قراءة تحليلية لرسالة السيد مجتبى الخامنئي..!
باقر الجبوري ||
تأتي رسالة السيد القائد الخامنئي للقيادة الإيرانية في لحظة سياسية فارقة لتمثل وثيقة بالغة الأهمية في فهم آليات اتخاذ القرار داخل البنية السياسية لجمهورية إيران الإسلامية. فحتى قبل ان تقترب طهران من المسار التفاوضي المباشر مع واشنطن، كشفت الرسالة عن توليفة دقيقة تجمع بين المصلحة السياسية والحفاظ على الثوابت الاستراتيجية للنظام مستندة إلى إرث عميق من عدم الثقة بالغرب.
ويمكن تفكيك أبعاد هذه الرسالة من خلال أربعة محاور رئيسية تشكل الإطار العام للموقف القيادي الحالي:
1. تتبع الرسالة أسلوباً ينطلق من أدبيات القيادة الإيرانية (المرتبطة بمؤسسة الولي الفقيه) حيث توازن بدقة بين منح الغطاء السياسي للحكومة لضمان تحركها برؤية واضحة وبين إعادة التذكير بالثوابت العقائدية تجاه الطرف الآخر:
●. إن جملة (كان لي رأيٌ آخرُ بطبيعة الحال) لا تأتي هنا في سياق تنصل الكاتب أو البحث عن تبرئة شخصية مسبقة في حال فشل المفاوضات، بل هي تأكيد استراتيجي على رؤية مبدئية ترى أن الجانب الأمريكي لا يمكن الوثوق به مهما قدّم من عهود ومواثيق وأن طبيعته السياسية قائمة على نقض التفاهمات.
●. تكرر الرسالة أن الإذن أُعطي بناءً على (الالتزام الذي قطعه رئيس الجمهورية … وإعلانه الصريح تحمُّل المسؤولية) مما يضع العبء الإجرائي والمتابعة الدقيقة على عاتق السلطة التنفيذية والمجلس الأعلى للأمن القومي لضمان عدم الوقوع في فخاخ التعهدات الأمريكية غير المضمونة.
2. تحديد (الخطوط الحمراء) واستشراف جبهات المواجهة: من الواضح جداً أن رسالة السيد القائد لا تمنح صكاً على بياض بل تضع محددات صارمة للمفاوض الإيراني منطلقة من قراءة واعية لسيناريوهات المستقبل. وأن ربط أي تفاهم بـصون حقوق الشعب وجبهة المقاومة ينبع من إدراك القيادة بأن واشنطن وبالتوازي مع أي مسار دبلوماسي قد تعمد إلى فتح جبهات جانبية للحرب والاستنزاف ضد إيران أو حلفائها في المنطقة لتمرير شروطها. لذا، فإن الرسالة تشترط تلازم المسارين لحماية المحور ككل:
المسار الاول: التشديد على أن المفاوضات المستقبلية لن تعني بحالٍ من الأحوال الإذعان لرأي العدوّ.
المسار الثاني: يهدف إلى طمأنة الداخل بأن الدبلوماسية هي أداة اشتباك أخرى وليست تنازلاً عن المبادئ الأساسية.
3. من جانب أخر أكدت الرسالة على إستخدام لغة الاستعلاء تجاه الخصم فرغم القبول بمذكرة التفاهم والمفاوضات المباشرة، تحافظ الرسالة على أدبيات الثورة في وصف الطرف الآخر بالعاجز حينما وصف الرئيس الأمريكي بأنه من لجأ إلى شتى أنواع أوراق الضغط انطلاقاً من حالة العجز وهي صياغة تهدف إلى التأكيد على أن لجوء واشنطن للتفاوض (أو محاولتها فتح جبهات أخرى) ينبع من عدم قدرتها على حسم المواجهة المباشرة لإظهار إيران دائماً في موقف الند القوي.
4. الرسائل الموجهة للداخل والخارج:
داخلياً: اكدت الرسالة أن القيادة ستظل حذرة ومتشككة وأن ذهاب الوفد الايراني للتفاوض لا يعني إسقاط فرضية المواجهة، بل إن عيون القيادة ترصد أي تحركات مشبوهة قد تسعى واشنطن من خلالها للالتفاف على الاتفاق عبر جبهات بديلة (سنكون نحن… بانتظار تحقق الشروط المذكورة).
خارجياً: أفادت الرسالة بأن المفاوض الإيراني يتحرك بغطاء وصلاحيات، لكن هامش مناورته محكوم بمدى التزام واشنطن، وأن أي محاولة أمريكية للغدر أو فتح جبهات حرب جانبية ستواجه بجهوزية كاملة من قِبل القيادة العليا.
وصدق السيد القائد في قراءة المستقبل فالمفاوض الامريكي في جنيف يتكلم في واد وتصريحات المعتوه ترامب حول تدخل الجولاني في لبنان او تهديداته للوفد الايراني المفاوض في واد أخر ..
خلاصة واقعية:
عكست الرسالة واقعية سياسية حذرة جداً فهي خطوة للمضي قدماً في مسار دبلوماسي لرفع العقوبات، ولكن تم تأطيرها بقالب يحذر مسبقاً من الخداع الأمريكي المتوقع، ويستشعر مبكراً احتمالية فتح جبهات مواجهة أخرى في المنطقة، مما يجعل الرسالة خريطة طريق للتعامل مع (خصم غير شريف وغير موثوق) وليس مجرد غطاء سياسي.
تحياتي .. باقر الجبوري





