الخميس - 18 يونيو 2026

أبو الفضل العباس (ع) .. ساقي الحياة..!

منذ 11 شهر
الخميس - 18 يونيو 2026

اكرم كامل الخفاجي ||

 

الحمد لله رب العالمين .. اللهم صلّ على محمد وآل محمد .
إن الإنسان ابن بيئته ويتأثر بالأسرة وخاصة (الأم) فهو أمر لاشك فيه .. من هنا فان أفضل النِعم على الإنسان أن يُرزق بوالدين يحملان في قلبهما الولاء الصادق لأهل البيت (ع) .

وكانت والدتي (رحمها الله) متولعّة بابي الفضل العباس (ع) في حركاتها وسكناتها حتى أنها سمّت احد إخواني بإسمه .. ومن المعلوم بأن الله سبحانه يُكرم الأولاد بكرامة الوالدين .

أقول : ينظر إليّ العباس من غير عينين !
ويكاد يصافحني .. ولكن من غير كفين !
ولكنه بقربي دائماً .. رغم بُعد المكان والزمان !

ورغم ذلك يبكيني كلما ذكرته .. ويشجيني كلما كتبتُ عنه .. وهكذا هي علاقتي به .
سبحان الله الذي جعل من الماء كل شيء حي وهو ما جاءنا في سورة الأنبياء آية 30 «وجعلنا من الماء كل شيء حي» ، فلقد جعل الله العلي العظيم الحياة مرتبطة كلياً بالماء .

وثمة صوت لا يستعمل الكلمات فأنصت له : إنه هيبة أبي الفضل العباس (ع) عندما تُذكر تلك الآية السابقة .. والآية تعني دلالة وبرهان على أن الماء حياة ، فيكون أبو الفضل العباس (ع) دلالة وبرهان على حياة الإمام الحسين (ع) .. فلا تسير الحياة إلا بالماء وهو حياة ، فيكون العباس حياة الحسين (ع) ! .

ويسأل البعض : لماذا لم يشرب أبو الفضل العباس (ع) الماء عندما ملأ القربة من المشرعة مع العلم أنّه مقدّمة لواجب ، وهو إنقاذ نفسه ونفس غيره ؟

والجواب على هذا السؤال يجعل من العباس (ع) نفس الحسين (ع) بتجليات عرفانه للإمامة المفترضة الطاعة .

وأقول : من أين جزم السائل بأنّ شرب الماء كان وسيلة لإنقاذ العباس لنفسه ولغيره ؟ وهو يعلم بالمصير الحتمي الذي أفصح عنه سيّد الشهداء الحسين (ع) : (شاء الله أن يراني قتيلاً) .

وعلى فرض توفّر الشواهد التاريخيّة على كون شربه للماء وسيلة للنجاة ، فإنّه لم يُعلم أنّ ذلك كان وظيفته الفعليّة كما يقول العلماء ، كقوله (ع) في الرجز المشهور عنه (تالله ما هذا فعال ديني) فيكون شرب الماء محرّماً في حقّه ، وهو الأعلم بوظيفته وتكليفه ، وهو الذي قال المعصوم (ع) في حقّه بأنّه : (قد زُقَّ الْعِلْمَ زِقّاً) .

ثم انه لم يجد أي سبب في ذلك الحين يؤدي الى نجاة الحسين (ع) من القتل ، فحتى لو شرب العباس الماء بالمقدار الذي يحتاجه جسمه أو أكثر وتشجّع بذلك وقاتل أكثر مما قاتل فإنه لم يكن من الممكن أن ينجو هو ولا أخوه الحسين (ع) من القتل ، بل السبب لقتلهم موجود ومتحكم لا محالة .

ويقيناً عندي انه وَجَدَ من الخيانة لأخيه وذريته أن يكون رياناً من الماء وهم عطاشى ، وهذا ما صرح ونطق به الشعر الذي نُقل عن العباس (ع) .

وفي عقيدتي الولائية للإمامة الحقة : أن العباس (ع) شعر بتكليفه في ذلك الحين وجوب الإعراض عن شرب الماء وأطاع تكليفه بأحد الأساليب : إما بالإلهام أو بالرواية عن أبيه وأمه فاطمة أم البنين كما نقل في بعض الروايات .

ولما كان العباس (ع) نفسُ أخيه الحسين (ع) أراد أن يموت عطشاناً عمداً أمام الله سبحانه لان ذلك يقيناً أكثر أجراً وأعلى مقاماً .

وقال أحد العلماء : أما حكاية المحافظة على النفس ، والنجاة من الموت ، فلم يُعلم أن أبا الفضل (ع) كان قد بلغ به العطش مبلغاً يؤدي إلى إنهاء حياته حتى يجب المحافظة عليها بشرب الماء ، وذلك أننا رأيناه يقاتل بعد ذلك قتال الأبطال لفترة غير قصيرة ، ومن حاله هكذا لم يكن ليهلكه العطش .

وأما أنه لماذا لم يشرب حتى يتقوى على قتال الأعداء ، فإضافة إلى الجواب السابق ، نقول إن العباس (ع) وأمثاله المتواجدين مع إمامهم الحسين (ع) في كربلاء ، ليس مشروعهم في الحياة البقاء ، وإنما مشروعهم تقديم النموذج الإيماني والأخلاقي العالي ، حتى تأتي الأجيال وتقتدي بهم في إيمانها ، وصمودها ، ودفاعها .. وإلا فما قيمة شربة ماء لن تقدم أو تؤخر في الصورة النهائية للمعركة ؟

إنما قيمة الامتناع عنها هي التي تؤسس معنى الإيثار ، والأخوة التي لم يسبق لها نظير .

وهناك تشبيه رائع ذكره أحد  وهو :
كما إنّ الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) إستقى للرسول (ص) يوم بدر ، فكذلك ابنه العبّاس (ع) استقى لأخيه الإمام الحسين (ع) يوم كربلاء ، ولكن بفارق كبير وهو أنّ الإمام علي بن أبي طالب (ع) سلّم عليه جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وآلاف من الملائكة المقرّبين ، وحيّوه بتحيّات طيّبة مباركة من عند الله تبارك وتعالى ، بينما ولده العبّاس بن علي (ع) أحاط به آلاف النبّالة الموكّلين بالمشرعة يرشقونه بالسهام والنبال ، ويمنعونه من الماء ، ويحولون بينه وبين إيصال القربة إلى الخيام .

أقول ودموعي جارية على خدي تترجم ولعي بالعباس (ع) : رجل خرجَ ليُحضر الماء فدارت رحى الحرب .. ماذا لو كانَ مُتجهاً للقتال فماذا كان يفعل ؟
سلامٌ على روحٍ تعلّمت أن العطش أهون من خذلان الإمام .

سلامٌ على ساقي العطاشى الذي سقى المبدأ ولم يذق الماء .
يا سيدي يا ابا الفضل اتوسل إليكَ بأبي عبد الله الحسين أن تشافيني وتعافيني .. فقد عجز الطب عن مداواتي .. فالتجأتُ الى عباسية الدواء .. والله سميع مجيب .