الحرب في منظور المثقف العراقي وتحيّز المنجز الإبداعي..!
سالم رحيم عبد الحسن ||
23/6/2025

عندما يكون التكاشف مرآةً للحقيقة، يورق الصدق في ضمير الإبداع. لأنه يولد من رحم المعنى ومن هنا تبدأ الحاجة الماسّة إلى المصارحة، لا باعتبارها موقفًا أخلاقيًا فقط، بل كشرط معرفي لتشخيص الخلل الذي يستوطن البنية الثقافية العراقية، وخاصة في علاقة المثقف بالحرب. حتى تكاد مساهمته في إنتاج منجز إبداعي يدعم الحرب العادلة تكون معدومة أو خجولة.
المثقف العراقي ـ في كثير من تمظهراته ـ يعيش نوعًا من الانفصال العاطفي والفكري عن الأمة التي ينتمي إليها. يلوذ بمنصته الرمزية، يمارس سلطته التفسيرية، ويختزل الحقيقة في ذاته، كأنما أُوتي مفاتيح المعنى وحده.
لكن، في خضم الحروب التي تشق وجدان المجتمع العراقي، تبرز إشكالية هذا الانفصال: أين المثقف من ملحمة التضحية؟ لماذا يُبقي مسافة باردة بينه وبين وطن يحترق؟ بينما لاحظنا الكثير والكثير قد ساهم في كتابة أدبيات حرب الثمانية بينما تخلى عن موقفه إزاء ما يتعرض له الوطن متمثلًا بأبنائه من الجنوب العراقي لا تستحي أو أتردد حين أسميهم الشيعة.
صحيح أن غالبية الشعب من البسطاء، ممن يُختصر حضورهم غالبًا في صفة “العامة”، إلا أن هؤلاء هم أصل الحكاية. هم مادّة الإبداع وشرارته، بهم يُشتعل الرمز، ومن آلامهم تُصاغ الثيمات الكبرى في الأدب والفن والفكر. هم ليسوا جمهورًا صامتًا، بل قاعدة الأغلبية التي من أجلها يجب أن يشتغل المثقف، ومن خلالها يستمد شرعية نطقه.
الحرب ليست حدثًا عسكريًا فحسب، بل اختبار وجودي، لا يُقاس بعدد القتلى والخسائر، بل بما تخلّفه من تحولات في الوعي الجمعي. وعندما تغيب “الدراما الحقيقية” عن حياة المثقف، تصبح كتاباته جافة، تفتقر إلى الفعل الحيوي الذي يميّز حياة الناس. ليس المقصود بالإثارة هنا سذاجة الصورة أو تهويل المشهد، بل ذلك الاشتباك العميق مع الواقع، حيث يتخلّق الوعي من حرارة التجربة لا من برودة المراقبة.
غالبًا ما يُصوَّر واقع الحرب في المنجز الثقافي العراقي من زاوية واحدة: زاوية المأساة. الموت، الجرح، اليُتم، الترمل، والدمار. ولا شك أن هذه الزاوية حقيقية، لكنها غير كافية. إذ إن هناك حروبًا تُخاض من أجل القيم الكبرى: العدل، الكرامة، والدفاع عن المستضعفين. وحين يُقصر المثقف رؤيته على الألم فقط، فإنه يغفل عن جوهر الصراع، ويبتعد عن مسؤوليته التفسيرية.
وما يدعو للأسى، أن نرى نكوصًا ثقافيًا حين يتعلّق الأمر بالحروب التي يخوضها الفقراء والمعدمون دفاعًا عن عقيدتهم، وطلبًا لحقهم المغتصب، وسعيًا لإثبات شرعية انتمائهم الإنساني، حتى وإن كانت هذه الحروب خارج حدود “الوطن المصطنع”. من حقهم، بل من واجبهم، أن يؤمنوا بأممية قضيتهم كما آمن غيرهم من ذوي الاتجاهات الأخرى بأممياتهم. فلماذا يُمدَح هؤلاء، ويُخَوَّن أولئك، لمجرد اختلاف العقيدة أو المرجعية؟
طالما تغنّى المثقف العراقي بتضحيات جيفارا، واحترم نضاله العابر للحدود: رجلٌ وُلد في بلد، وناضل في بلد، وقُتل في بلد ثالث، ومع ذلك يُحاط بالتمجيد لكونه لا ينتمي إلى قطر أو عرق أو دين، بل إلى فكرة “التحرر”.
