الجمعة - 19 يونيو 2026

الشرق الأوسط على أعتاب زلزال جيوسياسي : هل بدأت ساعة إعادة تشكيل النظام الإقليمي .؟

منذ 10 أشهر
الجمعة - 19 يونيو 2026

طه حسن الأركوازي ||

 

 

 

مع تصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل ، يدخل الشرق الأوسط مرحلة حرجة قد تُعيد رسم معادلاته بالكامل والعراق بحكم موقعه وحدود أزماته ليس بعيداً عن هذا المخاض ، بل يقف في قلبه مُعرضاً لأن يتحول مرة أخرى إلى ساحة لتصفية الحسابات ، ويأتي هذا المقال لأستشراف تداعيات المواجهة الإقليمية على مستقبل العراق ومكانته في النظام الجديد .

الحرب الإعلامية التي تتصاعد اليوم ليست مجرد سجال دعائي بين خصوم إقليميين ، بل مقدمة لمرحلة أعمق قد تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط برمّتها ، فالولايات المتحدة وأوروبا ليستا على أستعداد للمجازفة بزج إسرائيل في مواجهة مفتوحة مع إيران ، لعلمهما أن أي حرب كهذه لن تكون قصيرة الأمد أو محدودة السقف ، بل قد تتجاوز أسابيع وربما أشهُر طويلة ، وقد تصل إلى مستوى تهديد وجود الكيان الإسرائيلي نفسه .؟

هذا الاحتمال يعني أن التدخل الأمريكي سيكون حتمياً ، وهو تدخل لن يأتي مجاناً ، بل سيحمل معه أثماناً باهظة على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية ، سواء لإسرائيل أو لحلفاء واشنطن في المنطقة .؟

المسألة إذن أبعد بكثير من مجرد صراع حول السلاح النووي الإيراني ، فالتصعيد الجاري يشي بأن المنطقة تتجه إلى ولادة نظام إقليمي جديد ، تتغير فيه موازين القوة التقليدية ، وهذا التحول ليس نظرياً أو بعيداً ، بل بدأت إرهاصاته تنعكس بشكل مباشر على دول مثل العراق ، الذي يقف دائماً في قلب معادلة الصراع ، فكُل أشتباك ( إيراني – إسرائيلي ) لا يَبقى محصوراً بين الطرفين ، بل سُرعان ما تتحول الساحة العراقية إلى مسرح لتبادل الرسائل ، عبر ضربات أو أذرع مسلحة أو ضغوط أقتصادية ، الأمر الذي يجعل المواطن العراقي يدفع كلفة صراع لا يملك قراره .

التجربة العراقية خلال العقدين الماضيين تُقدم مثالًا حياً على ما تعنيه الحروب بالوكالة والتجاذبات الإقليمية ، فبينما كان العراقيون يأملون في بناء دولة مستقرة هادئة بعد 2003 ، وجدوا أنفسهم أمام واقع يتجدد فيه الصراع كلما تصاعد التوتر بين طهران وواشنطن أو بين ( إسرائيل و إيران ) ، فالكهرباء التي أنقطعت في أغلب المُدن العراقية نتيجة توقف الغاز الإيراني ، والعقوبات التي أثقلت الاقتصاد .؟

والواقع أن العراق لم يكن بعيداً عن تداعيات هذا الاشتباك ، فقد تحولت بعض مدنه وأطرافه إلى ساحات رسائل نارية تحت شعارات مختلفة ، بينما ظل المواطن البسيط هو الضحية الأولى ، هذا المشهد يعكس بوضوح كيف يُستخدم العراق كصندوق بريد لصراعات الآخرين ، ومن يتأمل تجارب المنطقة ، في لبنان الذي ما زال أسير جراح حرب 2006 ، أو سوريا التي تحولت منذ 2011 إلى مسرح مفتوح للتدخلات الخارجية ، يدرك أن إعادة رسم الشرق الأوسط غالباً ما تبدأ بحروب إعلامية وضجيج سياسي ، لكنها سرعان ما تنزلق إلى مواجهات دامية تستنزف المجتمعات وتنهك الدول الضعيفة .؟

اليوم ، تبدو المنطقة مقبلة على سيناريو مشابه ، حيث لا أحد يمكنه ضمان سقف التصعيد ، وإذا كان المشهد مُرشحاً لأنفجار أوسع ، فإن السؤال الأهم بالنسبة للعراقيين هو : هل سنظل مجرد ساحة يتقاطع فوقها الصراع ، أم نستطيع أن نحجز موقعاً فاعلاً في النظام الإقليمي الجديد .؟
إن الاستمرار في الارتهان للضغوط الخارجية سيجعل العراق مُجرد “حديقة خلفية” لصراع الآخرين .
أما الانطلاق نحو سياسة متوازنة قادرة على حماية السيادة وتوظيف أوراق القوة فسيمنح العراقيين فرصة لعدم تكرار المأساة .

إن ما يجري ليس مجرد مواجهة إعلامية أو خلاف تقني حول الملف النووي ، بل بداية مخاض عسير لنظام إقليمي جديد ، والرهان الحقيقي سيكون على من يملك القدرة على الصمود ، وعلى من يستطيع تحويل التهديد إلى فرصة .

أما من يظل أسير الانتظار والحياد السلبي فسيدفع الثمن مُضاعفاً ، كما حدث ويحدث في العراق كلما تبدّل ميزان القوى في المنطقة .

أخيراً وليس آخراً .. على الطبقة السياسية العراقية أن تدرك أن زمن التخبّط والمراهنة على الخارج قد أنتهى ، المنطقة تتغيّر بسرعة ومن لا يحصّن نفسه بالقرار الوطني المستقل سيجد نفسه ضحية معادلات لا ترحمه .؟

العراق بحاجة إلى قادة يعيدون الاعتبار للسيادة ، ويحمون ثرواته من أن تكون وقوداً لصراع الآخرين ، لقد دفع العراقيون بما يكفي من دمائهم وكرامتهم ومواردهم ثمن حروب لم يختاروها ، واليوم إما أن يتخذ السياسيون موقفاً شُجاعاً لصالح وطنهم ، أو يتركوا العراق ينهار على أنقاض طموحاتهم القصيرة النظر، وعندها لن ينفع الندم …!