إلى إبنتي في الغربة.. زُري الحسين (ع) على البُعد، فإن زيارته مقبولة..!
اكرم كامل الخفاجي ||

بنيتي : إغبطي أهلكِ وقريباتكِ ، بأنهم يزورون الحسين (ع) عن قُرب لأنكِ على الجانب الآخر من الكرة الأرضية.
هاجت مشاعري وتلّونت كلماني بلون الحزن وتعّسرت حروفي على إكمال إنتشارها على السطور .. لتدفّق الدموع جارية للموقف ذاك .. دموعُ حزنٍ على غريب الغرباء (ع) .. ودموع لوعة لفراقكِ لآلام الغربة التي أنتِ فيها .. وفاض الدمع الغزير لإندماج غربة الحسين (ع) للمؤمنين ، وغربتكِ عن ديار وطنكِ .
بنيتي : قد نحتاج في وقت ما لرسالةٍ دون سبب .. ولوردة دون مناسبة .. ولحنان دون شكوى .. ولصوتِ من نُحب دون انتظار .. ولقلب يستمع إليكِ دون كلمات .. ولِبابٍ لا يُغلق في وجهكِ حين نَدقُّ جرسه .. ولأحداث جميلة تفاجئنا وتجعلنا نبتسم .. وأعظم ما يقدمه الإنسان للإنسان أن ينتزع منه ذلك الحزن حتى ولو كنا في أقسى الظروف .. فخذي الحسين (ع) نوراً عندما تظلم أيامكِ .
بنيتي : عندي يقين لا يتزحزح أن الإنسان الذي نبت الخير في قلبه ووجدانه ، من تربة وتربية نقية ، لا يستطيع أن يتحوّل إلى شرير ، مهما ضاقت به الحياة أو أثقلته الخيبات .. فمن تربّى مثلكِ على الصدق والبِّر والعفاف ، وتشرّبت الرحمة والصفاء فيه ، منذ طفولته ، يبقى نقياً في جوهره ، حتى إن تعثّر أو مرّ بلحظات ضعف .. فالأصيل لا تُكسّره الظروف ! بل تذكّره بالقيم التي تربّى عليها منذ صغره ، وتُعيدُه إلى جوهره إن ابتعد .. لا يسقط في الوحل ، لأن الكرامة التي في داخله ترفعه قبل أن يهوي .. هو لا يتخلّى عن إنسانيته ، لأنها أثمن ما يملكه ، وإن خسره العالم كله ، يكفيه أنه لم يخسر نفسه .
بنيتي : أنا عارفٌ بأنكِ من عشّاق الحسين (ع) منذ طفولتكِ ، وذلك هو عشق الروح للروح .. عشق الروح الإنسانية للروح العَلوية .. هو ذاك العشق الذي لا يمكن تفسيره بالكلمات .. عشق يتجاوز الملامح ويتخطى المنطق .. عشق يجعلكِ تشعرين أن جسدكِ يلامس السماء دون أجنحة .. وأن روحك تسير على الأرض دون قدمين .. وحنين تعرفين سببه .. وشوق لا تحده المسافات .
بنيتي : في زحمة الأيام حين يعلو ضجيج الحياة وتضيق الروح من ثقل التفاصيل نرفع أعيننا نحو السماء .. ننظر إلى القمر صامتاً في عزلته ، يضيء دون ضجيج ، كأن السماء تهمس لنا اهدأوا كل شيء سيمرّ .
بنيتي : إن لم تستطيعي المشي لزيارة الحسين (ع) فامشي إليه بقلبك ودمعتك .. فالحسين (ع) لا ينسى من أحبه ..
وقولكِ (لبيك يا حسين) فهي كلمة تفتح أبواب السماء ، وتجعل كل خطواتكِ نوراً لا ينطفىء أبداً .
بنيتي : في البداية يجب القول أن لكل سالك طريق ، ولكل طريق دليل ، فنستنتج إن لكل غاية دليل .. وإن اشرف الغايات وأقدسها هي معرفة الدين وان أول الدين معرفة الله سبحانه .
ومن هذه المقدمة نحتاج إلى دليل لمعرفة أقدس الغايات ، وصفات هذا الدليل ، وأن يكون عارفاً بالله .
إن الدليل الأول والأخير إلى الله هما نبينا الأعظم محمد (صل الله عليه واله) ووصيه ونفسه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) .. وقد صرح بهذا أمير المؤمنين (ع) في دعاء الصباح حيث قال : (اللهم صلِّ على الدليل إليك في الليل الاليل) .
وبعد أن حددنا الغاية والدليل ، نسأل : هل يمكن معرفة الله ؟
ليأتي الجواب بـ (لا) .
