الجمعة - 19 يونيو 2026

على صفيح ساخن تصعيد بين إسرائيل وإيران يُلقي بظلاله على العراق تداعيات أوسع وتحديات مضاعفة؟!

منذ سنة واحدة
الجمعة - 19 يونيو 2026

طه حسن الأركوازي – الخبير بالشأن السياسي والأمني

 

 

 

في تطور ينذر بتصاعد خطير للتوترات الإقليمية ، صرح ( ياكوف باردوغو ) المقرب من رئيس الوزراء الإسرائيلي ( بنيامين نتنياهو ) للقناة 14 العبرية بأن إسرائيل باتت على بعد “أيام فقط” من شن هجوم واسع على إيران ، هذا التصريح الاستفزازي قوبل برد إيراني سريع وقوي ، حيث أكدت طهران جاهزيتها للرد على أي تهديد للأمن القومي .

وفي سياق متصل ، نقلت مصادر إعلامية عن جهات إيرانية تأكيدها بأن “جميع القواعد الأمريكية في المنطقة تحت مرمى الضربات الإيرانية” ، وقد أعقب هذه التصريحات وضع القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) لكافة قواعدها في الشرق الأوسط في حالة تأهب قصوى ،

مما يعكس المخاوف المتزايدة من أحتمال نشوب صراع إقليمي واسع النطاق ، في ظل التصريحات الإسرائيلية الأخيرة التي تشير إلى قرب شن هجوم على إيران ، والرد الإيراني الحازم بالاستعداد للدفاع عن أمنها القومي والتهديد بأستهداف القواعد الأمريكية في المنطقة ، يجد العراق نفسه أمام واقع إقليمي متوتر ينذر بعواقب وخيمة ، فالتصعيد الحالي ليس مجرد تهديد عابر ، بل يحمل في طياته أحتمالات لتوسع الصراع وتأثيرات مباشرة وغير مباشرة على الساحة العراقية المثقلة بالتحديات .

أولاً : مخاطر أمنية مباشرة تهدد الأستقرار العراقي .؟

إن إعلان إيران بأن القواعد الأمريكية في المنطقة أصبحت أهدافاً مشروعة في حال تعرضها لهجوم إسرائيلي يضع العراق في دائرة الخطر المباشر ، فالعراق يستضيف عدداً من القواعد التي تضم قوات أمريكية ضمن إطار التحالف الدولي لمحاربة داعش ، أي رد إيراني محتمل قد يستهدف هذه القواعد مما يعني جر العراق إلى قلب الصراع الدائر بين خصمين إقليميين ، هذا السيناريو يثير مخاوف جدية بشأن سلامة المدنيين العراقيين ، وأحتمالية وقوع خسائر بشرية وتدمير للبنية التحتية التي عانى منها العراق بما فيه الكفاية خلال العقود الماضية .

لقد شهد العراق تداعيات مباشرة للنزاعات الإقليمية ، فخلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي تحول جزء كبير من الأراضي العراقية إلى ساحة قتال ، وتكبد البلاد خسائر بشرية وأقتصادية هائلة ، كذلك أدت حرب الخليج الثانية عام 1991 والغزو الأمريكي عام 2003 إلى زعزعة استقرار البلاد لعقود طويلة ، هذه التجارب المريرة تجعل العراقيين أكثر حساسية تجاه أي تصعيد إقليمي جديد .

ثانياً : إنعكاسات سياسية عميقة على الساحة الداخلية .؟

التوتر بين إسرائيل وإيران يمتد ليشمل صراعات نفوذ إقليمية تنعكس بوضوح على الساحة السياسية العراقية ، فالعراق يشهد وجود قوى سياسية وعسكرية مدعومة من إيران ، وأخرى تحافظ على علاقات مع الولايات المتحدة وحلفائها ، أي تصعيد عسكري قد يزيد من حدة الاستقطاب السياسي الداخلي ، ويضعف قدرة الحكومة العراقية على الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها الخارجية وهو ما قد يؤدي هذا الوضع إلى تعقيد عملية صنع القرار السياسي وتأخير الإصلاحات الضرورية التي يسعى إليها العراقيون .

