الاثنين - 22 يونيو 2026

أبو الفضل العباس (ع).. ساقي المبدأ والعقيدة..!

منذ 9 أشهر
الاثنين - 22 يونيو 2026

اكرم كامل الخفاجي ||

 

 

 

الحمد لله رب العالمين .. اللهم صلِّ على محمد وآل محمد .
حين انثالت عليّ اسراب من المشاعر الشجية عصرت قلبي قبل قلمي ليستنزف حبره كتبتُ : قليل في أبي الفضل العباس كل معنى .

ينظر إلي العباس (ع) من غير عينين .. ويصافحني من غير كفين .. أشعر بقربه دائماً رغم بعد المسافات والزمان .. ورغم ذلك يبكيني كلما ذكرته .. قد يكسِر الجميع قلبك دون أن يكترثوا لأمرك ، ويأتي ذاك الكفيل يُضمِّد جرحك ويجبر كسرك فقط لأنّك قلت لهُ بصدقٍ : أنتَ كفيلي يا عبّاس .

سيدي ومولاي : لا وداع لمن نحب .. فأنت القلب والروح .. فكيف تودع الروح روحھا ؟

إنّ الله تعالى قد جعل رسوله الخاتم (صلى‌ الله‌ عليه ‌وآله) أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وجعل رسول الله بأمر من الله عليّاً (ع) والأئمّة الأحد عشر بنيه (عليهم ‌السلام) أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وعلى المؤمنين أن يقدّموهم على أنفسهم وأهليهم ، وأن يؤثروهم على أولادهم وإخوتهم ، وذويهم وعشيرتهم ،

وكذلك فعل أبو الفضل العبّاس (ع) طيلة حياته المباركة ، فأفاض الله سبحانه عليه فجعله باب الحوائج .
ذكر العلامة الشيخ محمد شريف الرازي (رحمه الله) في موسوعته القيمة عن حياة العلماء عن العالم الرباني المرحوم الحاج ملا محمود الزنجاني المعروف بـ (ملا آقاجان) قائلاً :

أنه بعد الحرب العالمية الأولى سافرتُ مشياً على الأقدام لزيارة العتبات المقدسة في العراق ، ولما وصلت مدينة (خانقين) ذهبت للصلاة الى مسجد هناك ، فرأيت في المسجد رجلاً أبيض البشرة يصلي بطريقتنا ، تعجبت لأن هؤلاء (البيضان) ليسوا إلا من شمال روسيا فماذا يفعل هنا ويصلي مثلنا ؟

لذا انتظرته حتى يفرغ من صلاته ، عند ذلك دنوت منه وسلمت عليه ، فعرفت من لهجته أنه روسي بالفعل ، فسألته عن محل إقامته وسبب دخوله الإسلام والتشيع ؟

فقال : أنا من مدينة (ليننغراد) . كنت ضابطاً في الجيش ، وكان تحت إمرتي ألفان من جنود الروس ، عَسكرنا على بعد مسافة من مدينة (كربلاء) ننتظر الأمر بالهجوم لاحتلالها .. في ليلة شاهدتُ في عالم الرؤيا شخصاً مهيباً نورانياً لم أتصور هيبته وقامته من قبل ، قال لي : إن عساكركم منهزمة في هذا المحور من جبهات الحرب ، وسوف ينتشر غداً هذا الخبر فيُقتل هؤلاء الجنود بيد العرب المسلمين . فقبل أن تُقتل ، تعال واعتنق الإسلام لأنقذك من الهلاك .

قلت له : من أنت ، إنني لم أر من قبل أحداً مثلك في هذه الأخلاق الطيبة والهيبة والشجاعة ؟
قال : أنا أبو الفضل العباس الذي يُقسم المسلمون بإسمي .

فانجذبت الى كلامه العذب واعتنقت الدين الإسلامي بتلقينه لي كلمات الشهادة . ثم قال لي : قم الآن واخرج من المعسكر .
قلت : الى أين ؟ أنا ليس لي مكان في هذه البلاد .
قال : بالقرب من خيمتك فرس اركبه ، فسيأخذك الى مدينة أبي (النجف) عند وكيلنا السيد أبي الحسن الأصفهاني .

قلت : عشرة جنود يراقبونني خارج الخيمة بذريعة الحماية !
قال : إنهم سكارى مخمورون ، ولا يشعرون بخروجك .

