمساءلة والإصلاح ، فحين يُهمش صوت الناس ويُختزل حضورهم في يوم الاقتراع ، تتحول الهوة بينهم وبين الدولة إلى فجوة خطرة تُفرز الغضب والاحتجاج وتغذي الشعور باللاجدوى ، لذلك لم يعد مقبولًا أن يستمر التعامل مع الجمهور بأعتباره مُتلقّياً صامتاً ، في وقت بات فيه هو وحده من يعيش نتائج الفشل ويدفع ثمن التعثر. وعلى الدولة أن تعي أن المرحلة المقبلة لا تُدار بالعقلية القديمة ، بل بمنهج جديد يُعيد الاعتبار للشفافية في تشكيل الحكومة ، ويضع الكفاءة فوق الولاء ، ويجعل البرامج فوق المحاصصة ، ويردّ للمواطن مكانته التي غابت طويلاً في ظل عقدين من المعاناة والانتظار ، فبقدر ما تُستعاد ثقة الناس ، تُستعاد قدرة الدولة على النهوض .
إن إنشغال القوى السياسية اليوم بتشكيل الحكومة يجب أن لا يكون عودة إلى التقسيمات القديمة التي أثبتت فشلها ، بل فرصة للتأسيس لمرحلة جديدة تُعيد الاعتبار لمفهوم الدولة ، فالحكومة المُقبلة ليست مجرد فريق إداري ، بل عقد سياسي جديد يُفترض أن يفتح باب الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم ، بعد سنوات من القطيعة النفسية والسياسية .
وفي هذا الإطار يقع جزء كبير من المسؤولية على المواطن نفسه ، فإصلاح المشهد السياسي لا يبدأ فقط بتغيير الوجوه ، بل يبدأ بتغيير معادلة العلاقة مع الدولة ، والمواطن القادر على مساءلة ممثليه ، وعلى رفض المحاصصة وسوء الخدمات وأستشراء الفساد ، وعلى الدفاع عن حقوقه بطُرق سلمية ومنظمة ، هو الضامن الأكبر لأستقرار النظام السياسي وشفافيته ، وتجارب دول شرق أوروبا تؤكد أن الشعوب التي أعادت الثقة إلى المسار الديمقراطي لم تفعل ذلك عبر الصمت ، بل عبر العمل المدني ، والوعي ، والمشاركة ، ومراقبة الأداء الحكومي دون أنفعال أو أنحياز .
على الطبقة السياسية اليوم أن تدرك أن إستعادة ثقة المواطن ليست شعاراً يُرفع ، بل مسؤولية تقتضي تغييراً حقيقياً في طريقة إدارة الدولة ، فالعراق لا يحتاج إلى مزيد من الانقسامات والخطابات المتُشنجة بقدر حاجته إلى رؤية سياسية تجمع أطرافه تحت مظلة وطنية واحدة ، وتفتح صفحة جديدة تُغلب المصلحة العامة على منطق العوائد الحزبية ، ولعل الخطوة الأولى تبدأ بالإصغاء الجاد لصوت الشارع ، وأحترام دوره ، وتمكين المواطنين من ممارسة تأثيرهم ، لأن الديمقراطية لا تُقاس بصناديق مُمتلئه فقط ، بل بمشاركة مستمرة ومستقرة ، وحتى ينهض العراق لا بد من إطلاق مسار إصلاحي يعيد الاعتبار للقنوات الدستورية ، ويُحصن أستقلال القضاء ، ويجعل القانون هو الإطار الحاكم للعلاقة بين الدولة والمجتمع ، كما أن ترسيخ ثقافة المصالحة الوطنية ، بدلاً من إعادة تدوير صراعات الأمس ، يمثل حجر الأساس في بناء دولة قادرة على تجاوز محطات الانقسام ، والمضي نحو عقد أجتماعي جديد يُشعر كل عراقي بأنه شريك في وطن لا مُستبعَد فيه ولا مُستثنى .
أخيراً وليس آخراً .. إن الطريق نحو إستعادة الثقة ليس سهلاً ، لكنه ليس مُستحيلاً ، فالعراق الذي نجح في تجاوز محطات أخطر عبر تاريخه ، قادر اليوم أيضاً على تخطي أزماته إذا التقت إرادة الدولة مع وعي المواطن ، وهذه اللحظة التي تقف فيها الكتل السياسية أمام أستحقاق تشكيل الحكومة تمثل فرصة نادرة لإعادة ترتيب البيت السياسي شرط أن تُدار بروح الحكمة والمسؤولية ، وأن يجري أختيار من يقود المرحلة المقبلة على أساس الكفاءة والبرنامج الوطني لا على أساس التوازنات الطائفية أو الضغوط الخارجية ، وما يحتاجه العراق اليوم هو أن يتصرف الجميع دولة ومواطنين كصنّاع ثقة لا كصنُاع أزمة ، فالثقة لا تُهدى ، بل تُبنى ، ومتى ما بُنيت على أسس صلبة كان بإمكان الدولة أن تتقدم ، وبإمكان المواطن أن يشعر بأنه شريك في مستقبل وطنه …!




