الخميس - 18 يونيو 2026
منذ سنة واحدة
الخميس - 18 يونيو 2026

الدكتور عامر الربيعي ||

أعيد كتابة مقال نشر منذ العام 2020, وخاصة بعد ما شهدته الساحة العالمية من ولادة جديدة لايران في عالم التكنلوجيا والتصنيع .

 

القدرة الإلهية
تحيةللجمهورية الإسلامية آلايرانية في عيدها الواحد والأربعين
’’ فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا”
من الامام الخميني الى الامام الخامنئي وإدارة استراتيجية التفاعل الايجابي
منذ ان قامت الجمهورية الإسلامية في إيران في عام 1979 على إثر ثورة فكرية نابعة من مفاهيم إسلامية قادها الامام الخميني استطاع بها تحشيد كل طاقات الشعب الإيراني لحمل رسالة الإسلام ممارسا عملية تفعيل مفاهيمه على ارض الواقع. تبنت هذه الثورة الذكية تحريك معطيات عديدة صبت جميعها لصالح الإسلام بل حتى الإنسانية جميعها لأنها اربكت قيادة القطب الواحد للعالم المتمثل بالولايات المتحدة كما رفعت الغطاء عن الكثير من السياسات المبطنة والهزيلة في الشرق الأوسط بما فيها نظام الشاة الذي قامت عليه هذه الثورة وحدت من تداعيات اتفاقية كامب ديفيد التي عقدها أنور السادات مع مناحيم بيكن في عام 1978وابرزت هذه الثورة بطريقة مباشرة ان حقيقة الصراع تتمثل في إزالة الغدة السرطانية المتمثلة ب إسرائيل لذلك عملت هذه الثورة على دحض العديد من النظريات التي الحقت بالإسلام وبشعوب الشرق الأوسط منها على سبيل المثال: –

– فصل الدين عن السياسة بقيام هذه الثورة دخل الإسلام من أوسع الأبواب الى عالم السياسة بالكامل ووفق منظور أخلاقي متعالي يقف بالضد من المنظور الليبرالي الفاقد للأخلاقية والعدالة الإنسانية

– مرجعية دوائر الاستكبار العالمي في قيادة العالم ادحض نجاح الثورة الإيرانية هذه القطبية الفكرية الاستعمارية سواء الرأسمالية او الماركسية فتراجعوا عن نظرياتهم واستراتيجيتهم التي كانوا يسيرون عليها وفق اجندة منظمة لا يملكون غيرها .حيث منذ الأيام الأولى للثورة تم تحديد الأسس والاهداف التي قامت عليها استنتج الغرب على أثرها انهم فقدوا عاملا مساعدا لهم عمل على استقرار موازين القوى لصالح دوائر الاستكبار الا وهو نظام الشاه والى يومنا تعاني هذه الدوائر من تداعيات هذه الثورة التي جعلت من إيران قطبا فاعلا في موازين القوى يقف الى جانب روسيا والصين بالمقابل تراجع ملموس للقطب الامريكي.

– ادحضت الثورة الإسلامية في ايران أكاذيب الكيان الصهيوني حول حقهم في احتلالهم لفلسطين وتشريد شعب كامل أفقد إسرائيل استراتيجية الارتكاز وعامل الطمأنينة في البقاء وذلك لموقع إيران وحجمها وثقلها على الساحة العالمية والاسيوية حيث كان الشاة قبل الثورة منقادا للمعسكر الغربي وجعل العلاقات الإيرانية –الإسرائيلية تصل الى مراحل من الأفضلية بحيث تم جعل إيران الشاه شرطي المنطقة من حيث تأثيره على دول الخليج من جهة ومجاورته لأفغانستان الذي يعتبر الساحة التي تنازع عليها الأمريكي والروسي ومساعدة نظام الشاه للولايات المتحدة في تلك الفترة.
وبالتالي فان قطع الطريق على هذه الدوائر قطع كل الاستراتيجيات المبنية مسبقا وخاصة عندما أعلنت الجمهورية الإسلامية مطالبها للولايات المتحدة بانه من الواجب عليها القيام: –

• الاعتذار من الشعب الإيراني على ما اقترفته بحق إيران أيام الشاه
• على الولايات المتحدة تسليم الشاه الى إيران لمحاكمته على جرائمه بحق إيران والشعب الإيراني
• إعادة كل أموال الشاه التي استولى عليها لأنها أموال الشعب الإيراني والاجيال القادمة
• فك تجميد الأموال والارصدة الإيرانية في البنوك العالمية
• الرفض التام لكل محاولات الولايات المتحدة للتدخل بالشأن الإيراني بل حتى عليها التوقف نهائيا عن ذلك

بالإضافة الى القيادة الحكيمة لقادة الثورة الإيرانية ورموزها الفكرية من العلماء والمفكرين فان نجاح الثورة منوط أيضا بالجماهير والشعب الإيراني الذي اكسب رهان العلماء عليه نتيجة مفادها مدرسة من عملية الاستنهاض للوعي الفكري طال مختلف مؤسسات الدولة الإيرانية التي برعت بشكل تصاعدي في مواكبة كل مراحل التقدم التي يشهدها العالم من ان يكون هناك أي عائق يفرض عليها للاستفادة من مواكبة التطور والتكنلوجيا العالمية في بناء ايران سواء في مجال التنمية المستدامة او الصناعات الثقيلة او الصناعات الكهربائية او بناء الاستراتيجيات الفكرية في بقاع مختلفة من العالم حتى انها أصبحت مثالا حكيما لقياس عنجهية الولايات المتحدة وإسرائيل .
هنا نستطيع ان نطرح الإشكالية التالية

ماذا سيكون مصير الامة العربية والإسلامية في العالم لو نجح ثلاثي المواجهة الفكرية واستراتيجية البناء الرديف للإنسان الإيجابي وراسمي خطط عملية الجذب لطاقات الشعب وتوظيفها في عملية توالد ذاتي كل من الامام الخميني الامام محمد باقر الصدر والامام موسى الصدر؟

بالمقابل ماذا سيكون مصير دوائر الاستكبار العالمي امام نجاح هذا الثلاثي؟ وما هو مصير سياساتهم ونظرياتهم في البقاء للأقوى؟ هذا إذا ما علمنا حجم الامتعاض الكبير من نجاح الثورة الإيرانية، وهذا بالطبع يجعلنا ندخل في مضمار اخر لسنا بصدد نقاشه وانما نشير اليه وهو’’ من هي الجهات الحقيقية وراء قتل السيد محمد باقر الصدر واختفاء السيد موسى الصدر ’’

ان ما يثير دوائر الاستكبار العالمي تجاه الثورة الإيرانية عدة عوامل ساهمت هذه الثورة على ابرازها منها: –

1. انطلاق الإسلام في العصر الحديث ليقود دولة وفق مفاهيم إسلامية بحته.
2. روح الدولة بمؤسساته ينتمي الى منهج فكري إسلامي موحد يلغي كل الانقسامات الفكرية جعل منه عامل يفرز وجه ثاني للإسلام غير منهج المذاهب العرقية في قيادة النظام العام للدول الإسلامية.
3. ساحة إيران إسلامية بحتة بعد الثورة لا مجال للرأسمالية او الاشتراكية وانما تعالت على هذه الطروحات ولجأت الى استنطاق القران والشريعة
4. وضعت منهجا سياسيا ذو جوانب عديدة أبرزها تفعيل القضية الفلسطينية كقضية توحيد إسلامية –مسيحية التي بني على أساسها فيما بعد تداعيات على المعسكر الغربي –الإسرائيلي لأنها هزت اركان الكيان الصهيوني من خلال إعادة تأهيل واسناد الحركات والفصائل الفلسطينية المختلفة مما وفر لها حضورا دوليا على قاعدة حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وحقه في دولة شانه شان أي شعب في العالم.
لماذا امتعض الغرب من’’ الثورة الإيرانية’’ ما هي المراحل التي اسسوها لكيلا يفاجئوا بكابوس’’ لا مكان لهم بالشرق بعد الان’’ سنستعرض بعض المراحل التي مرت بها المناهج الفكرية الغربية التي دخلت في صراع مع الإسلام وفي عقر داره: –

• مرحلة الهجوم على المفاهيم الإسلامية في العمق الزماني والمكاني الذي انطلقت منه هذه المفاهيم سواء من حيث التزوير الذي أصاب البناء الثقافي والفكري الإسلامي من دون ان تقضي عليها لكنها زاحمتها في المكان وزورتها مع تقادم الزمان وحاولت تجميد دافع التطلع للمستقبل.

• على خلفية المرحلة الأولى استقرت مفاهيم لا تنتمي الى كيان الامة الإسلامية سواء عن طريق الاستعمار او سياسات محو الهوية الوطنية واللغة والعمل على تقويض وتحديد المفاهيم الإسلامية من خلال الاعتماد على التاريخ الإسلامي الذي أصابه التزوير الذي أنتج بالمقابل حركات وارهاصات فكرية بقيت تراوح في محيطها الفكري وبيئتها الحاضنة وهي بكل صورها محاولة لقطع المجتمع المسلم عن تاريخه الإسلامي وهويته العقائدية القائمة على الايمان بالله ومن بداية عملية القطع تبدأ عملية التجديد والبناء الفكري الذي تفرع وتشعب وانتج الاختلاف في الهوية او الثقافة والمعتقد عرف فيما بعد بالحداثة في الاعتماد على حشك الفكر الغربي في بناء الانسان المسلم.

• عندما أصبحت حاجة الشعوب الإسلامية للهوية الإسلامية حاجة ملحة لأنها تمثله بالعمق ولا يستطيع التطلع من دون هذه الهوية كان البديل جاهزا .تم تركيز الترويج بالاعتماد على البناء والدليل المزيف الذي اقتبس كأساس من ضمن المذاهب الإسلامية بانتمائه الى المذهب الحنبلي وهكذا اصبح الفكر السلفي الوهابي واقعا عمليا في السعودية وتم تقديم له الدعم والبناء الفكري والفضاء السياسي الذي يتحرك خلاله سواء على مستوى التنضير او على مستوى أيديولوجية نظرية او عملية انقض هذا السلف على الامة وخير مثال ’’ الدولة الإسلامية في العراق والشام ما هي الا عملية استحواذ على البعد المكاني والزماني في وعي المسلم معتمدين على عامل الوقت وتعاقب الأجيال في ظلها’’ لكنه اصطدم بتعاظم الوعي السياسي والفكري الإسلامي في البلاد العربية والإسلامية وخاصة الدول العربية المحيطة بجمهورية ايران الإسلامية.

