مفترق طرق..!
أمين السكافي ـ لبنان ||

بعد مضي خمسة عقود ونيف من العمر ومما رأينا في هذه الحياة ،وخبرنا وجربنا ومر علينا من أحداث إن كانت داخلية أم خارجية أصبح يحق لنا أن نحلل بعض الأمور،
وخصوصا إذا غصنا في التاريخ البشري عامة والإسلامي خاصة ، فكما أكرر دائما أن التاريخ يتكرر وأن أحداثه تعاد في أغلب الأحيان و ما يختلف هو الزمان والمكان والأشخاص ،
قصتنا اليوم ليست قصة المقاومة فقط بل الموضوع أكبر مما نظن وتظنون ، فالحكاية ومفترق الطرق الذي وصلنا إليه هو منعطف شديد الخطورة وقد يؤدي بنا إلى أحد أمرين ، فأما الدخول ولفترة ليست بالقصيرة بالشرق الأوسط الجديد الذي تريده أميركا وإسرائيل ،
وأما إستعادة المنطقة إلى حضن المحور المقاوم . بدأت معركة تغيير المنطقة من عدوان غزة وما كان ولا زال مخططا لها، وهو تفريغها من سكانها ليكون مرور خط بن غورين من خلالها آمنا، إضافة للإستيلاء على المياه الإقليمية لقطاع غزة ليصار إلى نهب ثرواتها من كميات الغاز المهولة ،
ولكن هذا طبعا يستوجب القضاء على فصائل المقاومة وليعاد طرح فكرة قد عفى عليها الزمن وهي إسرائيل الكبرى, بالمتيسر الحالي وهذا ما حدا بالكيان أن يستشرس بالدخول إلى الجنوب اللبناني والإستيلاء على الثروة المائية ،من خلال الوصول إلى نهر الليطاني ووضع اليد عليه وطبعا القضاء على المقاومة وفكرة المقاومة ،وطبعا بمساعدة الداخل اللبناني الذي ينتظر على أحر من الجمر هزيمة المقاومة لتبدأ التصريحات عن نزع سلاح المقاومة والقرار ١٥٥٩ .
وأما الصفقة السورية التي أتفق عليها بين أميركا وتركيا وإسرائيل ،والموقف الروسي الغامض فالكيان قد إجتاح مسافات كبيرة من الأراضي السورية ،وسيطر على ما تبقى من جبل الشيخ وأصبح قاب قوسين أو أدنى من دمشق العاصمة ،
هذا عدا عن قصفه لأكثر من ثلاثمائة موقع عسكري تابع للجيش النظامي السوري ،أما بالنسبة للحكام الجدد فتصرفوا بطريقة توحي (أن تظاهر بأنك ميت)ولم يبدو أي رد فعل،
على ما يحصل حتى أنهم لم يطالبوا الأتراك من الخروج من الأراضي السورية في أدلب ،وغيرها أما بالنسبة للقوات الأميركية التي تسرق نفط وغاز سوريا فكل ما أستطاعه الحكام الجدد ،إرسال كميات من البرازق الشامية ترحيبا بالحليف السارق الأميركي .
كثير من حلفاء المقاومة أصابهم الذعر وأسرعوا بتغيير وجهة سيرهم السياسية ،وهذا أفضل حتى نرى للأيام الصعبة من يبقى ومن يسقط من غربال مواقف الشرف والعز، نحن لسنا بأغبياء بل نعلم حجم المخاطرة التي نحن بها والإصطفافات الجديدة ،لم يتغير شيء.
