الخميس - 18 يونيو 2026

(الجزء الأول) ..كيف أجهضت المحاصصة حلم بناء الدولة في العراق .؟

منذ 11 شهر
الخميس - 18 يونيو 2026

طه حسن الأركوازي ||

 

 

منذ سقوط النظام السابق عام 2003 بفعل الغزو الأميركي دخل العراق مرحلة سياسية جديدة طُرحت بوصفها تحولاً ديمقراطياً يعيد بناء الدولة وفق أسس حديثة ، تقوم على التداول السلمي للسلطة والفصل بين السلطات ، تحت مظلة دستور دائم يُفترض أن يكون المرجعية القانونية والمؤسسية لهذا التحول ، غير أن هذا الطموح أصطدم مبكراً بجدار ما بات يُعرف بـ”نظام المحاصصة”، وهو النموذج السياسي المُشوه الذي أصبح القاعدة لا الاستثناء في تقاسم السلطة بعد الاحتلال .

في بدايته ، تم تقديم المحاصصة بوصفها ضمانة “تمثيل شامل” لكل مكونات المجتمع العراقي ، لكنها سرعان ما تحولت إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسام ، وتكريس الولاءات الضيقة ، وتعطيل مؤسسات الدولة ، فبدل أن تكون الديمقراطية وسيلة لبناء وطن جامع ، أُفرغت من مضمونها لصالح توازنات طائفية وقومية هشة ، تحكمها الصفقات لا المبادئ .؟

المفارقة الكبرى أن من نَظروا للمحاصصة تحت عنوان “الشراكة الوطنية” لم يتأملوا في تجارب الدول الديمقراطية المستقرة ، حيث لا وجود لمثل هذا النموذج لأن المواطن هو وحدة القياس لا الطائفة أو الحزب أو القومية ، فهل يوجد نظام محاصصة في أي دولة ديمقراطية .؟

الجواب قطعاً لا ، ما حدث في العراق كان نسخة مشوهة من الديمقراطية ، سُوقت بغطاء التوافق ، لكنها في الواقع أسست لانقسام طويل الأمد ، وهي اليوم أحد أكبر معوّقات بناء الدولة .

المحاصصة لم تكن طارئة ، بل جرى هندستها بعناية منذ تشكيل مجلس الحكم الانتقالي على يد الحاكم المدني الأميركي “بول بريمر” ، الذي أسس لتوزيع السلطة على أسس طائفية وعرقية بدل الكفاءة والمواطنة ، ورغم ما قيل حينها عن كونها مرحلة أنتقالية فإن هذه المرحلة أمتدت لما يقارب العقدين ، وتحولت إلى عرف سياسي وثقافة حاكمة لم تُنتج سوى الفشل والتشظي ، ومع ترسّخ هذا النموذج ، أنتقل العراق من المحاصصة الطائفية إلى المحاصصة الحزبية ، التي أستندت إلى عدد غير مسبوق من الأحزاب كثير منها بلا برامج أو هياكل حقيقية .

حيثُ تحوّل النظام الحزبي إلى سوق مغلق يتنافس فيه اللاعبون الكبار على تقاسم الدولة لا خدمتها ، وتوزع فيه المناصب على أساس الولاء لا الكفاءة ، والشراكة فيه تعني تقاسم المكاسب لا المسؤوليات .

هذا النهج أفرز طبقة سياسية تمارس السلطة بعقلية الغنيمة ولا ترى في الدولة سوى وسيلة لتحقيق مصالحها الخاصة ، بينما يُترك المواطن لمصيره في ظل تدهور الخدمات، وأستشراء الفساد ، وأنهيار ثقة الناس بكل ما له صلة بالدولة .

في ظل هذا الواقع ، يصبح من السذاجة الحديث عن إصلاح حقيقي دون مواجهة المحاصصة ومخرجاتها ، فالتعايش بين دولة المؤسسات ونهج المحاصصة مستحيل ، وكل صوت يُمنح لأحزاب المحاصصة هو مسمار جديد في نعش الدولة .

الأحزاب التقليدية التي قامت على المحاصصة لا تملك مشروعاً وطنياً ، بل مشاريع فرعية قائمة على إثارة المخاوف وتأجيج الهويات .

إن ما يُضاعف المأساة أن معظم القوى السياسية بعد سنوات من ممارسة هذا النموذج باتت تدرك خطورته ، لكنها ترفض التخلي عنه لأنه يمثل شبكة الأمان الوحيدة لبقائها في السلطة .

إنها تعلم أن نهاية المحاصصة تعني نهاية نفوذها ، ولذلك تتمسك بها رغم علمها بأنها الطريق الأسرع نحو انهيار الدولة .

العراق اليوم يدفع ثمناً باهظاً لهذا الانحراف التاريخي ، تفكك مؤسسات الدولة ، أحتقان إجتماعي ، هجرة عقول ، بطالة مستفحلة ، وأستنزاف متواصل لموارده ، المشهد الراهن يؤكد أن بقاء المحاصصة يعني بقاء الأزمة ، وأن أي مشروع إصلاحي لا يبدأ بتفكيك هذا النموذج هو مجرد وهم آخر يُضاف إلى قائمة الإخفاقات ، والخروج من هذا المأزق يتطلب تغييراً جذرياً في الوعي الجمعي ، ونقل مركز الثقل من الهويات الفرعية إلى هوية وطنية جامعة ، كما يستدعي إصلاح النظام الانتخابي ، وتحجيم الأحزاب التي تُعيد تدوير الفشل ، وفرض مبدأ الكفاءة لا الولاء ، والمواطنة لا المحسوبية .

أخيراً وليس آخراً .. إن مستقبل العراق لا يمكن أن يُبنى على أنقاض دولة المحاصصة ، بل يُبنى حين تضع النخب والمجتمع معاً حداً لهذا المسار المدمر ، وتدفع بأتجاه دولة مدنية وطنية تحتكم إلى القانون والمؤسسات لا إلى أتفاقات الغرف المغلقة .

طلب تغييراً جذرياً في الوعي الجمعي ، ونقل مركز الثقل من الهويات الفرعية إلى هوية وطنية جامعة ، كما يستدعي إصلاح النظام الانتخابي ، وتحجيم الأحزاب التي تُعيد تدوير الفشل ، وفرض مبدأ الكفاءة لا الولاء، والمواطنة لا المحسوبية .

إن العراق اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة ، إما أن يُكسر القيد الذي كبل الدولة باسم التوافق ، أو نعيش إلى أجلٍ غير معلوم في ظل دولة مشلولة ، ومجتمع متشظٍ ، وسلطة تُدار وفق منطق الصفقات لا وفق مصلحة الوطن ، فلتعلم الأطراف المتحاصصة جميعاً ، أن الزمن تغيّر ، وأن جيلاً جديداً ينشأ لا يعترف بمظلاتكم الطائفية ولا بمقولاتكم المهترئة ، جيل بدأ يطرح أسئلة الدولة والهوية والعدالة ، ويرى أن العراق أكبر من مقاسات أحزابكم الضيقة وأن الإصلاح لم يعد خياراً بل ضرورة وطنية لا تقبل التأجيل …!