السيرة والمسيرة ح١ الشيخ مازن الكربلائي..!
الراجي رحمة ربه المكلوم بأخيه حميد العارضي ||

عشت مع الشيخ مازن قرابة خمسة وعشرين سنة بحلوها ومرها منذ مدرسة اللبنانية في خان المخضر القديم في النجف الاشرف، إلى أن انتقلنا لمدارس أخرى ومن ثم إلى البيوت بعد أن تزوج كل منا في نفس السنة، وكان رحمه الله تعالى مولعا بتطبيق المستحبات والتدبر في القرآن الكريم، كنت أراه في الليل بعد منتصفه في مصلى المدرسة ينظر في القرآن بدون تلاوة، وكنت أعرف أنه يتدبر فيه من خلال طرحه العالي في اليوم الثاني.
ولا أنسى شجاعته أيام اللعين المقبور صدام، فكان يتكلم ويحاضر في بيوتات عديدة ومصغرة سرا بسيل من التوجيه ضد الطاغية وطغيانه وظلمه مع علمه بكم العذاب والتعذيب الذي يحصل عليه لو مسكه ازلام السلطة النازية، وركز في حينها باعتبار المتطلبات الواقعية على فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأعلى مراتبها، في حين كان الكثير منا لا يستطيع أن يأمر عياله خوفا من بطش السلطة الظالمة، وكانت بداية نشاطه في بيوت الأصحاب والأحباب ممن فتحوا له قلوبهم قبل بيوتهم التي قد تهدم لو علمت السلطة الظالمة بوجود المحاضرات فيها.
في الجانب الفكري لعلي أقول: ان سماحة الشيخ رحمه الله تعالى أنضج وأكثر من فَهَم فكر السيد الشهيد في فلسفتنا واقتصادنا والمدرسة القرآنية والتفسير الموضوعي، وكان يطبقه على الواقع في كل جلسة نجلسها وفي أي وقت.
ومن حينها تربى على يديه فكريا وروحيا ثلة كبيرة من الشباب اليوم هم أساتذة وأصحاب شهادات عليا، وفتحت على أيديهم آفاق كثيرة، ورأيت بعض الاساتذة منهم وقد عانقني في التشييع ونحن نبكي ويقول: نحن تيتمنا يا شيخ، وطبعا هذا التوجه وبهذه القوة جعله مستهدفا من قبل السلطة الظالمة مما جعله مطاردا من بيت إلى آخر، ولم يُدعم إلا من البعض لأن الدعم انذاك معناه السجن وهدم البيوت.
واما فترة ما بعد سقوط اللانظام الظالم المقبور عام ٢٠٠٣م أصبح الشيخ المغفور له شعلة وهاجة حتى في النهار، يتنقل من مركز إلى آخر، ومن مؤسسة إلى أخرى، ومن زقاق إلى آخر، ومن مكتب إلى آخر؛ ليفيض من عطائه الفكري والثقافي.
أما على المستوى الشخصي فقد كان (رحمه الله) متصفا بالزهد والاعراض عن ملذات ومتع الحياة الدنيا الفانية، ولم يملك سيارة ولا بيتا خاصا به ولا حتى الهاتف المتطور إلى أن مرض، ولا أنسى الكثير من أقرانه كانوا يتخمون ماديا وفي المستوى المعاشي حالهم حال المجتمع، إلا هو كان ينتفع ويزداد علما وعملا وتكاملا.
كان يحرم على نفس حتى الطعام اللذيذ أيام الطاغية لأن الناس لا يملكون أموالا لشراء اللحم، وقد دعينا إلى جلسة ونقاش علمي في مكان ما أنا وهو وكان في الطعام لحم ونحن أيامها لا نكاد نراه، ورغم ذاك الجميع أكل اللحم إلا هو وشخص آخر، اكتفى بالخبز وبعض الطعام مواساة للفقراء (لاعتقاده أنه إن لم يقدر على حل مشاكل الفقراء فانه يواسيهم)!
أما على مستوى الدرس فكانت له عشرات الدروس المعروفة وغير المعروفة في الحوزة كتدريس تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي قده وكتب السيد الشهيد محمد باقر الصدر قده، فضلا عن المقدمات والسطوح وقد برع في تدريس الحلقة الثالثة في الأصول بطريقة باهرة.
لم يُدعم من أي جهة ولم يتسلق ليحصل على ذلك رغم أن أقرانه الذين دخلوا معه في نفس دورته أصبحت لهم شؤون ومكانة في الحوزة وأحوال وغيرها، ولعل الكثير منهم يحتاج إلى براءة الذمة منه لهدر هذه الطاقة الفياضة وعدم استثمارها، فغيره ممن لا يملك ربع ما يملكه الشيخ يُكتَب لهم حتى أبسط الكلام العادي الذي يتحدثون به،
ويؤرشف لهم ويتحول كلامهم إلى كتب، بينما الشيخ المغفور له ألقى آلاف المحاضرات في الفكر والاقتصاد والعقيدة ولم يملك مؤسسة تؤرشف له أو تكتب جهوده أو تسجل له ابدا، وكثيرة هي الطاقات التي تهدر ولا يسأل عنها أحد!
في فترة أصابته بالمرض الخبيث لم تمنعه من مواصلة رسالته رغم الآلام التي عبر عنها لبعض خاصته (كحالة الاحتضار) أنها لا تطاق بسبب الكيمياوي، ورغم كل هذه الآلام والأوجاع وأخرجه أصحابه (الذين سيأتي الحديث عنهم) للعلاج في الجمهورية الاسلامية في إيران وهناك تلقى العلاج الكيميائيّ ولكن رغم ذلك طلب أن يجمع له شباب عراقيون ليتسنى له التدريس والقاء المحاضرات الفكرية والعقائدية هناك، وفعلا تم إيجاد مكان وسبورة وأخذ يدرس ويقف على قدميه رغم المعاناة التي أرقدته في الفراش.
