الخميس - 18 يونيو 2026
منذ 8 أشهر
الخميس - 18 يونيو 2026

اكرم كامل الخفاجي||

 

الحمد لله رب العالمين .. اللهم صلّ على محمد وآل محمد .

كلما هَزُلت رجولتنا أمررناها بمحراب فاطمة الزهراء (ع) علّنا نُعيد بعضاً منها في هذا الزمن الأغبر .
وأنا على يقين أن كل أبجديات اللغة لا تستطيع أن تبين جانباً بسيطاً من جوانب شخصية فاطمة الزهراء (ع) .. وأنى للمحدود أن يلّم باللامحدود .. أو أنى لأبناء الأرض أن يكتشف شخصية بنت السماء .. أو أنى لشخصٍ أن يشرح عن حياة المعصوم إلا من كلامه ، بينما كلام المعصوم معصوم الكلام .

ولكن مع عجزي هذا دعوتُ الله سبحانه أن يرزقني الكتابة عن الزهراء (ع) بما يتناسب مع ذهني ، ويتوافق مع قلبي ، لأرشف بها رشفة من بحر شفاعة الزهراء (ع) في أي ظرف من حياتي أو بعد مماتي .. وأنا على إيمان قاطع وكامل أن الخالق سبحانه لا يبخل عليّ بذلك وهو قد استجاب لي بالزهراء (ع) ورزقني هذا الموضوع اليسير .. فهل يبخل عليّ بالزهراء (ع) يوم الورود ؟ إن الله أحسن الخالقين وهو أرحم الراحمين .

يقول الإمام علي (ع) : أيها الكاتب ما تكتب مكتوبٌ عليك فاجعل المكتوب خيراً فهو مردود عليك .
ولا أعرف أو أعلم أو أدري أن هناك خيراً من الكتابة عن الزهراء (ع) وإليها .. وعندما يُنادى يوم القيامة (إقرأ كتابك) فاقرأ أنا عنوان الزهراء (ع) فيه فيوسمني سبحانه بوسام الفلاح والنجاح والإنجاح .

فيا سيدتي ولسان قلمي إمتلأ إعتذاراً لسقم كلماتي ونحول حروفي ، لأذكرك وانتِ الغنية عن ذكري ، ولكني أذكركِ لمصداق قول الإمام الصادق (ع) وهو يفسّر قوله تعالى (اذكروا الله ذكراً كثيراً) ، الذكر الكثير هو تسبيح فاطمة (ع) .

إذن فأني اذكركِ في أوراق كتابي ليذكرني الله سبحانه في كل موضع مصداقاً لقوله تعالى (اذكروني أذكركم) .

أقول بعد الحمد لله رب العالمين : القرآن يتحدث عن النبي إبراهيم (ع) فيقول (قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم) ، بينما الله سبحانه يقول عن إبراهيم (ع) (إن إبراهيم كان أمة) .. فإبراهيم (ع) عند الناس فتى ، بينما عند الله سبحانه أمة بكاملها .. فالعبرة مَن أنتَ عند الله وليس عند الناس .
فعندما نبحث عن أسرار اللّه المودعة في روح الزهراء (ع) ذات التكوين الجسدي الفريد نصل إلى أن روحها خُلقت من نور عظمة اللّه تعالى ، وهو قول الإمام الصادق (ع) : (إنّما سُمّيت فاطمة ، لأنّ الخَلق فُطموا عن معرفتها) .

فأنّى للخَلق أن يعرفوا فاطمة ؟ ليس فقط (الناس) بل (الخلق) الذي يشمل (الإنس) و (الجنّ) و (الملائكة) ، فالكلّ مفطومون وعاجزون عن معرفتها . فأيّ شخصيّة هذه التي عَزَّ مقامها عن أن تنال الخلائق معرفتها؟

إنّ الزهراء (ع) (حوراء إنسيّة) ، ليست مسألة بسيطة ، فهي في الوقت الذي هي إنسية ومن الناس ومن عالم المُلك والناسوت ، هي حوراء ومن الملكوت الأعلى ، ولا عجب في ذلك فعندما يكون نسيج البدن من أرقى ثمار الجنّة وأنقاها وأصفاها ، ويكون الأب خير الخلق ، والأمّ خير النساء فأيّ بدن طاهر سيكون هذا البدن ؟ ثمّ الروح التي سترتبط بهذا البدن أيّ روح ستكون ؟ إنّها روح الصدّيقة الطاهرة (ع) فهي ليست امرأة من النساء بل إنّها جوهر وناموس ، وسرّ الوجود ، وقضيّة فوق ما تقدر عقولنا على استيعابه بل فوق ما تقدر أذهاننا على تصوّره وإدراكه .