أما حين يتعلق الأمر بمقاتل شيعي يؤمن بعقيدة تقول: “لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى”، إذا به يُتهم بالخيانة ويُلقب بـ”الذيل”. أي مفارقةٍ هذه أيها السادة المثقفون؟! أمريكا تأتي من أقاصي الأرض لتقاتل تحت لافتة “الإنسانية”، بينما يُمنع أبناء هذه الأمة من الدفاع عن وجودهم بذات المنطق، لمجرد أن عقيدتهم لا تروق للبعض.
لقد مررنا بمراحل كثيرة من الكفاح والجهاد، لكن المؤسف أن استخدام مصطلح “الجهاد” نفسه يُقابل بالتغافل والتقزيم في الأوساط الثقافية.
كم قرأنا وسمعنا عن “النضال” و”المناضل”، وكم نُزّهت هذه الأوصاف في الكتابات الأدبية والسياسية، لكن قلّما يُستعمل وصف “المجاهد” إلا ضمن أوساط خاصة أو ذات انتماء معيّن. وهذا التحيز ليس لغويًا بريئًا، بل هو انعكاس لبنية ثقافية مأزومة تُقصي ما لا يتفق مع أذواقها أو أيديولوجيتها.
فهل عجزت الأمة، أو فشل الشعب، عن بلورة تيار ثقافي مقاوم، يحمل سمات مرحلته ويتصدى لغزو المفاهيم من موقع الوعي لا التبعية؟ أين هو أدب المقاومة؟ أين الفن المقاوم؟ ولماذا ما زال مقصورًا على لحظات رمزية بينما الواقع يفيض بالجراح والبطولة والانتماء؟
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الضمير الثقافي لا يزال حيًّا ونابضًا في المنجز الثقافي الشعبي، الذي ظل مواكبًا لمعاناة الأمة ووجدانها الجمعي، ولم يتخلَّ عنها في أحلك الظروف، بل ساندها ورافقها في ساحات القتال، وامتزج بالمقاتلين، فكان منهم ولهم، كأنّه مقاتل أديب، لا يكتب من خلف الزجاج، بل من تراب الخنادق، وكان يصدح بأهازيجه في ميادين النار أبان الحرب ضد قوى الشر والظلام: داعش.
لقد قاتل بصوته وكلمته، وحفّز بجماله روح الفداء، في وقتٍ ندر أن نرى فيه موقفًا مشابهًا من بعض المثقفين المحسوبين على النخبة، أولئك الذين اكتفوا بلبس قبعتهم الفرنسية، وجلسوا على أرائكهم المخملية، يرتشفون فناجين القهوة، ويكتبون بنبرة اللامبالاة عن أوطانٍ تنزف.
إن مسؤولية المثقف لا تقتصر على نقد الدم، بل على تقويم معانيه أيضًا. عليه أن يُبصر الفارق بين الدم المهدر والدم المقدّس، بين الحرب من أجل الطغيان والحرب من أجل التحرر. فكما أن الحرب قد تكون جريمة، قد تكون أيضًا ضرورة. والمثقف الحق هو من يملك شجاعة التمييز، وجرأة التناول من زاوية الوعي، لا من زاوية الألم فقط.
ما تحتاجه الثقافة العراقية اليوم، ليس فقط إعادة سرد الحروب، بل إعادة فهمها. أن نخرج من سجن الذاكرة المثقلة بالدم، إلى أفق الرؤية النابعة من العدالة. وأن نعيد ترتيب العلاقة بين المثقف ومجتمعه على قاعدة الحضور لا التغيب، والمساءلة لا التهويم، والصدق لا الترف البلاغي.




