الاثنين - 22 يونيو 2026
منذ سنة واحدة
الاثنين - 22 يونيو 2026

د. عامر الربيعي ||

 

 

 

من بديهيات استنهاض بيئة المستضعفين او المظلومين ان يعمد القادة على شحن الهمم وان يضخوا عبر منظومة فكرية يعتبرونها – حسب منبعها- متكاملة ، فتأخذ طريقها على أرض الواقع لخلق ظاهرة تصاعد الوعي في الساحة المعنية ، يقابله محاولات مضنية وشاقة من قبل القادة الإلمام بكل ميكانزمات الواقع وتفاصيله ، ما من شأنه ان يزيل عن كاهل المجتمع والإنسان الضيم.

وهكذا هي الساحة العراقية ، عانت من الضيم لعشرات السنين تحتاج إلى ظاهرة تنامي الوعي ، ثورة فكرية، ساحة استطاعت مسبقا ان تمر بالتجربة أعلاه ضد الاحتلال البريطاني (1914-1920).

من الناحية الفكرية لم تشهد الساحة العراقية منذ 90 عاما(1933-2014) متغيرا يخلق الاندماج السياسي والثقافي والاجتماعي(بإستثناء فترة إعلان فتوى الجهاد الكفائي) ، وإنما قطعت أشواط متعددة من الظلم.

اليوم تعبر الساحة العراقية ظلما من نوع اخر ، ظلما ثقافيا، تدمير للبنية الاجتماعية وتفتيت للعدالة الاجتماعية ،تعدى بإضراره ما حملته نتائج مفاهيم (الاستحواذ والاستثمار) للموقع الجغرافي والجيوسياسي الذي دأبت عليه الإدارات المتعاقبة للصهيوامبريالية من استثمار لهذه الساحة .

إغداق ساحة العراق بفوضى ثقافية وزخم من المعلومات الجاهزة المتضمنة لمجموعة من القيم الليبرالية والمفاهيم التي لاتناسب الساحة الإسلامية للعراق، والأدوات التي تؤسّس لمنهج ونظام حياة قائم على التقليد والتغريب، اخذت من بذورها الاولى سواء الفكر العلماني ( بشقيه الشيوعي او الرأسمالي)السابق للاحتلال الامريكي او من إسقاطات الديمقراطية الأمريكية على العراق بعد 2003 , كان من شأنه ان استهدفت و زاحمت هذه الأيديولوجية النيوليبرالية البناء الاخلاقي للمجتمع العراقي الإسلامي والعرفي والعشائري.

إذن العراق كان امام عملية ( انهيار الدولة، وإعادة انتاج دولة)،عملية التغيير القائمة على التدمير واعادة البناء للمجتمعات في الأيديولوجية النيوليبرالية يمثل صدمة متعددة الأوجه تطال مختلف أوجه الحياة ثقافية، اجتماعية، وحتى اقتصادية، فمثلما اتبع النيوليبراليون منهج الصدمة في استثمار الكوارث سواء منها الحروب او الكوارث الطبيعية ، تعمد على استثمار هذا التدمير واعادة ملكية ممتلكات الدولة المهدمة جراء ذلك ، فتعرض هذه الممتلكات للمزايدة امام اصحاب رؤوس الأموال بحجة اعادة انتاج مشاريع اخرى.

مستثمرين العلاقة بين المال والسياسية ، وكما هو معلوم ان العلاقة بين اصحاب رأس المال مع شخصيات سياسية طامحة، اي شكل لنظام حكم سيولد؟
ولعل ابرز ميكانيزم يقف عليه هذا النظام هو الفساد،
لكون الدولة ودستورها ستكون خاضعة لميزان قوى بين السياسي والراسمالي).

من ابرز مصاديق ميزان القوى هذا ما تقوم به اسرائيل من توجيه صدمة إنسانية و اخلاقية لفلسطين وللعالم العربي والإنساني.

صدمة التدمير التي تتعرض لها فلسطين ومنهج الابادة الذي تقوده العصابات الصهيونية البشعة ، أظهر عجز المؤسسات الدولية عن التصدي لهذا الإجرام، الذي يعود في اصوله إلى الصراع الفلسطيني الصهيوني ، وبما ان إسرائيل هي نتاج التوافق بين رأس المال والسياسي، فالصراع بحد ذاته ما هو إلا نتاج عن العلاقة الوظيفية للنيوليبرالية(بين السياسي الجشع وصاحب رأس المال الجشع) بعيدا عن الشعب الفلسطيني،ابادة مجهزة ضد شعب كامل ، بدأت حدتها بالتصاعد عندما تم اكتشاف الغاز في البحر المتوسط في شواطئ غزة (وتحديدا خان يونس التي تبعد عن البحر ب كيلومترين ، الاكتشافات لبعض حقول الغاز وجُدت ضمن المياه الإقليمية الفلسطينية قبالة غزة ، والثاني مشترك مع الكيان الصهيوني، أدى ذلك إلى تصاعد الخلافات بين البنوك العاملة في فلسطين مثل بنك الأمة العربية ،وبنك باركليز [باركلين] ، والبنك العربي من جهة، وشركات الطاقة متعددة الجنسيات من جهة ثانية كشل البريطانية وشركة المقاولين العرب العملاقة، احتدم الصراع عندما طالبت فلسطين ان يتم استبدال شركة شل البريطانية ب شركة فلسطينية مستقلة ، وهذا رفضته شل ، وهكذا تم مصادرة إرادة ( تسمى الإرادة الفلسطينية) لتفعيل منهج التدمير، لإعادة التمليك ، والسيطرة على طرق الطاقة والحرير …
وهكذا سوريا ونظامها الحاكم الذي أنتج سوريا منزوعة السلاح ، توغل الكيان الصهيوني فيها في عدة نقاط ، سيطرة أمريكية على طرق الطاقة وحقول النفط، لتصبح بؤرة لاستقطاب وتجنيس [شذاذ الآفاق من تكفيريين من مختلف دول العالم ] واعادة تجنيد وتوجيه ..…

ساحة عراقية تعاني من فوضى ثقافية تُغدق تحت عناوين ومفاهيم وقيم وأدوات ذات استهلاك معنوي وأخلاقي ومنها الحرب الناعمة،كمنهج يجابه المنظومة الأخلاقية و الوعي السياسي والثقافي والاجتماعي للبيئة الاجتماعية المستهدفة.

