الاثنين - 29 يونيو 2026

الوعي السياسي الجديد في خطاب المقاومة.. حكومة ما بعد 2022..!

منذ 8 أشهر
الاثنين - 29 يونيو 2026

✍ كاظم الورغيف ||

 

🟩 مقدمة

في لحظةٍ سياسية دقيقة يتقاطع فيها تاريخ الاحتلال مع ملامح الدولة الوطنية، صدر بيان الأمين العام لكتائب حزب الله، الحاج أبو حسين الحميداوي في السادس من تشرين الثاني 2025، ليقدّم قراءةً شاملة لتجربة الحكم في العراق خلال العقدين الماضيين.
البيان يتجاوز اللغة الخطابية إلى خطاب وعي سياسي جديد، يعيد رسم العلاقة بين المقاومة والدولة، بين الماضي المثقل بالوصاية والحاضر المعبّر عن الإرادة الوطنية المستقلة.

🟨 من مصادرة القرار إلى استعادته

يرسم البيان ملامح المرحلة الأولى (2003 – 2013) بوصفها مرحلة الوصاية الأجنبية الكاملة، حين أدار الحاكم المدني الأمريكي ومبعوثوه مفاصل الدولة بقرار منفرد.
ويُحمّل البيان هذه المرحلة مسؤولية تأسيس الفساد والطائفية، باعتبارهما منتجًا مستورَدًا لا جذور له في البنية العراقية الأصيلة.

“عُيّن الحاكم العسكري غارنر، وبعده بريمر، ثم زلماي… وكانت كل مقدّرات الدولة بيدهم، فعاثوا في العراق فسادًا وطائفيةً.”

بهذا التوصيف، يُمهّد البيان لفكرة أن استعادة القرار الوطني كانت الخطوة الأولى نحو بناء التجربة السياسية العراقية الحديثة.

🟧 من 2013 إلى 2017.. ولادة الإرادة العراقية

يرى البيان أن عودة القرار إلى أيدي العراقيين بعد عام 2013 لم تخلُ من التحديات، فقد اصطدمت بتدخلات خارجية وتمردات داخلية، من احتجاجات المحافظات الغربية إلى اجتياح داعش، وهي أحداث أنهكت الدولة وابتلعت ثرواتها.
ورغم هذه الظروف، يبرز البيان إشادة ضمنية بالحكومة التي حاولت إطلاق مشاريع الإعمار والاتفاقية الصينية، قبل أن تتعرض لما وصفه بـ “مؤامرة هوام الأرض”، في إشارة إلى أحداث تشرين وما رافقها من تدخل خارجي واصطفافات إعلامية مشبوهة.

🟦 الوعي السياسي الجديد.. حكومة ما بعد 2022

هذا المقطع هو لبّ البيان وجوهر رسالته السياسية.
فهو يعلن بوضوح أن حكومة ما بعد عام 2022 هي أول حكومة شيعية تولّت الحكم بكامل إرادتها وصلاحياتها، بعيدًا عن الإملاءات الدولية والوصايات الإقليمية:

“كانت حكومة الإطار التنسيقي، وبكامل إرادته وإدارته، حيث دُعمت وفُتحت لها الميزانيات والمعنويات على مصراعيها، لتنتج ما نراه اليوم.”

في هذه العبارة القصيرة تتبلور النقلة الفكرية في خطاب المقاومة:
لم تعد المقاومة تبرّر ضعف الأداء بـ “الضغوط” أو “الظروف المفروضة”، بل تعلن امتلاكها زمام القرار، وتقرّ ضمناً بأن المسؤولية عن النتائج أصبحت ذاتية بالكامل.

إنه تحوّل من الخطاب الدفاعي إلى الخطاب الإداري، ومن “الشكوى من المصادرة” إلى “الاعتراف بالتمكين”، ومن “اللوم الخارجي” إلى “الرقابة الذاتية”.
وهو ما يمكن اعتباره بحق الوعي السياسي الجديد في خطاب المقاومة.

🟫 الخلافات المكوّنية وضبط البنية الداخلية

يتوقف البيان عند مسألة حساسة، هي الخلافات داخل المكوّن الشيعي، داعياً إلى ضبطها ضمن “السقوف الضامنة” للمرجعية الرشيدة والعرف الاجتماعي.
ويحذر من الخلاف مع الأطراف الأخرى الذي قد يتخذ بعدًا عقائديًا خطيرًا يصل إلى التكفير والإلغاء.

هذا الوعي بالحدود الداخلية والخارجية للصراع السياسي يعكس نضجاً مؤسسياً في الخطاب، وتقديراً دقيقاً لخطورة الانقسام في مجتمع متعدد الطوائف والانتماءات.

🟩 من الشرعية الجهادية إلى الشرعية الشعبية

في خاتمته، يوجّه البيان دعوةً واسعة للمشاركة في الانتخابات المقبلة باعتبارها الطريق الأضمن لتثبيت الحكم وحماية الاستقرار.
فالانتخابات تُقدَّم هنا بوصفها واجبًا وطنيًا ودينيًا، لا مجرّد استحقاق سياسي، في انتقالٍ واضح من شرعية السلاح إلى شرعية الصندوق.

“الطريق الأفضل والأكثر مقبوليةً شعبيًا، بل قد يرقى إلى الشرعية، هو التوجّه إلى الانتخابات التي تُثبت أركان الحكم في البلاد.”

ويُختتم البيان بثقةٍ لافتة:

“إن الحكومة القادمة – من ألفها إلى يائها – ستتشكل على طاولة الإطار التنسيقي، وبإسناد من المقاومة الإسلامية والحشد الشعبي وأبناء الشعب الغيارى.”

وهي عبارة تعبّر عن ثقةٍ سياسيةٍ مطلقة، لكنها في الوقت ذاته تُحمّل الإطار والمقاومة مسؤولية تاريخية عن مستقبل الحكم في العراق.

🟥 خلاصة التحليل

يُقدّم البيان سردًا متماسكًا لتجربة الحكم الشيعي في العراق منذ عام 2003، ويدشّن مرحلة جديدة من الوعي السياسي الذاتي لدى المقاومة، قوامها:

تحمّل المسؤولية بدل تعليقها على الخارج،

الإقرار بالتمكين بدل الاتكاء على المظلومية،

والانطلاق من منطق الدولة لا منطق الردّ على الخصوم.

إنه إعلان ضمني بأن زمن التبريرات انتهى، وأن الاختبار الحقيقي للمقاومة هو في قدرتها على إنتاج دولةٍ عادلةٍ ومنتجةٍ وآمنة، بعدما امتلكت لأول مرة كل أدوات الحكم.

وبهذا، يمكن القول إن بيان كتائب حزب الله 2025 يشكّل لحظة نضجٍ في الخطاب السياسي للمقاومة، وينتقل بها من مرحلة “التحرر من الخارج” إلى مرحلة “الإصلاح من الداخل” — وهو ما يستحق بحق عنوانه:

#الوعي السياسي الجديد في خطاب المقاومة.. حكومة ما بعد 2022.