لأن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) قال : (يا علي لا يعرف الله إلا إنا وأنت ، ولا يعرفني إلا الله وأنت ، ولا يعرفك إلا الله وأنا) ، حيث حصرت المعرفة بأحدهم على الآخر.
مما تقدم سنحتاج إلى دليل ليدلنا إلى الدليل الأول وهذا الدليل يحتاج إلى دليل وهكذا مما يؤدي إلى التسلسل والتسلسل باطل .
إذن نحتاج إلى من يوقف هذا التسلسل .. أي نحتاج إلى دليل يكون منكشف بنفسه كاشف لغيره .. فمن يا ترى يحمل هذه الميزة ؟
يقيناً إن من يحمل هذه الميزة والكاشفية هو سيدنا ومولانا الإمام الحسين (ع) .. حيث ورد في كتب الحديث (إن الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة) .. والمصباح من مميزاته انه منكشف بنفسه كاشف لغيره .. وان الحسين مصباح منير بنور الله كاشف .. وسفينة مضيئة في الليل الاليل موصلة الراغبين إلى الدليل الأول .
وأنكِ تحتاج إلى النور لترين به الأشياء ، أما النور فلا تحتاجين إلى شيء لرؤيته .. كذلك الحسين (ع) ، فأنتِ تحتاجين إلى الحسين لتعرفي به الآخرون ، ولا تحتاجين إلى احد لتعرفي به الحسين .
فيمكن أن نستنتج مما تقدم : إن الله سبحانه قد جعل معرفته ومعرفة دليله المقدس مشروطة بالبدء من الحسين (ع) ، فلولا الحسين (ع) لأصبح من المستحيل معرفة الله ومعرفة نبيه .
بنيتي : السجود على التربة الحسينية في غربتكِ تجعلكِ تؤمنين أن تربة كربلاء عالمية المبنى وعالية المعنى .
فعندما تصلّين لابد أن تنوين أن هذه الصلاة قربة الى الله تعالى وحده لا شريك له .. وعندما تسجدين تتقربين الى الحسين (ع) بتقربكِ الى الله تعالى .. إقرأي معي زيارة عاشوراء :
يا أَبا عَبْدِ الله إِنِّي أَتَقَرَّبُ إِلى الله وَإِلى رَسُولِهِ وَإِلى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ وَإِلى فاطِمَةَ وَإِلى الحَسَنِ وَإِلَيْكَ بِمُوالاتِكَ وَبِالبَرائةِ مِمَّنْ قاتَلَكَ وَنَصَبَ لَكَ الحَرْبَ … وَأَتَقَرَّبُ إِلى الله ثُمَّ إِلَيْكُمْ بِمُوالاتِكُمْ وَمُوالاةِ وَلِيِّكُمْ وَالبَرائةِ مِنْ أَعْدائِكُمْ وَالنَّاصِبِينَ لَكُمْ الحَرْبَ وَبِالبَرائةِ مِنْ أَشْياعِهِمْ وَأَتْباعِهِمْ .
اللّهُمَّ إِنِّي أَتَقَرَّبُ إِلَيْكَ فِي هذا اليَوْمِ وَفِي مَوْقِفِي هذا وَأَيامِ حَياتِي بِالبَرائَةِ مِنْهُمْ وَاللَّعْنَةِ عَلَيْهِمْ وَبِالمُوالاةِ لِنَبِيِّكَ وَآلِ نَبِيِّكَ عَلَيهِ وَعلَيْهِمُ السَّلام .
وتختمين التقرب للحسين (ع) بهذا (اللّهُمَّ اجْعَلْنِي فِي مَقامِي هذا مِمَّنْ تَنالَهُ مِنْكَ صَلَواتٌ وَرَحْمَةٌ وَمَغْفِرَهٌ ، اللّهُمَّ اجْعَلْ مَحْيايَ مَحْيا مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَمَماتِي مَماتَ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ) .
بنيتي : ولأنكِ إمرأة ، نالت مُسكة عقل عن باقي النساء ، فأتخذي زينب (ع) قدوة في ميدان النزال العقائدي والإجتماعي .
إنّ السيّدة زينب (ع) كانت من القانتات اللائي وَقَفنَ حركاتهنّ وسكناتهنّ وأنفاسهنّ لله تعالى ، فحصلن بذلك على المنازل الرفيعة والدرجات العالية التي حَكَت برفعتها منازلَ المُرسلين ودرجات الأوصياء (ع) .
في احدى الجامعات كان هناك فتاة جميلة الوجه حسنة الاخلاق ترتدي عباءة وتحت العباءة ثياب سوداء .