إلى أن أشتد به المرض وفي جميع هذا الوقت الطويل والذي رافقه فيه أحبته أخبرونا بأنه طوال هذه الفترة لم تصدر منه أدنى شكوى أو تذمر أو جزع، بل على العكس كان يقول:(كله خير) وهي كلمة معروفة على لسانه، ولم يترك التواصل مع كل من يعرفه من خلال الهاتف فشخصيا كان يتصل بي وهو في المرض ويسأل عن كل صغيرة وكبيرة في العراق والعالم والحوزة وبعدها يقوم بالتحليل والتوجيه ولأكثر من ساعة مما يجعل الآخر يشعر بحقارة نفسه وكثرة تقصيره، ولم أنس اذ كان يحاول إيجاد مجاميع في كل محافظة للعمل ويقوم بتوحيد المجاميع والربط بينها وطلب الاتصال فيما بينها
لإيجاد عمل اسلامي يمكن أن ينتشل الأمة من سباتها ويعين على أداء الحوزة في واجباتها.
أما علاقته بالإمام الحجة (عجل الله فرجه) فهي لا توصف، وله عشرات المحاضرات على فضائيّة كربلاء فضلا عن عشرات المحاضرات الفكرية والتحليلية هنا وهناك.
لا أنسى أن جمع من طلبته وقفوا له وقفة عجيبة لم نصل لها نحن طلبة الحوزة، فكان أصحابه يجمعون له المال في صندوق لهم لغرض العلاج باهض الثمن والمجهد، وطوال فترة مرضه لم يتركوه يذهب اثنان للرقود معه في المستشفى لعشرة أيام ويستبدلها اثنان غيرهما، وجمع كبير كان داخل هذا البرنامج وكل شهر تكون سفرة على أحدهم مرة أو مرتين، وهم جماعة مخلصة لم اسمع بهم في أي مواقف الحياة في مجموعة من المجموعات، يذكروني بأنصار الحسين (عليه السلام) حيث لم يتركوه إلى أن ماتوا في هذا الطريق،
إنهم الجندي المجهول الذي لم يظهر على السطح ولم يعرفهم إلا القلة النادرة، رغم أن المريض قد يجزع منه أقرب أقربائه إلا هؤلاء لم يجزعوا ولم يدخروا جهدا في ذلك، وكانوا معه في سفره وطول فترة مرضه وفي بيته، وصنعوا له أشياء عجيبة ليس لي الأذن في الكلام عنها.
أما أيامه الأخيرة (والشيخ بقي جلد وعظم) وقد عجزت كل قواه، كان يقول لأحد المقربين من أصحابه: أنا رجعت إلى العراق لا لتتركوني في البيت نريد أن نعمل فاجلسوا عندي لنتكلم ونحاور ونتداول الأمور والوضع في العراق وهو كل ساعة يتدهور وضعه الصحي وينقل للمشفى… وبقي هكذا إلى أن مضى إلى ربه صابرا محتسبا مخلصا بعد صراع مرير مع المرض، ليلتحق بركب الصالحين والمجاهدين وتنتهي الكلمات ولا تنتهي سيرته العطرة فكل ما ذكرته غيض من فيض عن حركته وعمله رحمة الله تعالى عليه.
والعجب لا ينقضي كيف كان صبر أصحاب سيدي ومولاي أمير المؤمنين عليه السلام عنه وفراقه، وهذا ضرار صاحب أمير المؤمنين بعد أن وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) لمعاوية… قال الراوي: «فَوَكَفَتْ دُمُوعُ مُعَاوِيَةَ عَلَى لِحْيَتِهِ فَنَشَفَهَا بِكُمِّهِ ، وَ اخْتَنَقَ الْقَوْمُ بِالْبُكَاءِ .
ثُمَّ قَالَ ـ معاوية ـ : كَانَ وَ اللَّهِ أَبُو الْحَسَنِ كَذَلِكَ ، فَكَيْفَ كَانَ حُبُّكَ إِيَّاهُ ؟
قَالَ : كَحُبِّ أُمِّ مُوسَى لِمُوسَى ، وَ أَعْتَذِرُ إِلَى اللَّهِ مِنَ التَّقْصِيرِ .
قَالَ : فَكَيْفَ صَبْرُكَ عَنْهُ يَا ضِرَارُ ؟
قَالَ : صَبْرَ مَنْ ذُبِحَ وَاحِدُهَا عَلَى صَدْرِهَا ، فَهِيَ لَا تَرْقَى عَبْرَتُهَا ، وَ لَا تَسْكُنُ حَرَارَتُهَا .
ثُمَّ قَامَ وَ خَرَجَ وَ هُوَ بَاكٍ .».
ولي مئات الجلسات والمبيت معه في بيتنا حتى الصباح نتداول أمور الإسلام والمسلمين ثم نصلي الصبح ونخرج للدرس.
نسأل الله العلي القدير أن يرفع شيخنا المغفور له في أعلى الدرجات مع محمد وآله الطيبين الطاهرين
وأن يلهمنا وأهله ومحبيه الصبر والسلوان، وقد أخذه الله تعالى بعدله ونسأله عزوجل أن يعوّضنا وساحة العمل الاسلامي بلطفه انه سميع مجيب.
رحم الله الشهداء والقادة والعلماء ورحم الله شيخنا مازن الكربلائي برحمته الواسعة انه أرحم الراحمين.




