الخميس - 18 يونيو 2026

فاطمة الزهراء (ع) وقداسة الوحي الإلهي..!

منذ 8 أشهر
الخميس - 18 يونيو 2026

اكرم كامل الخفاجي ||

 

الحمد لله رب العالمين .. اللهم صلِّ على محمد وآل محمد .

ليس بدعاً من الأمم أن تحتفل أمتنا بذكرى شهادة الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين (ع) ، فإنها سُنّة عقلائية جارية أن تحتفل الأمم بعظمائها وبناة حضارتها وتشيد بمآثرهم وفاءً لحقهم واستنهاضاً لهمم الأجيال اللاحقة كي يسيروا على هداهم ، ولا يتخلف عن هذه السُنة إلا الأمم المتخلّفة المتوحشة لأنها لا حضارة لها ولا تاريخ حتى تهتم به وتجدده .

والزهراء فاطمة (ع) من القمم الشامخة التي يتضاءل أمامها كل العظماء وتفخر بها البشرية جمعاء .
يقول أحد العلماء العِظام : (إنّ الإنسان كلّما فكّر وتدبّر أكثر في أحوال الزهراء الطاهرة (ع) يحتار أكثر ، وحيرة الإنسان ليست ناجمة عن كيفية تمكّن هذا الكائن الإنساني من نيل هذه الرتبة من الكمالات المعنوية والمادّية في سني الشباب ـ وهي بالطبع حقيقة تثير الحيرة أيضاً ـ بل من القدرة العجيبة التي استطاع الإسلام بها أن يبلغ بتربيته الرفيعة إلى درجة تُمكّن امرأة شابّة كسب هذه المنزلة العالية في تلك الظروف الصعبة . فعظمة هذا الكائن وهذا الإنسان الرفيع تثير العجب والحيرة ، وكذلك عظمة الرسالة التي أظهرت هذا الكائن عظيم القدر وجليل المنزلة) .

وفي مقاربة بسيطة عن شهادة الزهراء (ع) نرى أنها ذُكرت بموضعين جليلين بعد شهادة الرسول الأكرم (ص) لا ينبغي تجاوزهما ، أولها حرق بيتها وثانيهما ظهور مصحفها .. ولما كان الحديث عن شهادتها قد أشبعها المحدثون بما لا يسعنا الكتابة فيه ، وسأعمل على بيان الموضع الثاني المعنون بـ (مصحف فاطمة).

عن إسحاق بن جعفر بن محمد بن عيسى بن زيد بن علي قال : سمعت أبا عبد الله الصادق (ع) يقول: إنّما سمّيت فاطمة محدّثة لأنّ الملائكة كانت تهبط من السماء فتناديها ، كما تنادي مريم بنت عمران فتقول : يا فاطمة ، إنّ الله اصطفاك وطهّرك واصطفاك على نساء العالمين ، يا فاطمة اقنتي لربّك واسجدي واركعي مع الراكعين فتحدّثهم ويحدّثونها ، فقالت لهم ذات ليلة : أليست المفضّلة على نساء العالمين مريم بنت عمران ؟ فقالوا : إنّ مريم كانت سيّدة نساء عالمها، وإنّ الله جعلك سيّدة نساء عالمك وعالمها وسيّدة نساء الأولين والآخرين) .

أما الروايات التي تتحدث عن مصحف فاطمة فكثيرة منها :

1- عن أبي عبيدة عن أبي عبد الله الصادق (ع) : أن فاطمة مكثت بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) خمسة وسبعين يوماً ، وكان قد دخلها حزن شديد على أبيها ، وكان جبرئيل (ع) يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها ، ويطيب نفسها ، ويخبرها عن أبيها ومكانه ، ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها ، وكان علي

(ع) يكتب ذلك ، فهذا مصحف فاطمة (ع) .
2- عن أبي حمزة أن أبا عبد الله الصادق (ع) قال : مصحف فاطمة ما فيه شيء من كتاب الله وإنما هو شيء ألقي إليها بعد موت أبيها .

3- عن حماد بن عثمان قال : سمعت أبا عبد الله الصادق (ع) يقول : إن الله تعالى لما قبض نبيه (صلى الله عليه وآله) ، دخل على فاطمة من وفاته من الحزن ما لا يعلمه إلا الله عز وجل ، فأرسل الله إليها ملكاً يسلي غمها ويحدثها ، فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين (ع) ، فقال : إذا أحسست بذلك وسمعت الصوت قولي لي ، فأعلمته بذلك ، فجعل أمير المؤمنين (ع) يكتب كلما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفاً .

4- عن أبي بصير قال : سألت أبا جعفر محمد بن علي (ع) عن مصحف فاطمة ، فقال : أُنزل عليها بعد موت أبيها ، قلت : ففيه شيء من القرآن ؟ فقال : ما فيه شيء من القرآن .

