عندما يُصبح القانون حبراً على ورق ، الشرعية الدولية بين الانتهاك والصمت..!
طه حسن الأركوازي ||

الحرب واحدة من أبشع تجليات النزاع البشري وهي وإن كانت واقعاً دموياً مستمراً منذ فجر التاريخ إلا أن البشرية لم تيأس من محاولة تقنينها وتقييد فظائعها عبر منظومة القانون الدولي الإنساني هذا القانون لا يمنح الحرب شرعية بقدر ما يسعى إلى تنظيمها والتقليل من آثارها الكارثية على المدنيين ومن لا يشاركون في العمليات القتالية لكن المشكلة الكبرى لا تكمن فقط في طبيعة الحرب بل في من يختار تجاهل هذا القانون ويُفرغه من مضمونه .
في النموذج الإسرائيلي تظهر بوضوح معالم الإخلال الجسيم بالالتزامات القانونية حيث تتكرر الانتهاكات الموثقة دون أدنى إكتراث لأحكام أتفاقيات جنيف أو البروتوكولات المُكملة لها ، فأستهداف وضرب الدول ذات السيادة والمؤسسة للمنظمة الدولية ، أو قتل المدنيين بشكل مباشر وتدمير المراكز الصحية والتعليمية وممارسة الاغتيالات وسط المناطق السكنية لم تعد سلوكيات أستثنائية ، بل باتت جزءاً من أستراتيجية دائمة تُمارس في وضح النهار وبتواطؤ دولي وصمت مُريب من المؤسسات الأممية .
الخطير في هذا السياق أن تلك الممارسات لا تُهدد حياة الأبرياء فقط ، بل تقوض أساس النظام الدولي نفسه إذ أن تجاهل القانون وتكرار الانتهاك دون مساءلة يُفقد المجتمع الدولي الثقة في جدوى المعاهدات ، ويُشجع أطرافاً أخرى على أنتهاج النهج ذاته مما يُدخل العالم في فوضى قانونية وأخلاقية متزايدة لا تُبقي مكاناً للعدالة أو الردع أو حتى المفاوضة السياسية الرشيدة .؟
على المستوى الإقليمي فإن تأثير هذه الانتهاكات يتجاوز حدود الأرض المحتلة ويطال الدول المجاورة والفاعلين الآخرين فكُلما أشتد التصعيد دون رادع تفاقم خطر تفجر جبهات جديدة من التوتر مما يجعل بيئة الشرق الأوسط بأسرها مرشحة للانزلاق نحو نزاعات أوسع وأكثر دموية تتشابك فيها الخنادق مع حسابات الأمن القومي والاصطفاف الطائفي والمحاور المتصارعة .
العراق بدوره ليس خارج هذه الدائرة فهو وإن لم يكن طرفاً مباشراً في الصراع إلا أن هشاشة وضعه الأمني والسياسي والأقتصادي تجعله ساحة مفتوحة لتأثيرات هذا التصعيد فكُل شرارة إقليمية تُشعل توتراً داخلياً يُربك توازناته الهشة ويفتح الباب أمام أستهداف مصالحه أو زج ساحته في حسابات الآخرين ، العراق الذي يعاني أصلاً من إرث الحروب الطويلة والصراعات المستنزفة لا يحتمل موجات جديدة من الانفجار الإقليمي سواء من حيث الأمن أو من حيث الاقتصاد أو حتى على الصعيد الإنساني .
أما المساءلة فهي الركن الغائب الأكبر عن هذه المعادلة فحتى أكثر الجرائم توثيقاً غالباً ما تمر دون محاسبة حقيقية نتيجة لشلل المنظومة الدولية وأنقسام مراكز القرار العالمي وهذا الغياب يوجه رسالة خطيرة مفادها أن القانون لا يُطبق إلا على الضعفاء ، وأن الإفلات من العقاب ممكن ، بل وربما مُكافئه في حالات مُعينة مما يُقوّض منطق الردع ويحول الجرائم إلى سوابق تشجع غيرها .
وسط هذا الفراغ القانوني والأخلاقي يظهر الموقف العربي والإسلامي أكثر خيبة إذ لا تكفي البيانات الموسمية ولا التنديدات الروتينية ولا المؤتمرات الإنشائية لمواجهة واقع يُدار بالصواريخ والمُسيرات والاغتيالات والدمار الصامت فصمت العواصم وتردد المؤسسات وأنكفاء الإرادة السياسية جعلت من الجرائم المتكررة مشهداً مُعتاداً بلا تبعات ولا أثمان تُدفع أما الجامعة العربية ، ومنظمة التعاون الإسلامي فلا تزالان في دائرة العجز التقليدي تُكرران سرديات معروفة دون ترجمتها إلى ضغط حقيقي أو تحرك قانوني أو حتى موقف إعلامي صارم .
إن القانون الدولي لا يُجدي نفعاً إذا لم يُقرَن بإرادة تنفيذية وموقف سياسي أخلاقي ، وإذا ما أستمر العالم في التعامل مع الجرائم بأعتبارها تفاصيل عابرة فإن ذلك سيعني أن الحرب فقدت حتى قناعها الأخير وستتحول الساحة الدولية إلى مجال مفتوح لكل من يملك القوة ويتقن الاستعراض .
والعراق في هذه اللحظة ليس مُطالباً فقط بالحياد أو الانكفاء بل عليه أن يُدرك أن أشتعال الجبهات من حوله هو تهديد مباشر لأمنه القومي وأن الدفاع عن القانون الدولي ليس ترفاً ، بل ضرورة للحفاظ على بقائه كدولة ذات سيادة في عالم مُضطرب يتسابق فيه الآخرون على رسم الخرائط بالنار والبارود .
أخيراً وليس آخراً .. إن لم يتغير هذا الواقع ويُستعاد الاعتبار للعدالة كمرجعية جامعة فستظل الاتفاقات والمعاهدات حبراً على ورق وستُستباح الشعوب المرة تلو الأخرى تحت غطاء العجز والصمت ، ستبقى الدول الضعيفة ضمن ضحايا هذا النظام المزدوج الذي يُدين الضعيف ويغض الطرف عن جرائم القوي …!




