الاثنين - 22 يونيو 2026

فاطمة الزهراء (ع).. الكوثر المغصوب..!

منذ 9 أشهر
الاثنين - 22 يونيو 2026

اكرم كامل الخفاجي ||

 

 

الحمد لله رب العالمين .. اللهم صلِّ على محمد وآل محمد .

لا أدري لماذا عندما أكتب عن الزهراء (ع) تَفزع الآهات .. وعندما استعير من نفحاتها صوتٌ ، اسمع أنين المصائب .

المرأة التي انحلتها العبادة حد الإعياء ، فكانت الفجيعة أن إغتالوا فيها تلك العبادة بيد الهزيمة .
لم تكن الزهراء (ع) حدثاً إستغرق ثماني عشرة سنة ، وهو عمرها الشريف ، بل واقعاً ثورياً تخطى التأريخ والجغرافية ، لتبرز مأساة الجنس البشري .

فيا سيدتي عذراً إن كانت كلماتي هزيلة وموضوعي حزيناً في ذكرى شهادتك ، ولكن كل حرف فيه كُتب بمداد من الدموع والحسرات ، وبقلم الضلع المكسور الذي وجعه صار قلادة في رقبة الأيام .

الزهراء (ع) اول من أرّخ لميدان المبارزة بين ما يسمى القيادة الشرعية والحق المغتصب .. فكانت بحق أول شهيدة سماوية للمعارضة الأرضية .
أليست الزهراء (ع) نسخة أنثوية من الرسول الأكرم (ص) ؟

من هنا يجب أن نُعيد حساباتنا بالزهراء البتول ، مع أوراق التاريخ الذي كُتب بقلم وعاظ السلاطين ، لكي لا نغفل عن المنهج السليم الناجح والناجع الذي أقامته الزهراء (ع) من أجل قيمومة المبادىء الإسلامية النبيلة ، على واقع التاريخ وليس على اوراقه كما استملحه الآخرون .

فهي شخصية حقيقية لم ينصفها التاريخ ولا الجغرافية ، ولا المقال ولا المثال ، ولا المعنى ولا المبنى ، لأنها تعدّت فرضية المكان لتترسخ في ذاكرة الزمان .

وفي يقيني أن دور الزهراء (ع) هو إتمام الحجة على الناس المتسلّقين ، لأنها العلة التامة التي خلّدت الإمامة .

لم تعش بعد أبيها إلا شهور عدة على قدر أصابع اليد الواحدة .. وفي عقيدتي أنها اختصرت حياة الإسلام بكاملها .. فقد خرجت حية مُحقة ، وعادة شهيدة وشاهدة .

خرجت وهي تعلم أنها آخر ايام حياتها ، كما إنبأها أبوها ، تخاصم القوم وكأنها تقول : اعانكم الله يا مؤمنين ، فإن القوم سوف يحاربوكم في أصغر تفصيل من تفاصيل دينكم .. وقد تكون المعركة على أصغر بقعة من دياركم .. دياركم وليس ديار الغرباء !

واعتذر مقدماً عن محاولة التنبيه إلى أمر بديهي كفاطمة بنت محمد المصطفى ، وهو أمر يُفترض أن الجميع يُسلّم به ، ولكن واقعنا المضطرب والمهزوم يضطرنا إلى التذكير بتلك البديهة ، لنبذل جهداً آخر لإقناع القوم بالمسلّمات .. وتلك الداهية الدهماء .

انتصرت فاطمة انتصاراً لا يدانيه انتصار إلا انتصار أبيها ، عندما أصبح الله يرضى لرضاها ويغضب لغضبها .. وهو انتصارٌ نبوي من لدن الله عندما خاطب حبيبه (ولسوف يعطيك ربك فترضى) ، فلم يكتفِ الله بالإعطاء (وعطاء ربك غير مجذوذ) ، ولكنه عطاء يرضى به الرسول (صلى الله عليه وآله) .. فيكون العطاء من الله وهو رب العطاء ، ويكون الرضا من النبي (صلى الله عليه وآله) ، ومتى لم يرضَ بعطاء ربه ؟؟ ولكنه الرضا مع العطاء ..

ولم يرضَ إلا عندما أعطاه الله سبحانه فاطمة ، فكان لقبها المرضية .. فابوها الراضي وهي المرضية .. وبين الراضي والمرضية عطاء لاينقطع ابداً ، لأنهما من عطاء ربك .

فمجاملة التأريخ على حساب الحقيقة الفاطمية جعلت القوم يظنون أنهم ملائكة على الأرض ، وما أحسبهم إلا خُشبٌ مسنّدة .

إذن لا تلمني سيدتي ومولاتي إن دوّنت هذه الكلمات بحقها ، وهي التي كانت روح محمد (صلى الله عليه وآله) عندما قال أكثر من مرة وفي مواطن متعددة : فاطمة روحي التي بين جنبيّ .. فكيف يجرؤ قلمي على الكتابة عنها (عليها السلام) وقد أُبتلي بأثقال الأرض وأصبح من أهلها ؟.

