الأربعاء - 19 اغسطس 2026

كيف واجه القرءان الحرب النفسية واضطراب المعنويات؟!

منذ 11 شهر
الأربعاء - 19 اغسطس 2026

محمد حسن زيد ||
4 أكتوبر 2025

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

أثناء الحرب يكون للإرادة دور هام في انتزاع النصر من عدمه فكم من منتصر لم ينتصر إلا بعد أن صبر على تضحيات أكبر مما خسره العدو بكثير سيما في مجال الثورات ونضال الشعوب ضد الطغيان، ومن هاب بذل التضحيات فسوف تُكسَرُ إرادتُهُ ويظل عبدا ذليلا.. ثورة الجزائر.. ثورة فرنسا.. حرب فيتنام.. مواجهة النازية..

جميع هذه الثورات والحروب خسر فيها الطرف المنتصر أكثر من الطرف المهزوم (من الناحية المادية) لأن الطرف الثائر (المنتصر) كان أضعف بينما كان الطرف الطاغي (المهزوم) أقوى، ولذلك فالعدو يوظف الكثير من جهوده في مجال الحرب النفسية لضرب المعنويات وكسر الإرادة ليستسلم الثائرون بأسرع وقت وبأقل التكاليف، ولعل أهم وظيفة للعملاء تتجلى في ميدان الحرب النفسية حين لا يمارسون القتل والتدمير بأيديهم فيعمدون لكسر إرادة الصمود، وقد يقع بعض الصادقين ضحية الحرب النفسية والإرجاف ليصبحوا شريكا فيها بحسن نية عبر بث الرعب وترويج الاستسلام وتفريق الصفوف وتحقيق أهداف العدو مجانا!
وبسبب عمق تأثير الحروب على مسار التاريخ وعلى صياغة حاضر الناس ومستقبلهم وتفاصيل حياتهم فقد واجه القرءان الكريم الحرب النفسية واضطراب المعنويات في آيات كثيرة نقرأها عادة ونمر عليها مرور الكرام وكأنها مجرد حكايات لا فائدة منها في حياتنا أو تحدياتنا:

1- قصة موسى وفرعون:
حينما كان جيشُ فرعونَ المدجج بالسلاح يُلاحق قومَ موسى يُريد ذبحهم قالوا في يأس: “إِنَّا لَمُدْرَكُونَ” فالمعطيات المادية غير المتكافئة دفعتهم لقول ذلك، فماذا كان جواب موسى؟ كان جوابه عليه السلام: “كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ”.. رغم الخطر المحدق والطريق المسدود والعدو المتربص الخبيث الذي لم يكن يفصله عنهم سوى مئات الأمتار لم يجزع موسى ولم يتراجع بل قال في ثقة وإيمان “كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ”.. وهكذا نجح موسى في هذا الامتحان بينما أظهر الكثيرون الجزع!

2- مصاب بعد هزيمة معركة أُحُد:
بعدما أُصيب المسلمون بأعظم هزيمة في أُحُد وخسروا 70 شهيدا – وهو عدد ضخم بمعايير تلك الظروف – يبدو أن معنوياتهم تأثرت فخاطبهم الله قائلا: “وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ” قال الله “إن كنتم مؤمنين” وقال “وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء” وهو خطاب إلهي يرفع معنويات أي مؤمن مهما بلغت المخاطر والتضحيات!

على الجانب الآخر كانت معنويات العدو في السماء، فتشجعوا على الاحتشاد الضخم بعد عامين لاستئصال شأفة المسلمين في معركة الأحزاب.

3- معركة الأحزاب:
في معركة الأحزاب كانت الظروف المادية مستحيلة والآفاق مسدودة والخوف شديد والإبادة وشيكة ورغم ذلك كان النبي يُطمئن المسلمين ويَعِدُهم بالفتح البعيد ووصول الإسلام إلى صنعاء وهزيمة أكبر

امبراطوريتين في العالم فوجد المنافقون تلك بيئة خصبة للسخرية والإرجاف وبث اليأس حتى قال البعض:

“مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا”.. يصف الله تعالى المعنويات في تلك الظروف قائلا: “إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا”.. بعد انتهاء هذا الزلزال المخيف نجا الجميع لكن كم كان عدد الناجحين في الامتحان وكم كان عدد الراسبين النادمين على إظهار الجزع والشك في الله ورسوله؟