أفقت من النوم ، فلم أرَ الرجل ولكني رأيت خيمتي منورة وشممت عطراً ورائحة طيبة جداً . فلبست ملابسي بسرعة وخرجت ، فرأيت الجنود العشرة كلهم مخمورين وسكارى . شققتت الطريق من بينهم فلم يشعروا حتى وصلت الى الفرس ، ركبته فأوصلني بعد ساعة الى مدينة النجف ، ثم واصل الطريق في الزقاق حتى وقف عند باب منزل (كان الفرس مأمور من العباس) .. وبينما كنت متحيراً عند الباب لا أدري ماذا أفعل ، وإذا فُتح الباب فخرج منه سيد كبير السن نوراني الوجه يرافقه شيخ فتكلم معي الشيخ باللغة الروسية ثم أدخلاني المنزل .

سألت الشيخ : من هذا السيد ؟
قال : هو الذي أرسلك اليه أبو الفضل العباس (عليه السلام) ، ولقد وصاه بك .
فاقشعر جلدي وجددت بين يديه قراءتي للشهادة ، ثم أمر السيد الأصفهاني الشيخ أن يعلمني الأحكام الشرعية .

وفي اليوم التالي انتشر نبأ هزيمة الحكومة الروسية ، فهجم المسلمون العرب في تلك المنطقة على أولئك الجنود المتأهبين لاحتلال كربلاء فلم يُبقوا منهم أحداً على قيد الحياة . إنني أشكر الله على هدايتي وأرى نفسي مَديناً لأبي الفضل العباس (ع) .

يقول الشيخ ملا محمود الزنجاني (ناقل القصة) سألته : ماذا تفعل هنا الآن ؟
قال : جو النجف حار جداً ، أرسلني آية الله الأصفهاني الى هذه المنطقة لجوّها الأفضل نسبياً ، وفي غير هذه الفترة الصيفية أعيش في النجف براتب شهري يمنحنيه آية الله العظمى السيد الأصفهاني (رحمه الله) .

يقول السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) :
في أيّامنا زار العالم الشهير الميرزا باقر الزنجاني (قدس سره) كربلاء المقدّسة مع جماعة من الطلبة راجلاً ، وحطوا رحلهم في مدرسة «بادكوبة» وأرادوا زيارة العبّاس (ع) فامتنع أحد الطلاّب قائلاً : ليس العبّاس إماماً ، وكلّما نصحوه لم يفد ، فتركوه في المدرسة وتوجّهوا إلى حرم العبّاس (ع) ، ولمّا رجعوا رأوا ازدحاماً في المدرسة ، وبعد التحقق من ذلك الازدحام تبيّن لهم أنّ الطالب المذكور وقع في بئر المرحاض إلى رقبته ، وحاولوا بجهدٍ شديد إنقاذه قبل أن يغطس في البئر ، وبعد محاولة قاسية استطاعوا إنقاذه .

فقال أصدقاؤه : هذا جزاء من لم يزر العبّاس (ع) ويتطاول بلسانه عليه .
فقال : إنّي لم أكن جاداً في قولي . فقالوا له : والعبّاس أيضاً لم يكن جاداً ، فلو كان جاداً لغرقت في بئر القاذورات .

يذكر الشيخ العلّامة باقر شريف القرشي (قدس سره) أن شخصاً من أهالي كربلاء يَعرفه الشيخ بالصلاح والتقوى ، نَذَرَ نذراً شرعياً للعباس (ع) بعد أن أصيب ابنه بمرض خطير ، إن شافاه الله بأن يقدم شيئاً كثيراً للعباس (ع) ولم يحدده .. وبعد أن منّ الله عليه بالشفاء ، إحتار كيف أن يَحلّ نذره ، وقد سأل العلماء عن ذلك الكثير ولم يجيبوه .. فرأى في المنام أبو الفضل العباس (ع) وقال له : لا تكن في حيرة ، فليس بأفضل لي من زيارة مولاي وأمامي الحسين (ع) نيابة عني .

سلامٌ على روحٍ تعلّمت أن العطش أهون من خذلان الإمام .
سلامٌ على ساقي العطاشى الذي سقى المبدأ ولم يذق الماء .
السلام على باب الحوائج أبي الفضل العباس ابن أمير المؤمنين ورحمة وبركاته .. جعلنا الله وإياكم من شفعائه يوم القيامة .. اللهم صلِّ على محمد وآل محمد .