إنّ النبيّ الأعظم (ص) الذي لا ينطق عن الهوى ، والذي يخضع الأنبياء كلّهم أمام قوله وفعله ، قال عن شجرة طوبى وثمرتها : (لم أرَ في الجنّة أحسن منها ، ولا أبيض ورقاً ، ولا أطيب ثمرة) ، ومعنى (لم أرَ) هو أنّه (لا يوجد) ، وإلّا لرآه (ص) ، فنطفة فاطمة (ع) جاءت من ثمرة تلك الشجرة .

فهذا يعني أنّ أصل بدن فاطمة هو أنقى ما في الكون .. إذن : فأيّ روح تناسب ذلك البدن كي تحلّ فيه ؟
فعبارة (الحوراء الإنسيّة) هي العبارة المناسبة للتعريف بشخصية الزهراء (ع) مع ما فيها من أسرار ومميزات.

فالزهراء (ع) فريدة في تكوينها ، وعناصر جسدها الطاهر ، ومن الواضح ضرورة التناسب بين الجسد والروح ، فإنّ النفس والروح الإنسانيّة مثلاً لا تتناسب مع جسد الحيوان ، ولا يمكن أن تحلّ فيه ، بل لابدّ من تسوية الجسد وإعداده إعداداً خاصّاً ثمّ حلول الروح فيه ، قال تعالى : (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ) الحجر : 29 .

فالروح لا تحلّ إلّا في بدن تمّت تسويته في أحسن تقويم ، وإذا كان بدن الإنسان الاعتيادي مخلوقاً في أحسن تقويم فما ظنّك بالبدن الذي لم تؤخذ عناصره الأصلية من عالم الدنيا والمُلك بل أخذت من عالم الملكوت الأعلى كبدن الصّديقة الطاهرة (ع) ، وكيف ستكون النفس والروح التي تناسب مثل هذا البدن وتحلّ فيه ؟

وفاطمة (ع) عند الكتابة عنها يجب أن نضع موقعها عند الله وليس عند الناس .. يعني ما هو موقعها في السماء ، وليس ما هو موقعها عند الأرض ؟ .. فكثيراً ما نبحث عن موقعها عند الخلق ونغفل عن موقعها عند الخالق ، مع أن من يبحث عن الثانية أتته الأولى راغمة .

فما هو العلم الذي قالت فيه الزهراء (ع) : اعلموا إني فاطمة وأبي محمد ؟
هو العلم الذي عنته آية المباهلة (فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندعُ أبناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم ثم نبنتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) .. أذن فالعلم هنا هو العلم الإلهي وهو العلم المحمدي فتكون النتيجة هو العلم الفاطمي .. أي إنكم لا تصلون إلى علم محمد إلا من خلال علم فاطمة .

فالرسول الأعظم (ص) عندما جاءه العلم لم يدعُ إلا فاطمة (ع) للمحاججة ، وهي المحاججة العلمية الإلهية النبوية .. فعندما تقول (ع) : اعلموا إني فاطمة وأبي محمد ، فإنها تقول إنكم لا تستطيعون فهم النبوة إلا من خلالي .. فأنا أمثّل الإمامة العلمية التي أوصى بها النبي (ص) في سنته وكتاب ربه .
يقول الإمام الباقر (ع) : والله لقد فطمها الله تبارك وتعالى بالعلم) .