في احدى الاختبارات كان الاستاذ ينظر إليها نظرة ليست جيدة وكان دائماً يودّ لو ان هذه الفتاة تعرض بجمالها امام الناس .. وكما كان معتقداً من باب التطور فسألها اثناء الاختبار : يا فلانة اني اراكِ دائماً تلبسين لباس السواد والعريض فلماذا ؟
لم تجبه رغم انها سمعت السؤال .
فسألها مجدداً : انك جميلة فلماذا أراكِ تحجبين هذا الجمال تحت هذا السواد ؟
فلم تجبه أيضاً .
ثم سألها : يا فلانة لماذا تلبسين هذه العباءة بينما ثيابك شرعية وليست مخالفة له ؟
عندها نظرت إليه وقامت قائلة : اسمعت بزينب بنت علي (ع) ؟
فقال : بلى ومن لم يسمع بتلك المرأة العظيمة وكيف لا اعرفها ؟
قالت : هل تعلم أنه بعد معركة الطف وعندما أصبحت أسيرة ويُسار بها الى الشام .. كانت على ظهر الناقة !
وكان صاحب الناقة يهز بالناقة هزاً عنيفاً .. حتى سأله صاحبه : يا هذا لماذا تهز الناقة هذا الهز ؟
فأجاب بكل سذاجة الطغاة : لكي تسقط تلك العباءة التي على رأس زينب .
عم الهدوء قاعة الإختبار .. وسألها الاستاذ : وماذا فعلت السيدة زينب (ع) ؟
فأجابت بقلب تُحرقه العبرات : تركت كل شيء .. كل شيء .. كل شيء .. وامسكت العباءة كي لا تسقط عنها !
بنيتي : لو سألتيني : كيف أزور الإمام الحسين (ع) عن بُعد .. لقلتُ لكِ من إستشراقات علم العلماء :
الاهتمام بالطهارة وحسن المظهر والسكينة والوقار .. إظهار جانب الحزن والكآبة .. إستشعري المواساة في الجوع والعطش .. الإشتياق الى الزيارة حباً للنبي وآله .. (ع) وانت عارفة بحقه !
بنيتي : زُري الحسين (ع) من على السطح :
ورد عن الإمام الصادق (ع) أنه قال لسدير : يا سدير ، ألا أريك ما يكتب لك به زورة الحسين (ع) ؟ قلت : بلى جعلت فداك ، قال : اصعد على سطحك ، ثم ترفع رأسك إلى السماء وتنحُ نحو القبر وتقول: السلام عليك يا أبا عبد الله ، السلام عليك ورحمة الله وبركاته .
بنيتي : وأنتِ في الغربة إهتمي بصالح موالين أهل البيت (عليهم السلام) وصِليهم .. فقد روى الثقة الجليل الشيخ جعفر بن قولويه القمّي عن عمرو بن عثمان الرازي قال : سمعت أبا الحسن الإمام موسى بن جعفر (ع) يقول : من لم يقدر أن يزورنا فليزر صالحي موالينا يكتب له ثواب زيارتنا ، ومن لم يقدر على صِلتنا فليصل صالحي موالينا يكتب له ثواب صلتنا .
فيا مولاي : غابت الأيدي لمصافحتكم وأنت في الملأ الأعلى ، ولكن حضرت القلوب لتتعانق مع لمحة من صورة سفينتك المُنجية .
يا سيدي : الناجح عيناه على الهدف ، أما الخاسر فعيناه على الناجحين .. فنحن الناجحون بك ومعك ومن أجلك .
فيا مولاي : بعض الأشخاص يجعلون الدعاء كالدواء ، لا يستعمله إلا عند المرض ، بينما نحن جعلناكَ كالهواء في دعائنا وفي كل الأوقات وفي السراء والضراء .
يا سيدي : إن رائحة الورود أو الأزهار تسعد الجميع وتجعله في أريحية فائقة الشعور ، فكيف برائحة الجنة في الحسين (ع) ؟ فأنت الجنة القريبة الرائحة في أنفاسنا نتعطّر بها في حياتنا وبعد مماتنا .
وعجبي على الذين لا يركبون سفينة الحسين (ع) كيف يصلون إلى الجنة ؟
أقول لهم : عندما تركب القطار الخطأ ، حاول أن تنزل في أول محطة لأنه كلما زادت المسافة زادت تكلفة العودة ، ثم زادَ الوجع .. فتأملي .
اللهم لا تحرمنا من زيارة أبي عبد الله الحسين (ع) لنفوز بنظرة رحمة ، فالزيارة تصل حتى من بعيد .. فكم من أشخاص زاروا الإمام الحسين (ع) من أسطح منازلهم وقبلت وردّ الإمام السلام عليهم !