4- طريق الجنة لا بد أن يمر عبر الزلزال والبأساء والضراء ولا يوجد طريق آخر للجنة:
يخبرنا تعالى عزوجل في قوله تعالى: ” أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ”

يخبرنا الله في الآية السابقة أنه لا يحق لنا أن نطمع في نصر أسهل من الأنبياء فطريق الجنة لا بد فيه من البأساء والضراء والزلزال الذي يُوصِل إلى حالة التساؤل اليائس والشاك في قدوم النصر.. وهو عزوجل بهذا الإخبار يحفز المؤمنين على الاستعداد النفسي إن كانوا يُريدون الجنة وانه لا بد أن يُجهزوا أنفسهم للصبر على تحديات مزلزلة ثم يُطمئنهم بالحصول على النصر مهما كانت المعطيات المادية ضدهم معاكسة لتوقعاتهم،

فمثل هذه الآية عزاء عظيم لمن اختار طريق الإيمان والجهاد وواجه الضغوطات والتحديات واضطر لبذل التضحيات وشعر أن الناس يتكالبون عليه ويمارسون الحروب النفسية ضده.. في هذه الحالة يطمئنه الله أنه يسلك الطريق الوحيدة الموصلة إلى الجنة وعليه أن لا يقلق موقنا بالنصر.. فأي بشارة هذه لمن صبروا على مصائب الحروب نيابة عن الأمة في غزة وفي لبنان وفي إيران وفي اليمن؟

5- لا بد أن يتكالب أهل الباطل على المؤمنين:

قد يستوحش المناضلون حين يصبحوا وحيدين في الساحة وقد يتسرب الجزع إلى قلوبهم بشأن واقعية نضالهم وجدواه بسبب كثرة من يُسفههم ويُعاديهم ويتكالب عليهم لكن المؤمنين في المقابل لا يتسرب الجزع إلى قلوبهم بل يزيدهم إيمانا

“وَلَمَّا رَءَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ قَالُوا۟ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۚ وَمَا زَادَهُمۡ إِلَّاۤ إِیمَـٰنࣰا وَتَسۡلِیمࣰا”

هنا يؤكد الله ان تكالب الأحزاب على المؤمنين طبيعي وغير مقلق بل هو مؤشر على سلامة الطريق باعتبار أن حدوثه كان وعدا من الله ورسوله، فبحسب وعد الله ورسوله لن يترك أهلُ الباطل المؤمنين بسهولة ولا بد أن يجتمعوا ضدهم على شكل تحالف (أحزاب) رغم تنافر الأحزاب في الواقع. والأحزاب هنا كناية أيضا عن الكثرة التي تجتمع على هدف استئصال المؤمنين وعدم قبول أي شكل من أشكال التعايش معهم وكأن هذه الأحزاب على اختلاف أهوائها ومشاربها وسوئها ترى في فئة المؤمنين خطرا وجوديا يجب استئصاله.. وهذه الأحزاب مستعدة أن تتعايش مع بعضها لكنها لا يمكن أن تتعايش مع فئة المؤمنين أبدا إلا في إطار النفاق.

6- سيتعرض المؤمنون للترهيب المادي والمعنوي:
“الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ، إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ”

7- سيتعرض المؤمنون للتهديد بالقتل والاستحياء والدعاية بأنهم مبتدعون ومفسدون لكن نتيجة كل ذلك عكسية:
“فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ ۚ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ، وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ” فحتى فرعون وهو يواجه نبي الله موسى حاول تغطية هدفه الحقيقي بدعوى انه حريص على دين قومه من الابتداع وإظهار الفساد، ولو كان في هذا الزمان لربما كانت خشيته على قومه من “الكهنوت” أو “المجوس”

8- إظهار الكراهية للمؤمنين والتهديد المستمر لهم هو أحد أساليب الحرب النفسية:
“قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ”
“قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ ۚ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ ۖ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ”
حالة التشاؤم هذه “تَطَيَّرْنَا” تعني انه مهما فعل المؤمنون من إيجابيات فسيَعمَي خصومُهم عن رؤيتها والاعتراف بها وسيُصرّون على إظهار الكراهية والتشاؤم مع التهديد المستمر.