ولكن ما كان مخططا له بدأ تنفيذه فنحن الآن على مفترق طرق ،إما نترك هذا الخط الذي كلف الكثير من الدماء أو نمتص الصدمة ونعاود الهجوم نعم الهجوم لأن خير وسيلة للذفاع هي الهجوم ،وهذه ليست المرة الأولى التي تتكالب علينا فيها أمم الأرض ولن تكون الأخيرة ،
والمطلوب هو الثبات والصبر وتحمل ضربات الخصم إلى حين نخرج من هذا الزمن المظلم ونعيد كيل الضربات للأعداء . في عام ٨٢ عندما إحتلت إسرائيل العاصمة بيروت كان كل شيء يوحي بأن محور الثبات على الحق والممانعة والإصرار على تحرير فلسطين،
قد أصابه الوهن والضعف وأننا دخلنا بالكامل في العصر الإسرائيلي والأميركي وخصوصا بعد الإتيان برئيس للجمهورية حليف بل أحد أركان العصر الأميركي الإسرائيلي وهو بشير جميل ،وأن الأمور أستتبت لهذا المحور وأنه قد تم طرد منظمة التحرير الفلسطينية، من لبنان.
ولكن ومن حيث لا يدرون تم القضاء على الجميل ولتبدأ بعدها المقاومة ،بطرق فردية غير منسقة من خالد علوان إلى أحمد قصير ولتبدأ رياح المقاومة والمجابهة بإزاحة غيوم العصر الإسرائيلي وليأتي من بعدها تفجيرات السفارة ومراكز المارينز في بيروت ،وليخرجوا يجرون أذيال الخيبة من بيروت عاصمة المدائن التي منعها كبرياؤها أن تكون ذليلة ومهانة لهؤلاء المخنثين .
وليعلن بعدها عن إنطلاق جبهة المقاومة اللبنانية(جمول) والمنضوي تحت لواؤها أغلب الأحزاب اليسارية ،ومن الطرف الإخر كانت حركة أمل قد بدأت بإطلاق عملياتها إضافة إلى حزب الله الوليد ولكن ذو المفعول الكبير ،ولنستعيد زمام المبادرة ونصبح نحن من يسدد اللكمات ،
من الواضح أننا نعيش نفس التجربة أو شيئا شبيها لها وليس من الضروري أن تكون ردود الأفعال هي ذاتها ،فلكل عصر أدواته وردات فعله وإن أردنا أن نسقط وضعنا الحالي على حوادث مهمة في التاريخ البشري فها هي أحد، والوهن الذي أصاب المسلمين عندما بدأت موازين القوى تتغير حتى لم يبقى في أرض المعركة غير رسول الله وبضعة رجال، يذودون عنه كعدد أصابع اليد ولكن ما حصل بعدها ببضع سنوات ،
أن فتحت مكة على يدي رسول الله وبجيش كبير هذا كله من تقديرات الله سبحانه وتعالى فاللذين فروا من القتال يوم أحد لم يخطر ببالهم أن الله كتب لنبيه فتح مكة بعد بضعة سنوات. لكل نجاح طريقين على الإنسان أن يسلكهم أولهم الإيمان بالله والثقة به والتوكل عليه ،وطبعا الأخذ بالأسباب من ناحية الإعداد الجسدي والنفسي واللوجستي وأن نكون موقنين بنصر الله لنا ،
أما الأمر الآخر فهو الثبات وتحمل الضربات والصبر عند المحن وأن لا نصل للمرحلة التي أشار الله لها ،دفي كتابه الكريم إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10)
المهم أن لا يتغير هدفك وأن تبقى بوصلتك على طريق الحق وأن لا نجزع بل لنا ملأ الثقة بالله، ومن ثم برجاله والأهم أننا اليوم عصبة يصعب كسرها أوأنهاءها..
وكما قال المعلم كمال جنبلاط :لم نعد وحدنا في العالم والمطلوب هو الصمود ،اليوم يوم الإختيار ما بين الحق والباطل ما بين التراجع والإحباط وما بين الصمود والثبات وما بين الخوف والتردد وما بين أن تقف شامخا ثابتا موقنا بنصر الله، وكما قال أبو تمام في مطلع قصيدته : السَيفُ أَصدَقُ أَنباءً مِنَ الكُتُبِ
في حَدِّهِ الحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ .




