رسالة الإسلام الخالدة: العلم والإخاء ونصرة المظلومين..!
القاضي حسين بن محمد المهدي ||

*بسم الله الرحمن الرحيم*
مِمَّا لَا رَيْبَ فِيهِ أَنَّ الْقُرْآنَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ هُوَ الدَّافِعُ الْأَسَاسُ لِلْحَرَكَةِ الْعِلْمِيَّةِ، الْوَاضِعُ لِجُذُورِهَا وَالْبَاذِرُ بُذُورَهَا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالَّذِي قَامَ بِرِيِّهَا الرَّسُولُ الْأَعْظَمُ وَالنَّبِيُّ الْأَكْرَمُ، وَتَبِعَهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، وَالْعُلَمَاءُ الْمُهْتَدُونَ، حَتَّى نَمَتْ وَأَثْمَرَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، فَنَبَغَ الْمُسْلِمُونَ فِي مُخْتَلِفِ الْعُلُومِ وَالْفُنُونِ، فَأَلَّفُوا وَابْتَكَرُوا وَعَلَّمُوا الْعَالَمَ حَتَّى تَنَبَّهَ وَابْتَكَرَ.
وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ أَمَرَ بِتَأْلِيفِ الْكُتُبِ الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- حِينَ أَمَرَ أَبَا الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيَّ أَنْ يَضَعَ كِتَابًا فِي عِلْمِ النَّحْوِ، وَوَضَعَ لَهُ بَعْضَ الْأُسُسِ، وَرَسَمَ لَهُ بَعْضَ الْأَبْحَاثِ عَنِ الْكَلِمَاتِ، وَقَالَ لَهُ: “انْحُ هَذَا النَّحْوَ”، فَسُمِّيَ مَا أَرْشَدَ إِلَيْهِ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ “عِلْمَ النَّحْوِ”.
وَلَقَدْ كَانَ لِلْمَسْجِدِ دَوْرٌ عَظِيمٌ فِي إِحْيَاءِ الْحَرَكَةِ الْعِلْمِيَّةِ وَالنُّهُوضِ بِهَا فِي الْعَالَمِ الْإِسْلَامِيِّ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا أَسَّسَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ الْمَسْجِدَ، الَّذِي تَعَلَّمَ فِيهِ النَّاسُ الْقُرْآنَ، وَهُوَ بِحَقٍّ كِتَابُ عِلْمٍ، وَسِيَاسَةٍ، وَاجْتِمَاعٍ، كَمَا أَنَّهُ كِتَابُ عَقِيدَةٍ، وَشَرِيعَةٍ، وَأَخْلَاقٍ.
فَأَوَّلُ آيَاتِهِ تَأْمُرُ بِالْقِرَاءَةِ وَتَنْوِهُ بِالْعِلْمِ:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [الْعَلَقِ: 1-5].
فَالْعِلْمُ مِفْتَاحُ الْخَيْرِ وَالسَّعَادَةِ وَالتَّقَدُّمِ وَالرُّقِيِّ وَالنَّهْضَةِ، بِهِ يَعْرِفُ الْإِنْسَانُ رَبَّهُ، وَبِهِ يَعْرِفُ كَيْفَ يُسَخِّرُ مَا خَلَقَ اللهُ لِمَصَالِحِ الْإِنْسَانِ، فَهُوَ عُنْوَانُ الْعِزِّ، وَمَعِينُ الْبِرِّ، وَنُورُ الْحَقِّ، وَعَوْنُ الْفَتَى عَلَى أُمُورِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزُّمَرِ: 9].
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ:
«مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ».
وَرُوِيَ عَنِ الْإِمَامِ عَلِيٍّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-:
«بِالْعِلْمِ تَحْيَا الْقُلُوبُ وَتَنْجُو مِنَ الْخَطَايَا، وَنُورُ الْأَبْصَارِ مِنَ الْعَمَى، وَقُوَّةُ الْأَبْدَانِ عَلَى الْبُنْيَانِ، وَبِالْعِلْمِ يُطَاعُ اللهُ وَيُعْرَفُ، وَتُفْهَمُ الْأَحْكَامُ، وَيُفْصَلُ بِهِ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، يَمْنَحُهُ اللهُ السُّعَدَاءَ، وَيَحْرِمُ مِنْهُ الْأَشْقِيَاءَ».
وَقَدْ أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ بِالِاسْتِزَادَةِ مِنَ الْعِلْمِ فَقَالَ:
﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طَهَ: 114].
وَجَعَلَ الْعُلَمَاءَ فِي مَصَافِّ الْمَلَائِكَةِ الْقَائِمِينَ بِالْقِسْطِ فَقَالَ:
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 18].
فَمَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ ارْتَفَعَ شَأْنُهُ، وَعَلَتْ دَرَجَتُهُ، كَمَا أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [الْمُجَادِلَةِ: 11].
فَاسْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ لِذَلِكَ، فَأَقْبَلُوا عَلَى طَلَبِهِ بِجِدٍّ وَاجْتِهَادٍ، وَعَزْمٍ وَهِمَمٍ عَالِيَةٍ، فَصَرَفُوا الْكَثِيرَ مِنْ وَقْتِهِمْ، وَبَذَلُوا الْكَثِيرَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ.
فَكَانَتْ رِسَالَةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ رِسَالَةَ عِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ، كَمَا كَانَتْ رِسَالَةَ هِدَايَةٍ وَإِرْشَادٍ.
فَاتَّخَذَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ مَسَاجِدِهِمْ مَدَارِسَ لِلْعِلْمِ، وَبُيُوتًا لِعِبَادَةِ اللهِ، وَقَدْ يُدْرِكُ الْقَارِئُ لِلتَّارِيخِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي عَامِ 245 أَقَامُوا مَسْجِدًا فِي مَدِينَةِ فَاسَ بِالْمَغْرِبِ لِلْعِبَادَةِ وَالْعِلْمِ، فَكَانَ مَعْلَمًا يُدَرَّسُ فِيهِ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ، وَالتَّفْسِيرُ، وَالْحَدِيثُ، وَالْعُلُومُ الرِّيَاضِيَّةُ، وَالْفَلَكُ، وَالْجُغْرَافِيَا، وَغَيْرُهَا مِنَ الْعُلُومِ، حَتَّى أُطْلِقَ عَلَيْهِ “جَامِعَةُ الْقَرَوِيِّينَ”، وَبِهِ تَخَرَّجَ الْكَثِيرُ مِنَ الْعُلَمَاءِ.
وَلَقَدْ نَحَتِ الْمَدَارِسُ الْعِلْمِيَّةُ فِي يَمَنَ الْإِيمَانِ وَالْحِكْمَةِ نَفْسَ الْمَنْحَى، يُدَرَّسُ فِيهَا شَتَّى الْعُلُومِ، وَكَذَلِكَ الْحَالُ فِي بَغْدَادَ الَّتِي وُضِعَ فِيهَا “بَيْتُ الْحِكْمَةِ” الَّذِي أَنْشَأَهُ الرَّشِيدُ، وَجَمَعَ فِيهِ نَفَائِسَ الْكُتُبِ فِي جَمِيعِ الْعُلُومِ، وَفِي مِصْرَ كَانَ “دَارُ الْحِكْمَةِ” الَّذِي أَنْشَأَهُ الْحَاكِمُ الْفَاطِمِيُّ فِي الْقَاهِرَةِ بِجِوَارِ قَصْرِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْكَثِيرِ الْكَثِيرِ فِي الْبُلْدَانِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَالَّتِي تَشْكُلُ دَلَائِلَ وَاضِحَةً وَمَظَاهِرَ نَاطِقَةً تَعْبُرُ عَنِ التَّفَوُّقِ فِي مُخْتَلِفِ الْعُلُومِ وَالْفُنُونِ.
مِمَّا يَعْنِي أَنَّ الْأُمَّةَ الْإِسْلَامِيَّةَ سَبَقَتِ الْأُمَمَ فِي شَتَّى الْعُلُومِ وَبَلَغَتِ الْغَايَةَ، وَتَقَدَّمَ الْمُسْلِمُونَ فِي الْعِلْمِ شَوْطًا بَعِيدًا فِي رَصْدِ الْكَوَاكِبِ وَضَبْطِ مَوَاقِعِ النُّجُومِ وَوَضْعِ الْأَزْيَاجِ، فَذَاعَ بِذَلِكَ صِيتُهُمْ، وَارْتَفَعَتْ مَكَانَتُهُمْ.
وَهَا هُمْ أَنْصَارُ اللهِ الْيَوْمَ يُحَقِّقُونَ نَجَاحًا كَبِيرًا بِالدَّعْوَةِ لِطُلَّابِ الْعِلْمِ، وَالِاهْتِمَامِ بِتَدْرِيسِهِمْ مَا يَنْفَعُهُمْ فِي أُمُورِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ فِي الْمَرَاكِزِ الصَّيْفِيَّةِ الَّتِي أَعَدُّوهَا، لِكَيْلَا يَضِيعَ وَقْتُ الطُّلَّابِ فِي الْعُطَلَاتِ الصَّيْفِيَّةِ. وَيَا حَبَّذَا لَوْ أَنَّ هَذِهِ الْمَرَاكِزَ الصَّيْفِيَّةَ اتَّخَذَتِ الْمَسَاجِدَ مَقَرًّا لَهَا، وَعُقِدَتْ فِيهَا حِلَقُ الدُّرُوسِ لِمُخْتَلِفِ الْعُلُومِ، حَتَّى يُثْبِتُوا لِلْعَالَمِ أَنَّ دَوْلَةَ الْإِسْلَامِ دَوْلَةُ الْمَسَاجِدِ، وَدَوْلَةُ أَنْصَارِ اللهِ دَوْلَةُ عِلْمٍ، بِهَا تَزْدَهِرُ الْحَيَاةُ الْعِلْمِيَّةُ فِي الْمَسَاجِدِ بِكُلِّ رُبُوعِ الْبِلَادِ.
وَلْيُقْبِلِ الطُّلَّابُ عَلَى التَّعَلُّمِ وَالتَّحْصِيلِ لَيْلَ نَهَارٍ، وَلْيُنْشَئُوا بَعْدَ ذَلِكَ دُورًا لِلْعِلْمِ بِجِوَارِ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ فِي غَايَةِ الْإِتْقَانِ وَالتَّرْتِيبِ، بِمَا يُكْفِلُ لِطَالِبِ الْعِلْمِ سُبُلَ النَّجَاحِ فِي دُورٍ تَتْبَعُ مَسَاجِدَهُمْ. وَلْيُلْقِ مَنْ يُعِدُّ الْمُحَاضَرَاتِ فِي قَاعَاتٍ كُبْرَى تَضُمُّهَا تِلْكَ الدُّورُ وَالْمَسَاجِدُ، وَالَّتِي تُفَتَّحُ أَبْوَابُهَا لِعُمُومِ النَّاسِ، مِنْ أَجْلِ أَنْ يَتَسَابَقَ الرَّاغِبُونَ لِاكْتِسَابِ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ، وَيَتَهَافَتُ طُلَّابُ الْعِلْمِ عَلَى حُضُورِ الدُّرُوسِ وَالِاسْتِفَادَةِ مِنْهَا، وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ.
وَلْيَشْعُرِ الْجَمِيعُ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يُمَيِّزُهُ جِنْسٌ وَلَا يَحُدُّهُ لَوْنٌ، فَالْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ فِي أَيِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، لَهُ مَا لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ مِنْ حَقٍّ وَنَصْرٍ وَحِمَايَةٍ وَنُصْحٍ وَمَحَبَّةٍ، حَتَّى يَنْشَأَ الْجَمِيعُ وَفِي أَذْهَانِهِمْ وَمُعْتَقَدَاتِهِمْ وَوِجْدَانِهِمْ تَزَوُّدٌ بِالْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَعِمَارَةِ الْبِلَادِ عَلَى أُسُسٍ إِسْلَامِيَّةٍ وَإِنْسَانِيَّةٍ تَزْدَهِرُ بِهَا الْحَيَاةُ. وَلِكَيْ يَسْتَقِرَّ فِي ضَمَائِرِهِمْ وَوِجْدَانِهِمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُتْرَكَ شَعْبٌ كَشَعْبِ فِلَسْطِينَ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ نَصْرٍ وَلَا حِمَايَةٍ وَلَا غِذَاءٍ وَلَا دَوَاءٍ.
فَالْإِسْلَامُ دِينُ عِلْمٍ وَعَمَلٍ وَإِخَاءٍ وَمَحَبَّةٍ وَنَصْرَةٍ، فَمَنْ يَنْصُرِ اللهَ يَنْصُرْهُ، وَلْيَسْعَ الْجَمِيعُ لِنَشْرِ الْإِسْلَامِ حَتَّى لَا يَبْقَى بَيْتٌ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا دَخَلَهُ دِينُ الْإِسْلَامِ، دِينُ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْعِزَّةِ وَالرَّحْمَةِ:
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الْحَجِّ: 40].
*الْعِزَّةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ*




