محاولات بيع السيادة في سوق العقارات..!
محمد شريف أبو ميسم ||
مقالي اليوم الاثنين في جريدة الصباح

لا يمكن تصنيف ما قاله المبعوث الأميركي “توم باراك” بشأن “اعادة لبنان – وهي تعاني من احتلال أراضيها منذ سنوات – الى بلاد الشام ما لم يسلّم حزب الله سلاحه”، الا في اطار محاولات الغاء مفهوم السيادة من أدبيات العقل السياسي، فكيف لدولة عضو في منظمة الأمم المتحدة، التي لها ميثاقها الدولي، الذي يحظر انتهاك سيادة الدول الأعضاء أو النيل من استقلالها السياسي، أن تتلقى تهديدا وجوديا من موظف بدرجة سفير في دولة أخرى، في حال عدم التزامها بتعليمات دولته، التي ترفض ادانة الاحتلال بوصفه حق مشروع للدفاع عن وجود الكيان الصهيوني فيما تطالب بتسليم سلاح المقاومة في دولة يدافع أبناؤها عن أرضهم وسيادتهم.
واللافت في هذا التصريح المثير للجدل، ان مسمى بلاد الشام وضع بين دفتي مفردات سوريا والكيان الصهيوني، للايحاء عن رغبة الطرفين للاستحواذ على لبنان، في ظل احتلال صهيوني يتوسع على الأراضي السورية.
ويبدو ان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي طالب من قبل بضم كندا وجزيرة غرينلاند الدنماركية للولايات المتحدة، وكأنهما عقارات معروضة للبيع، اختار صديقه “توم باراك” ليس بوصفه أميركيا من أصول لبنانية، ليحظى بمقبولية من قبل اللبنانيين وحسب، بل لكونه مليارديرا سطع نجمه في سوق العقارات على مستوى العالم، فهو مؤسس ورئيس مجلس ادارة شركة “كولوني نورث ستار” وهي أكبر شركة عالمية لادارة العقارات والاستثمارات،
ولكنه وبعقلية المستثمر التي تهيمن عليها امكانيات الاستحواذ في سوق العقارات أطاح بهذه المقبولية، بعد أن ذهب “باراك” مباشرة الى استخدام الأداة التي صرح له باستخدامها دون المرور بلغة التفاوض ومناقشة الحلول الوسطية، غير آبه ، ولا معني بما تعرضت له لبنان وما قدمته من تضحيات من أجل الخلاص من واقع الاحتلال سواء في مزارع شبعا أو في غيرها من مناطق جنوب لبنان،
وبالضرورة فانه غير معني أيضا بواقع الاحتلال للأراضي السورية من قبل الكيان الغاصب، الذي توسع في احتلال الاراضي السورية بعد أن شن 480 غارة جوية على سورية وهي لم تدخل معه في حرب، فتوسع في احتلال أراضي الجولان المحتل، والقنيطرة ومدينة البعث وخان أرنبة، والجانب السوري من جبل الشيخ، ودمر نحو 70 – 80 بالمئة من امكانيات الجيش السوري، ودمر القوات الجوية السورية تدميرا شبه كامل.
وازاء الجرائم التي ترتكب أمام مرأى العالم في غزة، والتي لا تعطي سبيلا لانسان، الا أن يقر بعدم أهلية الحديث عن نزع سلاح المقاومة، في البلدان التي تقع ضمن خارطة ما يسمى بأرض الميعاد التي تمتد من الماء الى الماء، تكون تواريخ انتهاكات الكيان الصهيوني لأراضي الغير، مدعاة لحسابات لا تنتهي في هذا السياق، الا بالانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة، واعطاء كل ذي حق حقه.
أما أن يتم اعتماد اسلوب الترغيب عبر تدفق رساميل العولمة الى الداخل اللبناني والشروع بعمليات اعمار عبر تقديم الاعانات المالية مقابل نزع سلاح المقاومة في ظل احتلال الأرض، فهو اسلوب يحمل معه صفات سوق العقارات بوصفها سوق غير متجانسة وبطيئة الاستجابة، وسرعان ما تتأثر بعوامل العرض والطلب، وليس له صلة بمفهوم سيادة الدول، والدليل هو التلويح باعادة لبنان الى بلاد الشام التي يتوسع فيها جيش الاحتلال، وهذا التلويح يضع المراقب موضع الحيرة، ازاء مطلب تكون فيه دولة دون سيادة، تديرها رساميل العولمة، أو دولة تحت مسمى دولة أخرى خاضعة للاحتلال!،
الأمر الذي يستدعي اعادة النظر، برد “دونالد ترامب” على رئيس الوزراء الكندي “مارك كارني”، حين قال له أمام وسائل الاعلام كندا ليست للبيع أبدا، فكان رد ترامب: لا تقل أبدا ، الوقت سيقرر..!.