9- النصر قد لا يأتي إلا بعد أن يصل المؤمنون إلى مرحلة اليأس ويظنوا أنهم إنما كانوا مخدوعين:
“حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ” يُعلّمنا اللهُ من خلال هذه الآية الحد الأعلى من امتحان الاستضعاف حيث سيصل بالمؤمنين إلى حد اليأس التام بسبب تمكن الأعداء وهيمنتهم وحتى يظنوا أن ما آمنوا به لم يكن إلا كذبا، هذه الآية فيها عزاء كبير لمن أحس باليأس أثناء مواجهته لقوى الباطل وأن عليه أن لا يُظهرَ الجزعَ وأن يستمر في القيام بما يجب عليه بقطع النظر عن النتيجة موقنا أن الباقي على الله سواء تحقيق النصر أو القصاص من المجرمين.. قراءة هذه الآية تدفع المؤمن للاستمرار مهما ساءت الظروف المادية والنفسية إن كان يؤمن بصدق الله.

10- التهرب من الجهاد لا يعصم من الموت والأذى بل العكس:

أهم دافع تستهدفه الحرب النفسية هو “الحرص على الحياة” وهو ما يدفع الكثيرين للتهرب من أعباء الجهاد والصمود إذا أقنعهم العدو أن حياتهم بسببه أو مصالحهم ستصبح في خطر، لكن الله تعالى يُبطل مفعول هذا النوع من الحرب النفسية بتأكيده على أن التهرب من الجهاد خوفا على الحياة لا يقي من القتل بل سيُسبب العقوبة: “يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ” يُبين الله ان من يظنون أن التهرب من أعباء الجهاد سيحفظ حياتهم فالموت سيلحق بهم إلى مضاجعهم حيث يظنون الأمان عقوبة وذُلَّاً!

كما يقول تعالى في آية أخرى مؤكدا نفس المعنى لكن بصيغة أعم: “قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا” فالحديث هنا أعم يتناول أي شيء يُصيب الإنسان سواء كان القتلَ أو أدنى منه وبهذا سيَبطُلُ مفعولُ الحرب النفسية بعد أن تفهم أن ما سيصيبك ثابت لكن نتيجة امتحانك ستختلف حسب موقفك وإيمانك!
“فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ۚ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ۗ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا، أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ”

11- من يخشى من الموت ويريد أن يتحايل عليه فليُقتَل في سبيل الله:

كيف يُرهبك العدو بالحرب النفسية وأنت تعتبر قَتْلَهُ لكَ بوابةً للدخول في حياة مثالية وسعادة دائمة في أمن مستبشرا بمن سيلحقون بك؟

يقول الحق تبارك وتعالى: “وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ” من يؤمن بصدق الله في هذه الآية فسيصبح القتل في سبيل الله أمنية له وهدفا رئيسيا في حياته سيما إذا كان يخشى الموت ويريد أن يتحايل عليه، حتى أن الله عزوجل في آية أخرى قد نهى عن تسمية من يُقتلون في سبيل الله بالأموات مؤكدا عزوجل أنهم أحياء فما أبقى بعد ذلك للعدو من أمل لترهيب المؤمنين بالقتل والتدمير والحرب النفسية؟! “وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ، وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ”

12- كيف حاول البعض في معركة بدر أن يتهرب من المواجهة أملا في غنائم مالية سهلة لكن مراد الله كان كسر شوكة الباطل:
“كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ، يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ، وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ” مثلما يُجادل المجادلون اليوم بشأن إسناد غزة وقد تبين لهم مظلوميتها الكبيرة وأن نصرتها من أشرف الأعمال ويودون غير ذات الشوكة لكن إرادة الله هي أن يقطع دابر الكافرين كما قطع دابر ترامب حين اضطر للفرار في مواجهة اليمن “وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ۗ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ”

13- يُريد اللهُ فرزَ المؤمنين بمنع الناس من الشرب رغم انهم لو شربوا جميعا فلن ينقص من النهر شيء:
“فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ” كان هذا امتحانا إلهيا عجيبا في مرحلة حساسة قبل المواجهة العسكرية مباشرة أدى إلى فرز الجند وتقليل عددهم بدلا من زيادتهم حتى أصبحوا فئة قليلة وأيقن الكثير منهم أن لا إمكانية مادية لمواجهة العدو.