اشكاليات:
– هل العراق واقع تحت ضغط وتأثير الحرب الناعمة ومنظومة الفساد المتولدة من حركة ( السياسي ورأس المال) كعامل محرك بديل عن الحرب العسكرية؟
– ⁠من المالك الحقيقي لرأس المال العراقي ؟
– ⁠هل يستطيع القانون العراقي تجاوز إرادة المالك او المستحوذ على رأس المال العراقي في الضرب على أيدي الفاسدين ، وماجدوى القانون إذا لم يستطع ان يأخذ طريقه نحو التطبيق في إنزال القصاص بالفاسد؟ فكل من الحلبوسي والخنجر ملاحقين قانونيا …
– ⁠من الناحية الجيوسياسية هل استنفذت أمريكا كل أجنداتها تجاه العراق ؟ جغرافيا العراق محاط بست دول عربية وإسلامية ، ومع كل دول الجوار هذه توجد قضايا شائكة مع تركيا وأطماعها الجيوسياسية والسعودية وعدائها العقائدي وسوريا كمنهج ووظيفة مرحلية في تعزيز النفس الطائفي كمعين مساند لبعض الواجهات السياسية العراقية، أما الكويت هذه الدولة الصغيرة ومحاولاتها المستميتة في استيلائها على المنفذ البحري الوحيد للعراق ، كل هذا الإطار المحيط بالعراق يعطي مثال عن حجم خطر الإطار الخارجي المحيط به ، وخاصة وان معظم هذا الإطار يدور في فلك أعداء العراق.
اما هيكلية الدولة العراقية داخليا ومركزية العاصمة بغداد، محاط بفدرالية ذات أبعاد طائفية عرقية، وثقافيا تُقاد وتُوجه من خلال حرب ناعمة تستثمر سياسياً واجتماعيا وتمارس عملية توجيه العراق نحو متطلبات الطغمة الصهيوامبريالية.
من أبرز الأدوات التي تكون ذات حدين ( الديمقراطية، والحرية ، وحقوق الانسان، وتكثيف البرامج التعليمية المرتبطة بالسفارات الأجنبية…) التي تعتبر إلى وقت قريب قبل الابادة في غزة ، تهما جاهزة لمن يخالفها وملاحق قانونيا من قبل المنظمات الدولية وخاصة قانون حقوق الإنسان).
عنوان حقوق الإنسان من الإشكاليات العميقة في تفسير مفاهيم الديمقراطية والحرية من قبل النظام الرأسمالي ، ومدى اهليتهم في تقديم انفسهم على انهم المعبّر الأساسي عن الحرية والديمقراطية والمساواة.. وما هو المنبع الذي يستمدون منه أخلاقية الحرية والديمقراطية؟
وهذا يقودنا لبحث الفلسفة التنظيرية للنظام الرأسمالي ، لسنا بصدد الخوض فيها.

[لذلك فالوعي سلاح من بديهيات استنهاض بيئة المستضعفين او المظلومين ان يعمد القادة على شحن الهمم وان يضخوا عبر منظومة فكرية يعتبرونها – حسب منبعها- متكاملة ، فتأخذ طريقها على ارض الواقع لخلق ظاهرة تصاعد الوعي في الساحة المعنية ، يقابله محاولات مضنية وشاقة من قبل القادة الإلمام بكل ميكانزمات الواقع وتفاصيله ، ما من شأنه ان يزيل عن كاهل المجتمع والإنسان الضيم].

العراق والمرحلة المقبلة

من الثوابت السياسية ان العراق دولة فيدرالية ، يقع تحت التأثير الأمريكي اصبحت دولة استهلاكية على الطريقة الأمريكية والخليجية ، وضغوط حركة النظام الجيوسياسي العالمي ، ومتطلبات الصراع المحموم في الاستئثار بالسيطرة على طرق التجارة والطاقة.
اشكالية : هل العراق بحاجة إلى صدمة او لصدمات داخلية لكنها ايجابية لصالح استقلال العراق ، مهمة تناط بالقضاء العراقي ، ونظام حكم رجالات وطنية وبرلمان يسقط الفاسدين ، نظام حكم يتكافأ في الخطوات يمارس عملية سير تشذب وتسقط الخونة ، وتسير بقوة، قد تكون صعبة في البداية، لكنها تدريجيا ستعطي نتائج إيجابية، وتُفشل خلايا نائمة ووظيفية أخرى .
استثمار النجاح بمطالب لاقصى حد، والحد من تضخم استغلال الاخر للساحة العراقية ، بأن يطالب ما ليس من حقه لا قانونا ولا تشريعيا كان ينطلق البعض إلى شعار تغيير نظام الحكم مستوحين ذلك من التغيير في الساحة السورية معولين في ذلك على الانتخابات وصعود شذاذ الآفاق التكفيريين( الخنجر ، الحلبوسي ).

رئيس مركز الدراسات والبحوث الإستراتيجية العربية الأوربية في باريس