وقد سألني صديقي متعجباً : كيف تقولون أن فاطمة الزهراء أول الداخلين الى الجنة يوم القيامة ؟ وأين أبوها سيد المرسلين .. أليس هو أولى بالدخول ؟

فأجبته متفاخراً : أليس الزهراء (ع) روح محمد (ص) .. فعلى اليقين أن أول من يدخل الى الجنة هي روحه؟
وسألني أحدهم وقد نفش ريشه : لماذا طالبت فاطمة بأرض فدك ؟

فأجبته بهدوء المنتصر : السيدة فاطمة (عليها السلام) طالبت بإرثها من أبيها النبي وهو من حقها .
فردّ عليّ بلسان موروثه التاريخي : غير صحيح ، فالأنبياء لا يورثون إلا العلم ! لذلك الخليفة منعها من فدك لأنه أعلم منها بالحكم الشرعي .

فبانت على شفتي شبه إبتسامة فقلت : الأنبياء لا يورثون إلا العلم !!
ردّ سريعاً : نعم .
فعادت لي الإبتسامة ولكن بشكل ملأت وجهي فقلت : اذا فاطمة (عليها السلام) ورثت علم الانبياء من ابوها فهي اعلم الناس بالحكم الشرعي ، فحين طالبت الخليفة ميراثها كانت أعلم منه بالحكم لان عندها علم الانبياء !

وسأل أحدهم شيخاً : قال النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) يوماً لفاطمة (عليها السلام) : (فداها ابوها) .. فكيف يفديها وهو أشرف الخلق ؟
فكان رد الشيخ : لتفسير هذه العبارة هناك وجهان :

أولاً : إن قول النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) هو بلحاظ شفقة الأب على ولده ، تلك الشفقة الفطرية التي ترخص دونها النفس والمال .. فلقد سرّ النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) بفاطمة (عليها السلام) حينما أرسلت إليه الستار والسوارين وطلبت منه تقسيم ثمنها على الفقراء ، فتكلم بهذه العبارة الأبوية تعبيراً عن سعادته برفضها لزينة الحياة الدنيا وإقبالها على الآخرة .

وثانياً : هذه العبارة تدل على عظيم منزلة فاطمة (عليها السلام) عند الله وعند رسوله (صلى الله عليه وآله) ، لأنها مستودع الإمامة وأم الأئمة (عليهم السلام) ، ولولاها وأبنائها الطاهرون لانقطع الإسلام واندرست معالمه ، فدين محمد (صلى الله عليه وآله) الذي بعث من أجله تمامهُ بها صلوات الله عليها وعلى أبيها ، فقوله (صلى الله عليه وآله) : فداها أبوها إشارة هذا المعنى وهذه المنزلة الرفيعة .

عندما دفن أمير المؤمنين (ع) فاطمة الزهراء (ع) أبّنها ووجهه صوب قبر الرسول الاعظم (ص) قائلاً : السلام عليك يا رسول الله عني ، والسلام عليك عن ابنتكَ وزائرتك والبائتة في الثرى ببقعتك والمختار الله لها سرعة اللحوق بك ، قلّ يا رسول الله عن صفيّتك صبري ، وعفا عن سيدة نساء العالمين تجلّدي …. (الى أن يقول) : قد أُسترجعت الوديعة ، وأُخِذت الرهينة ، وأختلِست الزهراء ، فما أقبح الخضراء والغبراء يا رسول الله . أما حزني فسرمد ، وأما ليلي فمسهّد …. وستنبئُك ابنتك بتظافر أمتك على هضمها ، فأحفِها السؤال ، وإستخبرها الحال …. ولولا غلبة المستولين لجعلت المقام واللبث لزاماً معكوفاً ، ولأعولتُ إعوال الثكلى على جليل الرزية ، فبعين الله تدفن ابنتك سراً ، ويهضم حقها ، ويمنع إرثها ، ولم يتباعد العهد ، ولم يُخلق منك الذكر ، وإلى الله يا رسول الله المشتكى ، وفيك يا رسول الله أحسن العزاء ، وصلى الله عليك وعليها السلام والرضوان .

واهاً لك أيها القلم كيف تستطيع أن تسبِر غور المأساة إذا كان المنعيّ إليه رسول الله والناعي إمام المتقين والمنعيّ زهراء العرش .

وعندما إجتمعت الأمة على إختلاس الولاية ، بقيت الأمة في قعر المأساة الحياتية ، وبقيت تتيه من متاهة إلى أخرى ، ولا يستنقذنا منها إلا صاحب الأمر (عج) .

وتعال إلى زفرات أمير المؤمنين (ع) وهي تشقّ الصخر الاصمّ حين يقول : قد أُسترجعت الوديعة ، وأُخذت الرهينة ، وأُختلست الزهراء ….. فيعني والله العالم ، إنها أُسترجعت أي أُرجعت فهي غير رجعت ، غصباً عني ، وأخذت غصباً عني ، وأُختلست غصباً عني .. ثم لا طاقة لي على فراقها ، ولا صبر لي على غيابها .. وكيف لا يقول ولي المؤمنين ذلك وهي صنيعة عالم الملكوت وقد سُلبت منه ليبقى يداري جراحه في عالم الملك .. بحيث أنه (ع) لم يخضّب في وقعة صفين ، فقيل له في ذلك ، فقال : نحن في حزن .. يعني أنه في حزن على الزهراء (ع) بعد خمس وعشرين سنة .

اللهم بحق الزهراء البتول (ع) إجعلنا من المتمسكين بولاية الزهراء وأبيها وبعلها وبنيها (عليهم السلام) إنك سميع مجيب .