الخميس - 18 يونيو 2026
منذ 7 أشهر
الخميس - 18 يونيو 2026

أ. م . د. حسين علي المجاب ||

 

 

كتاب فاطمة الزهراء الإنسان الملكوتي للدكتورة أمل الأسدي / ندوة في مركز كربلاء للدراسات والبحوث في العتبة الحسينية المقدسة

إنّ الدكتورة أمل الأسدي سجّلت في هذا الكتاب الصادر عن مركز بناء الثقافي بصمةً جليلة في تناول سيرة السيدة الزهراء عليها السلام، بوصفها الإنسان الملكوتي، وقد جاء الكتاب جامعاً مانعا بعد قراءته والاطلاع عليه، لما تضمّنه من مستوى رفيع في الطرح الأكاديمي والفكري.
وقد تجلّى هذا الكتاب في عشرة فصول توزّعت بين مباحث أدبية وروحية وفكرية، تقدّم حلولا لمشكلاتٍ تاريخية عبر الرجوع إلى القرآن الكريم.

فكثيرٌ من الكتابات التي تتناول السيدة الزهراء عليها السلام تنحصر في سياقٍ تاريخي، يورد المشكلات ولا يقدّم حلولًا لها، أمّا هذا الكتاب فقد نقل الخطاب من الدائرة التاريخية إلى الدائرة القرآنية، محاولًا معالجة ما وقع في التاريخ من ظلمٍ تعرّضت له السيدة الزهراء عليها السلام، وهو ظلم حاول أن يقلّل من مكانتها العالمية.

فالفصل الأول يتناول قضية اجتماعية عالمية هي ظاهرة الانتقاص من المرأة وازدرائها. وقد سمّت الدكتورة هذا الفصل بـ ” خطاب السيدة الزهراء في مواجهة الميسوجينيّة “، مبيّنةً جذورها في الحضارات القديمة والحديثة، وذاكرةً أنّ فلاسفة كبارًا — كأرسطو وسقراط — كانوا يتناولون المرأة باستهجان. واستمرّ هذا الخطاب في بعض الديانات بعد تحريفها لا في أصل الفطرة التي جاء بها الله تعالى.

ثم تناولت جذور هذه الظاهرة في شبه جزيرة العرب، ممّا خلّده القرآن الكريم، مثل عادة وأد البنات، وقبح التبشير بالأنثى في الجاهلية، كما في قوله تعالى: ((وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ)).

ثم جاء الإسلام برسالة النبي محمد (صلی الله عليه وآله) ليقلب هذا المفهوم، ويعيد للمرأة مكانتها بوصفها شريكاً في بناء البيت والمجتمع، ومن نماذج ذلك قوله تعالى: ((قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ))

ثم قدّمت الدكتورة الأسدي مثالًا عملياً لمناهضة ازدراء المرأة، وهو شخصية السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، التي سماها رسول الله (صلی الله عليه وآله) “أمّ أبيها”، وجعلها الراعية لاسم محمد والباقية على الرسالة عبر ذريتها. وقد قدّمت الزهراء عليها السلام نموذجًا في مواجهة خطاب الازدراء، كما في خطبتها الفدكية حين سُلب حقها في فدك، لتعلن رفض الظلم والميل عن الحق.

أما الفصل الثاني فيتناول عالمية السيدة الزهراء عليها السلام، وهو موضوع مهم لواقعنا اليوم؛ لأن الزهراء هي بنت من أرسله الله رحمة للعالمين، فهي بدورها رحمة للعالمين. وقد ابتعدت الدكتورة عن الخطاب الذي يحصر الزهراء في الإطار المذهبي؛ لأن ذلك يتنافى مع طبيعة الرسالة الإسلامية العالمية.

وتركّز الدراسة على انتقال الإنسان المسلم من دائرة المذهبية إلى دائرة الحق والباطل؛ فالقرآن يقول: ((وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ..)). وبذلك يصبح معيار الانتماء: حقٌّ أو باطل، لا: سنّي أو شيعي.
والزهراء عليها السلام هي عنوان الحق، كما قال الرسول(صلی الله عليه وآله) في حديثٍ متفق عليه: “إن الله يرضى لرضا فاطمة ويغضب لغضبها”.

ثم تعرض الدكتورة مفهوم الثابت والمتغيّر، فالقرآن والعترة المطهّرة هما الثابت، وما عداهما متغيّر. ولذلك قال النبي( صلی الله عليه وآله): “تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي: كتاب الله وعترتي أهل بيتي”.

وعلى هذا الأساس تكون السيدة الزهراء عليها السلام ثابتًا إلهيا لا يقبل الندَّ ولا الضدَّ ولا المقابل، ولا يصحّ إدخالها في أطر المذهبية، بل هي ميزان الأعمال ومعيار رضا الله.

وتستمر الفصول في بيان عالميّة السيدة الزهراء عليها السلام، عبر دراسة المخيال الشعبي في العالم الإسلامي والإنساني، وما يحمله من ممارسات وجدانية تعبّر عن حبّ الناس لها. وقد ذكرت الدكتورة نماذج كثيرة من الفلكلور الإسلامي والإنساني.

كما تناولت آراء مفكرين مسيحيين ومستشرقين تحدّثوا عن عظمة السيدة الزهراء، بعضهم قارن بينها وبين السيدة مريم العذراء عليها السلام، بل تحدّثوا عن دور السيدة خديجة عليها السلام أيضًا.

وتضمّن الكتاب دراسة أدبية مهمّة لقصيدة الشاعر المصري البيومي محمد عوض، وهي قصيدة تتجاوز مئة بيت، وأری أن هذه القصيدة قصيدة العصر لما فيها من غوص في محبّة أهل البيت عليهم السلام، فحلّلت الدكتورة الأسدي بعضها تحليلاً أسلوبيا وصوتيا ودلاليا.

ومن هنا أدعو إلی قراءة هذا الكتاب قراءة واعية لما فيه من الطروحات القرآنية والإنسانية، وهو إضافة مهمة للمكتبة الإسلامية، وهو مؤلف ضمن مؤلفات كثيرة للدكتورة أمل الأسدي، التي عُرفت بكتبها المتخصّصة في الاجتماع والأدب والبلاغة، ومنها:

كتاب “الاجتماع الديني الشيعي للزيارة الأربعينية”

وكتاب ” الخصائص الأسلوبيّة في آيات القيم الأخلاقي”
وكتاب”ۢالإبراهيمية حرب الاستحواذ علی الموارد” هذا غير إصداراتها الإبداعية والنقدية مثل

مجموعتها الشعرية “ذلك القادم الأخضر”

ومجموعتها القصصية أضغاث أنفاس” وكتبها النقدية مثل ” مرفأ الحروف” “شهقة قلم” و” شعر أبي جلدة اليشكري دراسة موضوعية وفنية” و” تقصي الطيف في نقائض جرير والفرزدق”وغيرها من الدراسات القيّمة.

وقد أطلق عليها بعض المفكرين والأدباء ألقاباً تليق بمكانتها، مثل “الكتيبة الشيعية المقاتلة” و “عائشة بنت الشاطئ العراقية”، لما رأوه فيها من دفاع عن مل الأسدي وخدمة للخطاب القرآني والإنساني.

ونحتفي اليوم بقراءة هذا الكتاب، راجين لها مزيدا من التوفيق والسداد في أعمالها المقبلة.