• كان العامل الذي اعتبر تحديا صارخا لكل الطروحات الغربية هي الثقافة المستخلصة من الابعاد الإلهية المتمثلة بالخط الإلهي الموجود في العراق-صرح الامام علي وبناءه الفكري والعملي للدولة وصرح الامام الحسين لتثبيت هذه الدولة برفض الظلم والطاغوت والالهة المزيفة القائمة على ثلاثية المال والسلطة ووعاظ السلاطين وصرح الامام علي الهادي والحسن العسكري وما يمثلونه من امتداد بين العامل الغيبي والواقع والانتظار والظهور للأمام المهدي الذي سيطبق نهضة الإنسانية وإعلان ولائها للتعاليم الإلهية – الذي يستوعب كل الطامحين لتحريك هذا الخط ويندفع بهم بحركة نهضوية متكاملة الابعاد وهذا ما قامت عليه الثورة الإيرانية التي بحركتها قامت بتفعيل المفاهيم الإسلامية وفق هيكلية سياسية رافقتها منظومة من المفاهيم الاقتصادية قطعت به الجمهورية الإسلامية من خلال هذا المنظور اشواطا من ثقافة التحاور مع الحضارات والثقافات العالمية بنفس الدرجة التي تتحدى بها الظلم والطغيان واقامت على هذه المفاهيم أسس لدولة ذات مفهوم يناقض كل الطروحات والامثلة الحاضرة في الساحة العالمية من ناحية ومن ناحية أخرى تم مواجهة هذا المثال الإسلامي الحي على النجاح والتطور واستمرارية التفاعل لكي لا تلجأ هذه الشعوب الخارجة من الماضي سواء الرأسمالي او الاشتراكي الذي اثقل كاهلها الى محاكاة مثال عالمي ثالث وهو المثال الإسلامي الذي لم يتم تجربته الا في ايران والذي يتعرض لعملية صد من قبل دوائر الاستكبار العالمي .

في حقيقة الامر يتبادر الى الذهن إشكاليات عدة منها ما هي المحاولات التي قدمتها الولايات المتحدة لنفسها في فهم الثورة الإسلامية في إيران بعيدا عن المصلحة الإسرائيلية؟ هل تعاني دوائر صناع القرار من الضبابية في قراءة الثقل الإيراني في اسيا او في منطقة الخليج واوربا؟

ماذا يعني لإسرائيل ان المحور الذي قادته الثورة الإسلامية في إيران منذ 1979 الى 2018 ضم الى جانبه شركائهم في الدولة من الفلسطينيين والعراق ما بعد داعش وسوريا ما بعد داعش والنصرة ولبنان المتمثل بحزب الله المحارب في العراق وسوريا واليمن المتمثل بأنصار الله مع تعبئة شعبية من قبل دول المغرب الغربي لإيران ناهيك عن الثقل الإيراني في موازين القوى العالمي بالنسبة لروسيا والصين واوربا؟

ما هو الثقل الذي تستند عليه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط؟

ابرز مثال على قصور الرؤية الامريكية تجاه ايران ظهر من خلال الشعارات التي رفعتها الولايات المتحدة نفسها مثل شعار مكافحة الإرهاب الذي حاولت بطرق عدة لف ايران وحزب الله فيه الا ان كل محاولاتها باءت بالفشل لان هذا الشعار ادخل ايران من أوسع ابوابه على قدم المساواة مع الولايات المتحدة في أي تحرك تقوم به في العراق وسوريا بل حتى ابعد من ذلك اوجد ايران كلاعب إقليمي مهم في محاربة الإرهاب لا تستطيع الولايات المتحدة التغافل عنه كما ساهم في تقديم تعريف اخر للإرهاب عكس ما تفهمه الولايات المتحدة وإسرائيل وادواتها في الشرق الأوسط مما ساعد على خلق مناخ عالمي مضغوط من السياسات الامريكية -الإسرائيلية .

اذن في خضم هذه الديناميكيات المحركة لعوامل الصراع في الشرق الأوسط سواء من ناحية الأيديولوجية او الاستراتيجية التي تقوم عليها موازين القوى والتي على ضوئها تتحرك إيران وروسيا والصين والولايات المتحدة ينذر العالم برمته بكوارث عالمية لا تملك اطر تحددها وهذا لن يكون الا في حالة واحدة فقط وهي شعور امريكي –إسرائيلي بحتمية الانهيار والزوال من الشرق الأوسط والبديل عنه التراجع والتهدئة وجر النفس وعظ الانامل من الغيظ.

رئيس مركز الدراسات والبحوث الإستراتيجية العربية الاوربية في باريس