14- العتاب القرءاني لمن يزعم انه مؤمن ثم يجعل فتنة الناس كعذاب الله:
إذا كان المؤمن بين خيارين، إما الصبر على قصف أمريكا وإسرائيل والأنذال أو الصبر على عصيان الله وعذابه، فأيهما سيختار؟ “وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ” ويقول عز من قائل: “أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ” ويقول عز من قائل: “وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا” ويقول عز من قائل: “وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ”

15- مدح الربّيين:
عندما مدح الله الربّيين الذين قاتلوا مع الأنبياء وصفهم بهذا الوصف الواضح: “فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ” استحضار هذا المدح الإلهي كفيل بإبطال مفعول أي حرب نفسية أو محاولات لترهيب المؤمنين، فهؤلاء الربّيون أُصيبوا في سبيل الله لكنهم ما وهنوا وما ضعفوا، ولم تدفعهم الإصابات للخضوع والذل (لم يستكينوا) بل استمروا في سبيل الله فأحبهم الله لأنهم من الصابرين.

16- التهوين القرءاني لقدرة أعداء المؤمنين وبيان ضعف معنوياتهم رغم ما قد يُظهرونه من عزيمة وعنجهية:
“لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ۖ وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ” عندما تأتيك هذه المعلومة من مُقلّب القلوب الذي يعلم السر وأخفى فهي وقاية من أي حرب نفسية ومظاهر خادعة.

17- العزاء القرءاني للمؤمنين عند الشعور بالألم بسبب المواجهة:
“إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا”

18- التأكيد القرءاني أن الله سينصر الذين آمنوا في الحياة الدنيا قبل الآخرة:
“إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ”

—————-

لماذا لا يتدخل الله لإنقاذ غزة؟
مفهوم “الامتحان”

الله الذي عاقب أولئك الذين قالوا لموسى “فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ” لم يَعِدِ المؤمنين بأن يحسم الأمور نيابة عنهم بل كلفهم أعباء المواجهة ثم وعدهم بأنه سيمدهم بالملائكة وبالنصر المبين بعد أن يتحركوا ويصبروا ويتقوا “بَلَىٰ ۚ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ ۗ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ”.. وقال في آية أخرى: “إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا” كل ذلك وضحه الله تعالى بشكل جلي باعتبار أن الحياة التي نعيشها عموما ليست سوى مرحلة يتم فيها امتحان الناس “الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا” كما يقول الحق تبارك وتعالى مقللا من شأن الحياة الدنيا: “وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ” كما يصف عزوجل الدنيا بالخداع أو “متاع الغرور” في الآية التالية: “اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ” كما يصف الحق تبارك وتعالى سرعة انقضاء تجربة الدنيا مقارنة بالآخرة: “كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ ۚ بَلَاغٌ” ويقول عز من قائل: “وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ” ويشدد الله في وصف عظمة حياة الآخرة وكمالها بـ”الحيوان” مقارنة بدنيا اللهو واللعب في قوله عز من قائل: “وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ”
فالحياة بالمعاني السابقة ما هي إلا “امتحان” عام تتخلله سلسلة امتحانات خاصة يكون ظاهرُها عادةً خلافَ باطِِنها فما واجهَ فيه الإنسانُ عناءً وتعباً ومشقةً فذلك يستدعي منه الصبر والثبات والجهاد وما استشعر الإنسانُ فيه قُدرةً وبَطراً وغضباً وهيمنةً فذلك يستدعي منه الشكر والعفو والحِلم والإحسان يقول الحق تبارك وتعالى: “وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ” وقال تعالى: “وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ” وباستيعاب هذا المفهوم سنعلم ان الله لم يخترِ ظروفَ الإنسان عبثاً ولم يتركه يتعرض للمآسي والآلام والمظالم إهمالاً ولم يمنحه مختلف النِعَم دون غيره ليطغى في الأرض بغير حساب فكل المعطيات والأحداث التي نعيشها في الحياة الدنيا بحلوها ومرها وصعبها وسهلها إنما وضعها الله تعالى كامتحانات ليميز الخبيث من الطيب تمهيدا للعرض عليه ثم الحساب بين يديه ثم نيل الجزاء العادل الدائم يقول الحق تبارك وتعالى: “لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ” ويقول الحق تبارك وتعالى: “وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ، مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ”