هنا يتبادر الى الذهن أن مفردة (مصحف) ترادف مفردة (قرآن) ويلزمها الوحي ! وهذا خلاف المنطق الإلهي الذي قال به القرآن الكريم نفسه .. إذ أن الوحي الالهي يأتي من قِبل الله سبحانه الى جبرائيل (ع) الى الرسول الأكرم (ص) ، وهو ما يسمى بعنوان (القرآن الكريم) .. أما الوحي الآخر فهو وحي الملائكة ومن الله سبحانه أيضاً . فقد نقل لنا القرآن الكريم نماذج من النساء تحدّثن وتكلّمن مع الملائكة ، وهن لسن بنبيّات ولا وصيّات، وإنما كنّ وليات من أولياء الله منهن :

1- مريم (ع) قال تعالى : {وَإذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ} (آل عمران:42).

2- سارة ، قال تعالى : {وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى … وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإسْحَقَ وَمِن وَرَاء إسْحَقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ} (هود : 69 ـ 72) .

3- أم موسى ، قال تعالى : {وَأَوْحَيْنَا إلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} (القصص : 7 ) .
فإن الإيحاء لم يقتصر على الأنبياء والمرسلين وعلى من ذكرناهم من النساء ! فقد أوحى الله تعالى إلى كل من :

1- النحل ، قال تعالى : {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا..} (النحل : 68) .

2- الحواريون ـ أصحاب عيسى (ع) ـ قال تعالى : {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي ..} (المائدة :111).

3- السماوات ، قال تعالى : {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا ..} (فصلت : 12) .

4- الأرض ، قال تعالى : {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} (الزلزلة : 5) .
ويظهر من خلال هذه الآيات القرآنية وآيات أخرى ، أن الوحي ليس مختص بالأنبياء والرسل فقط ! بل هو يتعدى إلى أولياء الله تعالى . نعم ، الوحي هنا في هذه الآيات المفهوم منه غير الوحي في إبلاغ الرسالات إلى الأنبياء ، بل هو شأن آخر من الوحي .

فالوحي لغة : الإعلام الخفي السريع . واصطلاحاً : الطريقة الخاصة التي يتصل بها الله تعالى برسله وأنبيائه لإعلامهم بألوان الهداية والعلم . وإنما جاء تعبير الوحي عن هذه الطريقة باعتبارها خفية عن الآخرين ، ولذا عبّر الله تعالى عن اتصاله برسوله الكريم بالوحي ، قال تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ..} (النساء : 163) ، وقال تعالى : {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} (الشورى : 51).

وهذه الآية الأخيرة حدّدت معنى الوحي الذي يختص بالأنبياء والمرسلين ، أما الآيات الأخرى المتقدمة الذكر فلها معانٍ أخرى للوحي ، والذي نقول به أن فاطمة الزهراء (ع) إنما كانت محدّثة من قبل الملائكة بنحو من أنحاء الوحي الذي بينته الآيات الآنفة الذكر ، فلا محالة أن تكون قد حدثت من قبل الملائكة كما دلّ القرآن على إمكان وقوع ذلك . فإن من أوحى لأحجار وحشرات ، لقادر على أن يوحي لأفضل بريّته بعد رسوله (صلى الله عليه وآله) .

اتضح أن تحديث الملائكة للزهراء (ع) لم يكن من الوحي النبوي ولا من الوحي القرآني . وممّا يدل على عدم الملازمة بين تحديث الملائكة والنبوة ، ما رواه صاحب (بصائر الدرجات) عن حمران بن أعين قال : قلت لأبي جعفر (ع) : ألست حدثتني أن عليا كان محدثا ؟ قال : بلى ، قلت : من يحدثه ؟ قال : ملك ، قلت : فأقول : إنه نبي أو رسول ؟ قال : لا ، بل مثله مثل صاحب سليمان ، ومثل صاحب موسى ، ومثل ذي القرنين . أما بلغك أن علياً سئل عن ذي القرنين ، فقالوا : كان نبياً ؟ قال : لا ، بل كان عبداً أحب الله فأحبه ، وناصح الله فناصحه) .

عن أبي بصير قال : سألت أبا جعفر محمد بن علي (ع) عن مصحف فاطمة ، فقال : أُنزل عليها بعد موت أبيها ، قلت : ففيه شيء من القرآن ؟ فقال (ع) : ما فيه شيء من القرآن .. مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرّات ، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد .

وعن حماد بن عثمان قال : سمعت أبا عبد الله الصادق (ع) يقول : (تظهر الزنادقة في سنة ثمان وعشرين ومائة ، وذلك إني نظرت في مصحف فاطمة (ع) قال : قلت : وما مصحف فاطمة ؟ قال : إن الله تعالى لما قبض نبيه (صلى الله عليه وآله) دخل على فاطمة (ع) من وفاته من الحزن ما لا يعلمه إلاّ الله عز وجل فأرسل الله إليها ملكاً يسلي غمها ويحدثها ، فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين (ع) فقال : إذا أحسست بذلك وسمعت الصوت قولي لي ، فأعلمته بذلك فجعل أمير المؤمنين (ع) يكتب كلما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفاً ، قال : ثم قال : أما إنه ليس فيه شيء من الحلال والحرام ، ولكن فيه علم ما يكون) (أصول الكافي ج 1/240) .

اللهم بحق الزهراء البتول (ع) إجعلنا من المتمسكين بولاية الزهراء وأبيها وبعلها وبنيها (عليهم السلام) إنك سميع مجيب .