زهراني يقلب الطاولة على الرأسمالية: قراءة تحليلية في التحول السياسي وتداعياته على الوعي الانتخابي في العراق..!
كاظم الطائي/Nor ||

تحولات جوهرية في أنماط الخطاب السياسي، مع بروز أصوات جديدة تعبّر عن غضب الشارع من هيمنة رأس المال وتراجع العدالة الاجتماعية. تجربة «زهراني» في الولايات المتحدة الأمريكية شكّلت نموذجًا معبّرًا عن هذا التحول، حيث تمكن من كسر قواعد اللعبة التقليدية التي ظلت لعقود محكومة بالمال السياسي والنفوذ الاقتصادي.
هذا الانتصار لم يكن حدثًا محليًا فحسب، بل فتح بابًا واسعًا للنقاش حول مستقبل الديمقراطية في المجتمعات التي أنهكها النظام الرأسمالي، وأعاد طرح سؤال العدالة الاجتماعية بوصفه جوهر السياسة لا هامشها. ومن هنا يمكن النظر إلى التجربة الأمريكية باعتبارها مرآة تعكس الحاجة إلى تجديد الخطاب السياسي في مناطق أخرى من العالم، ومن بينها العراق.
أولًا: زهراني وتفكيك الخطاب الرأسمالي
جاءت تجربة زهراني لتكشف أزمة الرأسمالية من داخلها. فقد قدّم نموذجًا في العمل السياسي يعتمد على القاعدة الشعبية، ويبتعد عن تمويل الشركات الكبرى أو نفوذ جماعات الضغط. خطابه لم يكن صداميًا بقدر ما كان كاشفًا؛ إذ أظهر كيف تحولت السياسة في الغرب إلى ساحة للمصالح المالية أكثر من كونها مجالًا لخدمة الإنسان.
زهراني لم يتحدث بلغة النخبة، بل بلغة المواطن العادي الذي يواجه أعباء السكن والعمل والضرائب. وبذلك، نجح في إعادة تعريف العلاقة بين السياسي والمجتمع، مؤكدًا أن وظيفة السياسة هي حماية الفئات المهمشة لا تمثيل رأس المال. لقد كان فوزه السياسي تجسيدًا لوعي جمعي بدأ يرفض هيمنة المال على القرار الديمقراطي.
ثانيًا: أثر التحول في المعادلة الأمريكية
ما حدث في الولايات المتحدة على يد زهراني يمكن وصفه بأنه تحول ثقافي أكثر منه سياسي. فالمجتمع الذي طالما قادته المؤسسات الاقتصادية الكبرى بدأ يعبّر عن إرادته في استعادة قراره. هذا التحول كشف عن أزمة الثقة بين المواطن والسلطة، وأعاد الاعتبار لفكرة أن الديمقراطية الحقيقية لا تقوم على توازن الأموال بل على توازن القيم.
لقد مثّل الخطاب الجديد خطوة جريئة في مواجهة ما يُعرف بـ «المال السياسي»، وهو المصطلح الذي أصبح مرادفًا للتأثير غير المباشر لرأس المال على نتائج الانتخابات. بهذا المعنى، فإن صعود زهراني كان رفضًا هادئًا للنظام القائم، لا عبر الثورة، بل من داخل الأدوات الديمقراطية ذاتها.
ثالثًا: انعكاسات على المشهد العراقي
في المقابل، يعيش العراق اليوم مرحلة سياسية تتسم بالتعقيد، تتداخل فيها عوامل الانقسام الاجتماعي والاقتصادي مع إرث طويل من الأزمات المؤسسية. ومع اقتراب الانتخابات المقبلة، يتزايد الحديث عن الحاجة إلى تجديد الخطاب السياسي بما يستجيب لاحتياجات المجتمع بعيدًا عن الشعارات التقليدية.
المشهد العراقي، رغم خصوصيته، يلتقي مع الحالة الأمريكية في نقطة جوهرية: الإرهاق من النخب التقليدية وفقدان الثقة في الوعود غير المنجزة. الوعي الشعبي بدأ يتشكل حول فكرة أن التغيير لا يمكن أن يتحقق بالشعارات، بل من خلال مراجعة بنية الفكر السياسي وأساليب التواصل مع الجمهور.
رابعًا: أزمة الخطاب السياسي
الخطاب السياسي في العراق، كما يراه العديد من المراقبين، يعاني من انقسام واضح بين الشكل والمضمون. فهو في كثير من الأحيان يغلب عليه الطابع العاطفي، ويفتقر إلى الرؤية العملية التي يمكن أن تشكّل أساسًا لسياسات واقعية.
هذا الخطاب، في صورته الراهنة، لا يعكس بالضرورة وعي الشارع بقدر ما يكرّس حالة من الجمود الفكري. لذلك، فإن أي عملية تغيير حقيقية لا بد أن تبدأ من إعادة بناء اللغة السياسية على أساس العقلانية والواقعية، لا على أساس الموروثات الأيديولوجية أو الولاءات الضيقة.
خامسًا: الوعي الانتخابي كمدخل للتغيير
ما يمكن ملاحظته بوضوح هو أن التحولات الكبرى في الوعي السياسي لا تنشأ من فراغ، بل من تفاعل طويل بين التجربة والمعاناة. الوعي الانتخابي في العراق بدأ يتطور تدريجيًا، خاصة بين فئة الشباب التي تمثل النسبة الأكبر من السكان. هذه الفئة أصبحت أكثر قدرة على التمييز بين الخطاب الحقيقي والخطاب الاستهلاكي.
وعلى غرار ما حدث في التجربة الأمريكية، يتشكل إدراكٌ متزايد بأن صناديق الاقتراع ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لتجديد الطبقة السياسية. هذا الإدراك، إذا ما تطوّر، يمكن أن يشكل لحظة تحول نوعية في التاريخ السياسي العراقي الحديث.
بالتالي
لا يمكن النظر إلى انتصار زهراني في الولايات المتحدة بمعزل عن سياقه الاجتماعي والاقتصادي، لكنه يقدّم نموذجًا رمزيًا على قدرة الشعوب في استعادة صوتها عبر الوعي والتنظيم.
أما في العراق، فإن الحاجة إلى هذا النوع من التحول تبدو أكثر إلحاحًا، ليس على مستوى الأسماء أو القوائم، بل على مستوى إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة.
فالسياسة، في جوهرها، ليست صراعًا على النفوذ، بل وسيلة لإنتاج العدالة. وعندما يدرك الشارع هذه الحقيقة، يصبح التغيير ممكنًا دون صدام، كما حدث حين قرر الناخب الأمريكي أن يقلب الطاولة على المال السياسي والرأسمالية المتغوّلة عبر صوتٍ واحدٍ جاء من الناس ولأجلهم.