امتحان الاستضعاف

إن استحضرنا مفهوم “الامتحان” الواضح في الآيات السابقة فسنفهم لماذا لا يتدخل الله فورا لإنقاذ المستضعفين عندما نقرأ قوله تعالى: “َلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ” وسنعلم حينئذ بشكل واضح أن الله لم يتخلّ عن غزة ولا عن اليمن كما لم يتخلّ من قبل عن الحسين في كربلاء ولا عن زيد بن علي في الكوفة لكن سُنّتَهُ عزوجل في أرضه وعلى عباده هي التَخلية والبلاء حتى لو كان بينهم أنبياء! وبمثل امتحان غزة أو كربلاء وأشباههما حيث المعطيات المادية في صف الباطل ليُعبّر عن طغيانه بصورة بشعة.. في هذه الفتنة يكشف الأنذالُ عن وجوههم القبيحة دون حياء يكون الامتحان واضحا ومباشرا لأن حقيقةَ الإنسان في هذه الظروف تظهر بشكل جلي لنفسه قبل غيره، فهل من عذر لمن استباح غزة وهو يعلم انه لا يقتل سوى المدنيين؟ وهل بقي هناك التباس في مظلومية أهل غزة لمن تآمر عليهم وخذلهم وساهم في تجويعهم وقتلهم وتهجيرهم؟ وماذا عن ذلك الذي أرجف؟ وذلك المنافق الذي كان دوره هو تفريق الصفوف والتشويش على البوصلة؟ وماذا عن أولئك الذين جَبُنُوا في أمة المليار وآثروا الحياة الدنيا على الآخرة وشَكّلوا أمةً تخاذلتْ فاستُبيحتْ حرماتُها وكُشفتْ عوراتُها؟ وماذا عن ذلك الذي صبر وجاهد وسَبَح عكس تيار الضعف والهوان فوجد نفسه وحيدا مفردا حتى استشهد ليكون حجة لله يوم الدين على أمة تخاذلتْ وظنّتْ أنها قد نَجتْ بالذل والهوان والحرص على “حياة”؟
بهذا الامتحان وهذه الظروف الكاشفة سيشهد كل واحد على نفسه بنفسه وستتم الحجة عليه.. نسأل الله السلامة.
“قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ”

امتحان التمكين في الأرض

إن كان الاستضعاف امتحانا يكشف معادن الناس وحقيقتهم وهم في حالة الضعف كذلك التمكين في الأرض هو أيضا امتحان يكشف جوانب أخرى، يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “إن الرجل لَيُكتَبُ جبّاراً وما يملك إلا أهل بيته” ففي حالة القُدرة يكشف امتحانُ التمكين عن اللؤم والاستكبار والقسوة والوحشية والطغيان والاستغلال والاستئثار والسادية واللامبالاة بالآخرين والكفران بالله واليوم الآخر، وكل ذلك بحساب.. يقول الحق تبارك وتعالى محذرا لمن مكنهم في الأرض فاغتروا بذلك التمكين واندمجوا مع سَكْرَة السلطة: “أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا” فتمكين الغربيين وتمكين اليهود وتمكين الحكام العرب على ما يحكمونه من بلدان وثروات وتمكين أنصار الله على أجزاء من اليمن وتمكين حماس على قطاع غزة.. كل حالة من تلك الحالات إنما هي امتحان.. الإحسان فيه بحساب والتقصير بحساب والظلم بحساب والطغيان بحساب والتآمر بحساب..
كل أنّةٍ لا يَلتَفِتُ إليها الأجلافُ بحساب..
كل آهةٍ لا يسمعونها أو يبالون بها بحساب..
كل مظلمة..
كل خيانةٍ..
كل جحود بالله وكفران..
فكيف بمن يعمد لارتكاب الإبادة الجماعية وتهجير شعوب بأكملها ويأكل أموال الناس بالباطل ويبيح الأعراض وينشر الأمراض ويدمر البيئة بشكل ممنهج بسبب هلعه ويستخدم أسلحة دمار تهدد الكوكب؟
“أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ”
“وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ ۚ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ”
“وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ”
“أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ”
“أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰ”
“فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا”
“وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ”
“فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ”
“فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ”
“أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ ۖ أَفَلَا يَسْمَعُونَ”
” أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۚ”
“وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ”
“اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا”