ولادة النبي الأعظم (ص).. رحمة للعالمين..!
أكرم كامل الخفاجي ||

الحمد لله رب العالمين ، اللهم صلِّ على محمدٍ وآل محمد .
تكاد كلماتي تتعثر خجلى لجلالة قدر من أكتب عنه ، وحقٌ لها أن تخجل لأنها تكتب عن مولد خاتم الأنبياء (ص) ، ومن عادة الناس أن تفرح في يوم مولده ، أما انتَ يا سيدي : فتفرح الأيام كلها في مولدك .
وكنتُ اقول دائماً وهو محمولٌ بيقين لا يتوانى : محمد لم يُولد لنا .. بل وُلدنا به .
يا سيدي يا رسول الله : إني إن سمحتُ لنفسي أن اكتب عنك واليك أو أُطريك وأمدحك في يوم مولدك ، فذلك من فيض رأفتك ورحمتك لأنك (بالمؤمنين رؤوف رحيم) .. لذلك فأنتَ أسمى من أي كلمات ٬ بل ومن كل الكلمات .. فإسمك دعاء وشوق ٬ فهل إستباحت الكلمات لنفسها في ذاتك مدح ٬ وأنتَ في نفسك إطراء ؟ .
وترددت كثيراً قبل أن أكتب عنك وإليك ، خوفاً من ألا تسعُ كلماتي وصفك ، أو يخونني قلمي في سردِ من صافحكَ قلبي من رَحِم قلبك ، ولهذا خَلقكَ ربي وإلهي .. فأحببتُكَ بفؤادي ورسمتك ببصيرتي .
فُتُجبرني تلك الحروف أن أشكر ربي عليها كل يوم بل في كل ثانية بل مع كل نفسٍ آخذه فيجعل قلبي ينبض .. فيُسحرني تقديسها فأخشع أمامها .
فاللحظات الجميلة لا تعني أين تكون ، ولكنها تعني مع من تكون .. وأنا في هذه السطور مع الرسول الأعظم (ص) في ميلاده .. تلك الولادة الشهيدة .
في المدارس يعلّمون التلاميذ .. أن النبي الأعظم (ص) سُمي بالأُمّي لأنه لا يقرأ ولا يكتب !!
وهذا الخطأ الفادح في رسولنا الكريم (ص) أجاب عنه إمامنا الصادق (ع) حينما سأله أحدهم : لِمَ سُمي النبي بالأمّي ؟
فقال الصادق (ع) : وماذا يقول الناس ؟
فقال الرجل : يقولون أنه سُمي الأمَي لأنه لم يُحسن أن يكتب !
فقال له (ع) : كذبوا عليكم ! كيف والله عزوجل يقول في محكم كتابه : “هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة” .. فكيف كان يُعلمهم ما لا يُحسن ؟ والله لقد كان رسول الله يقرأ ويكتب بثلاثٍ وسبعين لساناً ، وإنما سُمي “الأمّي” لأنه كان من أهل مكة ! ومكة من أمهات القرى ويُطلق عليها “أم القرى” ، وسمي أمّي نسبة إلى أم القرى ، وذلك قول الله عز وجل “ولينذر أم القرى ومن حولها” .
أذكر أنه جاء شاب إلى السيد عبد الأعلى السبزواري (قدس سره) وقال له : سيدنا ، قل لي كيف أعرف أنني مكتوب من السعداء أو من الأشقياء ؟
فرد السيد قائلاً : يا ولدي ، العلامة الفاصلة بين السعادة والشقاء هي (الصلاة على محمد وآل محمد) .. فانظر لنفسك إن كنت تواظب في الصلاة على النبي (صل الله عليه وآله) فاعلم إنك من سعداء الدارين وإذا كانت الصلاة على النبي (صل الله عليه وآله) غير موجودة في حياتك فاحذر كل الحذر أن تكون شقياً وأنت لا تدري .
فقال الشاب : وما الدليل على ذلك من القرآن سيدنا ؟
فقال السيد : الدليل واضح في قول الحق : (إن الله وملائكته يصلون على النبي) فالأشقياء مُحال أن يشتركوا مع الله في أي شيء .. بينما السعداء يشتركون مع الله والملائكة في باب السعادة الأكبر ( صلى الله عليه وآله) .
فقال الشاب : وما معنى المواظبة عندكم سيدنا ؟
فقال السيد : أن تجعل لك ورداً ثابتاً كل ليلة في الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) .
ولكن إعلم أن هناك (السعيد والأسعد) .. فالسعيد : هو المواظب بشكل يومي في الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) ، والأسعد : هو الذي صارت الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) هي طعامه وشرابه وفكره وهمّه والهواء الذي يتنفسه .
ثم ذرفت عيون الشاب بالدموع وبكى من كلام السيد .
فقال السيد : نزول دموعك تلك هي بدايات السعادة عندك ، ولولا أنك سعيد ما تركتك نفسك وجئت لتسألني .
من وصية الامام الصادق (ع) لأبي جعفر محمد بن النعمان :
يا ابن النعمان إن حبنا – أهل البيت – ينزلهُ الله من السماء من خزائن تحت العرش كخزائن الذهب والفضة ، وَلا ينزله إلّا بقدر وَلا يعطيه إلّا خير الخلق وإن لهُ غمامة كغمامة القطر ، فإذا أراد الله أن يخص بهِ مَن أحب مِن خلقهِ أذن لتلكَ الغمامة فتهطلت كما تهطلت السحاب ، فتصيب الجنين في بطن أمه .
تحف العقول عن آل الرسول / ص 196
أقول : وقد أُخبرتُ قريباً أن هناك وثيقة مستخرجة من دير كنيسة جبل سيناء وهي عبارة عن رسالة من رسول الله محمد (ص) بتاريخ ٦٢٠ م إلى الكنيسة حمّلها رسوله علي ابن أبي طالب (ع) ويتعّهد فيها بحماية المسلمين للمسيحيين ورعايتهم وضمان حرية العبادة .. وأحتفظَ بالمخطوطة في خزانة المملكة في القسطنطينية .. وتظهر الوثيقة طبعة يد النبي محمد (ص) على الرسالة للتوثيق .
الوثيقة التي عاهد فيها رسول الله (ص) النصارى على حمايتهم كُتبت بيد الامام علي (ع) في مسجد النبي (ص) سنة 628 – 629 م (السنة السابعة للهجرة) وشهد بهذا العهد مجموعة من الصحابة ونصها كما يلي :
بسم الله الرحمن الرحيم
{هذا كتاب كتبه محمد بن عبد الله إلى كافة الناس أجمعين بشيراً ونذيراً ومؤتمناً على وديعة الله في خلقه لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً كتبه لأهل ملته ولجميع من ينتحل دين النصرانية من مشارق الأرض ومغاربها قريبها وبعيدها فصيحها وعجميها معروفها ومجهولها كتاباً جعله لهم عهداً فمن نكث العهد الذي فيه وخالفه إلى غيره وتعدى ما أمره كان لعهد الله ناكثاً ولميثاقه ناقضاً وبدينه مستهزئاً وللّعنة مستوجباً سلطاناً كان أو غيره من المسلمين المؤمنين .
لا يغير أسقف من أسقفيته ولا راهب من رهبانيته ولا حبيس من صومعته ولا سايح من سياحته ولا يهدم بيت من بيوت كنائسهم وبيعهم ولا يدخل شيء من بناء كنايسهم في بناء مسجد ولا في منازل المسلمين فمن فعل شيء من ذلك فقد نكث عهد الله وخالف رسوله ولا يحمل على الرهبان والأساقفة ولا من يتعبد جزيةً ولا غرامة وأنا أحفظ ذمتهم أينما كانوا من بر أو بحر في المشرق والمغرب والشمال والجنوب وهم في ذمتي وميثاقي وأماني من كل مكروه – ولا يجادلوا إلاّ بالتي هي أحسن ويحفظ (ويخفض) لهم جناح الرحمة ويكفّ عنهم أذى المكروه حيثما كانوا وحيثما حلوا – ويعاونوا على مرمّة بيعهم وصوامعهم ويكون ذلك معونة لهم على دينهم وفعالهم بالعهد} .
فصلّوا على من وُلد يتيماً وعاش كريماً وأستشهد عظيماً .
اللهم صلِّ على محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين وارزقنا شفاعتهم وتوفّنا على ولايتهم وأدخلنا الجنة التي وعدتنا بها معهم إنك أرحم الراحمين .