يمكن تذكر الانقسام الحاد الذي شهده العراق بعد الغزو الأمريكي عام 2003 ، حيث تصاعدت التوترات بين مختلف المكونات السياسية والدينية ، وهو ما أستغلته قوى خارجية لتعزيز نفوذها تصعيد جديد بين إسرائيل وإيران قد يفتح الباب أمام تدخلات خارجية مماثلة، مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي العراقي .

ثالثاً : تأثيرات أقتصادية مدمرة في ظل أزمات متراكمة .؟

يعاني العراق بالفعل من أزمات اقتصادية متراكمة ، بما في ذلك الاعتماد الكبير على النفط وتقلبات أسعاره ، فضلاً عن مستويات الفساد المرتفعة ، أي صراع إقليمي قد يؤدي إلى أرتفاع أسعار النفط بشكل كبير ، وهو ما قد يبدو في الظاهر إيجابياً للعراق كمصدر للنفط ، إلا أنه قد يعيق جهود الحكومة في تنويع مصادر الدخل وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية ، علاوة على ذلك فإن حالة عدم الاستقرار الإقليمي قد تؤدي إلى تراجع الاستثمارات الأجنبية ، وتعطيل حركة التجارة ، وتفاقم مشكلة البطالة والفقر التي يعاني منها جزء كبير من الشعب العراقي .

فخلال فترة تصاعد التوترات في منطقة الخليج العربي في عام 2019 ، تعرضت منشآت نفطية في دول مجاورة لهجمات ، مما أدى إلى ارتفاع مؤقت في أسعار النفط على الرغم من ذلك ، فإن حالة عدم اليقين والخوف من تصاعد الصراع أثرت سلباً على الاستثمارات في المنطقة بشكل عام ، بما في ذلك العراق .

رابعاً : تبعات اجتماعية وإنسانية محتملة .؟

في حال إندلاع صراع واسع النطاق فمن المتوقع أن يشهد العراق موجات نزوح جديدة ، سواء من داخل البلاد خوفاً من أمتداد القتال إليها أو من دول أخرى قد تتأثر بالصراع ، وهذا سيزيد من الضغط على الموارد المحدودة أصلاً في العراق ، وسيفاقم الأوضاع الإنسانية .

كما أن حالة الخوف والقلق التي ستسود المجتمع قد تؤدي إلى تفاقم المشاكل الاجتماعية والنفسية التي يعاني منها العراقيون نتيجة سنوات طويلة من الصراعات والعنف .

فقد شهد العراق موجات نزوح كبيرة خلال فترة سيطرة تنظيم داعش على أجزاء من البلاد أي صراع إقليمي جديد قد يتسبب في تكرار هذه المأساة الإنسانية مع ما يصاحبها من تحديات تتعلق بتوفير الغذاء والمأوى والرعاية الصحية للنازحين .

أخيراً .. فإن التصعيد الخطير بين إسرائيل وإيران يحمل في طياته تهديدات حقيقية للعراق على مختلف الأصعدة ، إذ يتطلب هذا الوضع الدقيق من الحكومة العراقية والقوى السياسية المختلفة العمل بتنسيق عالٍ لتبني سياسة خارجية متوازنة تهدف إلى حماية مصالح العراق وشعبه ، وتجنب الانزلاق إلى أتون صراع إقليمي مدمر ، كما يستدعي من المجتمع الدولي تكثيف الجهود الدبلوماسية لنزع فتيل الأزمة وتجنيب المنطقة المزيد من الصراعات والاضطرابات ،

إن مستقبل العراق وأستقراره يعتمد بشكل كبير على قدرة الأطراف الإقليمية والدولية على إدراك خطورة الوضع الراهن والعمل بمسؤولية لتفادي كارثة إقليمية ستكون لها تداعيات طويلة الأمد على الجميع …!