روي ابن خالويه في كتاب (الآل) بتصرف : عن الإمام العسكري (ع) أنه قال : لما خلق الله آدم وحواء تبخترا في الجنة ، فقال آدم لحواء : ما خلق الله خلقاً هو احسنُ منا . فأوحى الله لجبرائيل إئتِ بعبديّ الفردوس الأعلى ، فلما دخلا الفردوس نظرا إلى جارية قد أشرقت الجنان من نور وجهها . فقال آدم : حبيبي جبرائيل من هذه الجارية التي أشرقت الجنان من نور وجهها ؟ فقال : هذه فاطمة بنت محمد نبي من ولدك يكون في آخر الزمان .. قال آدم : حبيبي جبرائيل أخُلقت قبلي ؟ قال : هي موجودة في غامض علم الله قبل أن تُخلق بأربعة آلاف سنة .

إذن فإن المسافة المحصورة بين السماء والأرض لا يمكن حسابها بالزمان والمكان ، لأنها فوق العدّ الزمكاني !! وإنما تُحسب بالجلال الإلهي ، أو بالجمال الإلهي ، بل بالعصمة الإلهية .
لقد سمعت فاطمة الزهراء (ع) القرآن وهي بضعة المصطفى ، فتعبّدت به كأبهى بنت لسيد الكائنات .. وسمعت القرآن من زوجها المرتضى وتعبّدت به كأفخر زوجة عرفها التأريخ الإسلامي ، فكانت كوثر الرسالة بحق .. وأصبحت أم النبي (ص) وأم الأئمة وأم الأوصياء وأم الأولياء وأم السادة .. فهي خير ابنة ، وخير زوجة وخير أم ، ومنها الخير الكثير ومن ذلك سماها الوحي بالكوثر .

تشييع ودفن فاطمة الزهراء (ع)
ارتفعت أصوات البكاء من بيت الإمام علي (ع) ، فارتجّت المدينة بالبكاء من الرجال والنساء ، ودهش الناس كيوم قبض فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، واجتمعت نساء بني هاشم في دار فاطمة الزهراء (ع) فصرخن وبكين ، وأقبل الناس إلى الإمام علي (ع) ، وهو جالس والحسن والحسين بين يديه يبكيان ، وخرجت أُمّ كلثوم وهي تقول : (يا أبتاه يا رسول الله ! الآن حقّاً فقدناك فقداً لا لقاء بعده أبداً) .

واجتمع الناس فجلسوا ، وهم يضجّون ، وينتظرون خروج الجنازة ليصلّوا عليها ، وخرج أبو ذر ، وقال : انصرفوا فإنّ ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، قد أُخّر إخراجها في العشية ، وهكذا تفرّق الناس ، وهم يظنّون أنّ الجنازة تشيّع صباح غد .

ولكنّ الإمام علي (ع) غسّلها ، وكفّنها هو وأسماء في تلك الليلة ، ثمّ نادى (ع) : (يا حسن يا حسين يا زينب يا أُمّ كلثوم ، هلمّوا ، فتزوّدوا من أُمّكم ، فهذا الفراق واللقاء الجنّة) ، وبعد قليل نحّاهم أمير المؤمنين (ع) عنها .

ثمّ صلّى الإمام علي (ع) على الجنازة ، فلمّا هدأت الأصوات ، ونامت العيون ، ومضى شطر من الليل ، تقدّم الإمام علي والعباس والفضل بن العباس ورابع ، يحملون ذلك الجسد النحيف ، وشيّعها الحسن والحسين وعقيل وسلمان وأبو ذر والمقداد وبريدة وعمّار ونفر من بني هاشم .

و نزل الإمام علي (ع) إلى القبر ، واستلم بضعة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وأضجعها في لحدها ، وقال (ع) : (يا أرض أستودعك وديعتي ، هذه بنت رسول الله ، بسم الله الرحمن الرحيم ، بسم الله وبالله وعلى ملّة رسول الله محمّد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) ، سلمتكِ أيتّها الصدّيقة إلى من هو أولى بكِ منّي ، ورضيت لكِ بما رضي الله تعالى لكِ) ، ثمّ خرج من القبر ، وتقدّم الحاضرون ، وأهالوا التراب على تلك الدرّة النبوية ، وسوّى الإمام علي (ع) قبرها .

اللهم بحق فاطمة وابيها وبعلها وبنيها أن ترحمنا وأن تغفر لنا وتشفّعهم لنا يا أرحم الراحمين .