الجمعة - 23 اكتوبر 2026
منذ 11 شهر
الجمعة - 23 اكتوبر 2026

مروج العبيدي ||

 

 

في ذاكرة بغداد القديمة وتاريخها المشرق .. هناك صفحات لم تُكتب بالحبر، بل روتها ألسنة الناس، عن رجالٍ عُرفوا بالشجاعة والهيبة، فلم يكونوا مجرد ” بلطجية” كما يصفهم البعض، بل كانوا وجهاً آخر للرجولة البغدادية، مزيجاً من القوة والنخوة بثوب الهيبة والعدل الشعبي..أُطلق عليهم اسم “الشقاوات”.

ظهر الشقاوات في بدايات القرن العشرين، حين كانت العاصمة العراقية تمرّ بتحولات سياسية واجتماعية كبيرة، وكان القانون في كثير من الأحياء ضعيف الحضور.

عندها برز الشقاوة كرمزٍ محلي للسلطة والنظام الشعبي والقانون الذي يفرض النظام بطريقته الخاصة، ويحمي الناس الضعفاء من ظلم المتنفذين.

ومن أشهر الشقاوات الذين حفرت أسماؤهم في الذاكرة البغدادية: خليل ابوالهوب، خالد دولكي الذي كان يُعرف بعدله في حلّ النزاعات، وكُيّع العطار الذي وقف في وجه السراق وحمى الأسواق، وحجي حمود العزاوي الذي تحوّل اسمه إلى رمزٍ للرجولة البغدادية الأصيلة.

يُقال إن بعضهم كان يمنع السراق من سرقة الأسواق، ويأخذ من الأغنياء ليساعد الفقراء، مزيجٍ غريب من العدالة الشخصية والتمرد على القانون.. فهم يمثلون العدالة العفوية التي صنعها الناس بأنفسهم حين غاب القانون، لكن لم تغب القيم.

ومع مرور العقود واتساع نفوذ الدولة وظهور الشرطة والنظام الرسمي، تغيّرت صورة الشقاوة وتغير فيها معنى القوة وتراجعت الحاجة إلى هذا الدور الشعبي، لتتحول الكلمة من رمزٍ للنخوة إلى وصفٍ للمشاكسة أو الفوضى.

إن استعادة الحديث عن الشقاوات اليوم ليست دعوةً لعودة الفوضى، بل تذكيرٌ بأخلاق النخوة والمروءة التي تميز بها البغداديون .. ليبقى الشقاوات جزءاً من تراث بغداد الإنساني، يروون حكاية زمنٍ كان فيه الرجال يحكمون بالهيبة لا بالمنصب وأن الهيبة الحقيقية تُبنى على العدل، لا على الخوف وبالكلمة قبل السلاح …يتسمون بالرجولة لا بالمنصب ويسعون الى الشرف لا المال …

سلاحهم كلمة شرف قبل الخنجر أو العصي ، لا يتراجع عنها ولو كلفته حياته.

﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