تساؤلات في آيات القرآن الكريم – 2
محمّد صادق الهاشميّ ||
قال تعالى: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ* وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ* ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ* فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ}[سورة فُصّلت 41: 9 – 12].
ذكرنا هذه الآيات في الحلقة السابقة، وكان الحديث فيها في الاجابة عن كيفية التوفيق بين قوله خلق السموات والأرض في ستّة أيام، وبين ظهور بعض الآيات الأخرى أنّ ذلك في ثمانية أيام. واليوم نجيب عن شبهتين اُخريين في نفس الآيات:
(الأولى): إنّ الآيات ظاهرةٌ في أنّ خلق السّماوات قد جاء في مرحلة متأخّرة من خلق الأرض، حيث قالت: {… خَلَقَ الْأَرْضَ… ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السّمَاءِ … فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ}، وهذا ينافي قوله تعالى: {… أَمِ السّمَاءُ بَنَاهَا … وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا}؟ وكلمة «بعد ذلك» تدلّ أنّ الأرض خُلِقَتْ بعد خلقِ السّماء، فكيف نوفّق بينهما؟
أقول: إنّ هذه الشّبهة ناشئةٌ من خلطٍ بين مفهوم (خلق الأرض) ومفهوم (دحوها)، فالمرادُ بخلق الأرض إيجادُها، بعد أنْ لم تكنْ، وكانت في بداية خلقِها كتلةً حجريّةً عظيمةً مغطاةً بمياه الأمطار الغزيرة، ثمّ بعد ذلك أتتْ مرحلةُ الدّحو.
والمرادُ من «دحو الأرض» جعلها صالحة للعيش؛ لأنّها كانت مغطّاةً بمياهٍ غزيرة ، ثمّ انحسرت تلك المياه تدريجياً في منخفظات الأرض، فشكّلت البحار والمحيطات، فيما علت اليابسةُ على أطرافها، وكانت كتلةً مجتمعة، فأرسى اللهُ فيها الجبال، وأنبتَ فيها النّبات، وتوسّعت تدريجياً، وتفجرتِ فيها العيون ونبتتِ فيها الأشجار والموارد الغذائية، وكلّ ما يجعلها صالحة للعيش البشريّ فيها، وحدث ذلك بعد خلق السّماء والأرض، وقد أشار كثيرٌ من الآيات لذلك، فقال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15]، {وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ} [الذاريات: 48]، وقال تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى} [طه : 53]، وقال تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا} [النبأ : 6]، فيتكلّم في مرحلة (دحو الأرض) عن أرضٍ موجودةٍ بالفعل مخلوقةٍ ثمّ فُرشَتْ، فخلاصة المعنى: أنّ الله خُلق الأرض أوّلاً، ثمّ خلق السماء، ثم دحا الأرض بجعلها صالحة للعيش فيها.
(الثالث): إنّ الآية الأولى تصرّحُ أنّ الله تعالى قد خصص (يومين) لخلق الأرض فقط، فقال: {… خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ…}، ثمّ بيّن أنّه تعالى خلق سبع سماوات في (يومين) فقال: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ}، والسّؤال هو: إنّ حجم الأرض إذا قيس للعدد الهائل من أجرام السّماوات السّبع التي عرفها الإنسانُ والتي لم يعرفها إلى يومنا هذا لا تكاد تشكّل إلّا نسبة ضئيلة منه جدّاً، فقيل: إنّ حجم الأرض بالنّسبة لحجم السّماوات هو 1/ 13 وأمامه 57 صفراً، فكيف تكون المدّة التي إستغرقها خلق الأرض متساوية في المدّة التي استغرقها خلق السّماوات؟، وما هذا إلّا كقول القائل: بنيتُ أنا وحدي لا شريك معي غرفةً في (يومين)، وبنيتُ أنا وحدي لا شريك معي بغداد كلّها بكلّ نواحيها وأقضيتها في (يومين)، غير مستبطيء في الثّاني، ولا مستعجل في الأوّل؟
(الجواب): إنّ هذا التّساؤل مبنيٌّ على أمرين:
(الأوّل): أنّ اليوم بحسب ما هو ما نعرفه هو 24 ساعةً ، فحينئذٍ يقعُ التّساؤلُ كيف يخلق الله الأرضَ في 48 ساعة، ويخلق السّماوات بكل ما فيها من كواكب ومجرّات في 48 ساعة أيضاً مع كونها تفوق الأرض أضعافاً مضاعفة؟.
وليس الأمر كذلك، فإنّ كلمة اليوم كما قد تطلق في كلمات العرب على الفترة الزّمانية المحددة بـ «24» ساعة، تطلق على المقطع من الزّمان.
قال الرّاغب في مفرداته: 894 : «اليَوْمُ: يعبّر به عن وقت طلوع الشّمس إلى غروبها. وقد يعبّر به عن مدّة من الزّمان أيّ مدّة كانت، وقوله: {… وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ…} (انتهى). فالمرادُ الفترات الزمانيّة ، وعليه فإنّ الله قد خلق الأرض في مرحلتين من الزّمان، وخلق السّماوات في مرحلتين أيضاً، أمّا أنّ كلّ مرحلة كم تستغرقُ من الزّمان فلم يتعرّض لها القرآنُ الكريمُ، فلا يردُ التّساؤلُ المذكورُ؛ إذْ ليس المنظورُ في الآية الكريمة هو حساب عدد السّاعات التي استغرقها خلقُ كلٍّ واحدٍ منهما، كما توهّمه المستشكلُ، بل المراد باليومين المرحلتان.
وقد نصّ المفسّرون على ذلك، قال السّيّد الطباطبائيّ في ميزانه 17 : 363 : «والمرادُ باليوم في قوله : {خلق الأرض في يومين} برهةٌ من الزّمان دون مصداق اليوم الذي نعهده ونحن على بسيط أرضنا هذه، فإنّه ظاهرُ الفساد، وإطلاق اليوم على قطعةٍ من الزّمان تحوي حادثةً من الحوادث كثيرُ الورود شائعُ الاستعمال، ومن ذلك قوله تعالى : {وتلك الأيام نداولها بين النّاس}، وقوله : {فهل ينتظرون إلّا مثل أيّام الذين خلوا من قبلهم} أنتهى). وكما يقول القائل: كنّا في أيام البعثيين قد ذقنا مرارات الموت، وغير ذلك.
(الثّاني): أنّ الشّبهة مبنيّة على أنّ فعل الله تعالى كفعل البشر يقتضي زماناً، فكلّما كان الأمر الذي يراد إنجازه كبيراً احتاج إلى مدّةٍ أطول، ومن هنا جاء السّؤال كيف يتساوى خلق الأرض مع خلق السّموات، مع عظمة السّموات وسعتها، وما تكون الأرض من ذلك؟
ولكنّ هذا توهّمٌ؛ لأنّ فعل الله تعالى لا يستغرقُ إلّا زمان «كنْ»، قال تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة : 117]، وقال تعالى: {… وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}، بلا فرق بين الأمر الكبير والصّغير، فلا حاجة إلى زمانٍ لكي يتطلّب ذلك فرقاً فيه. قال تعالى: {… وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ}.وقال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ}، واللغوب: التّعبُ والإعياءُ.
ومن أدعية الصحيفة السجادية: «ومضت على ذكرك الأشياءُ، فهي بمشيتك دون قولك مؤتمرة، وبإرادتك دون وحيك منزجرة».
والحمد لله أوّلاً وآخراً
الأربعاء 6 / 5 / 2020م . الموافق: 12/ شهر رمضان / 1441 ه
ــــــــــــــــــ



