السبت - 20 يونيو 2026

المرجعية الشيعية وخيارات ما بعد السيستاني والخامنئي/ القسم السادس

منذ 6 سنوات
السبت - 20 يونيو 2026

د. علي المؤمن

مبدأ ولاية الفقيه بين النجف و قم
الحديث عن الخلاف بين الحوزتين النجفية والقمية حول مبدإ ولاية الفقيه هو حديث دعائي موجّه أو انفعالي، بعيد عن لغة العلم والواقع. وأوضح هنا أهم ما يتعلق بدائرة الخلاف:
1- إن ولاية الفقيه مقولة فقهية تخصصية، وليست مقولة سياسية أو مناطقية، و لاعلاقة لها بمتغيرات السياسة وعموم الشأن العام. أي أن بحثها ومقاربتها مهمة الفقهاء حصراً؛ شأنها شأن أي موضوع فقهي آخر يدخل في أبواب العبادات والمعاملات. وقد بحث المحدثون والفقهاء هذا الموضوع في كتب الفقه الإستدلالية منذ عصر الشيخ المفيد ( أشار اليها في كتابه المقنعة) قبل 1100 عام وحتى الآن. و من غير المجدي ولا الصحيح أن يكون موضوع ولاية الفقيه مادة صحفية أو سياسية أو دعائية خاضعة للمزايدات والانفعالات والمزاجيات الشعبوية، مآلها الفتنة بين أتباع مدرسة آل البيت. وهو ما يتسبب فيه أنصار الفقهاء القائلين بخصوصية الولاية و القائلين بعموميتها، أو المزايدين المنفعلين المناطقيين، و أغلبهم لايعي البعد الفقهي التخصصي للموضوع، ولا مساحات الخلاف ومناطاته. حتى باتت هذه الإنفعالات والمزايدات ثغرة ينفذ منها خصوم الشيعة الداخليين والخارجيين؛ لتمزيق الواقع الشيعي.
2- لا يوجد فقيه شيعي في التاريخ وفي الحال الحاضر لا يؤمن بمبدإ ولاية الفقيه ولا يطبقه، ولا يكون الفقيه فقيهاً إذا لم يكن يعتقد بمبدإ ولاية الفقيه، ولا يوجد شيعي في العالم يقلد فقيهاً وهو لايؤمن بولاية الفقيه؛ لأن مآل زعم عالم الدين بأنه مجتهد أو مرجع تقليد؛ هو تطبيق مبدإ ولاية الفقيه عملياً؛ فكل فقيه لديه ولاية تلقائية على الفتوى وعلى الحقوق الشرعية وعلى القضاء وعلى الأمور الحسبية. و المقصد الشرعي للحسبة هو حفظ النظام العام للمجتمع، ودرء المفاسد عنه وجلب المصالح له. وإذا رفض الفقيه هذه الولاية فلامعنى لاجتهاده وتقليده. أما المكلّف الشيعي؛ فإن تقليده مرجعاً دينياً يعني أنه تولاه في أموره الدينية الفقهية، وآمن عملياً بولاية الفقيه الذي يقلده، وطبّقها على نفسه في جانب الفتاوى والأحكام الشرعية، وجانب الحقوق الشرعية التي يقدمها للمرجع من خمس وغيره، وجانب التقاضي عند هذا المرجع، إضافة الى التزام فتاواه وتوجيهاته في الأمور الحسبية. وهذه كلها أجزاء لا تنفصل من ولاية الفقيه.
3- الخلاف بين الفقهاء في موضوع ولاية الفقيه خلافٌ علمي بحت، وهو ليس خلافاً في أصل مبدإ ولاية الفقيه؛ بل في مساحاته. ويعود الخلاف الى القراءات المختلفة لمصادر الاستدلال الفقهي، و وعي مقاصد الشريعة وغايات النظام الفقهي، وهو لايختلف بتاتاً عن الخلاف بين المراجع في أي موضوع فقهي آخر في أبواب العبادات والمعاملات. وأبرز مساحات ولاية الفقيه المختَلف عليها بين الفقهاء هي مساحة الحكم؛ أي الولاية على الحكم؛ فالفقهاء الذين قادتهم أدلتهم الى شمول الولاية لموضوع الحكم؛ فإنهم يعتقدون بولاية الفقيه العامة. أما الفقهاء الذين لم يقتنعوا بأن الأدلة تفيد بشمول الولاية لموضوع الحكم؛ فإنهم يعتقدون بولاية الفقيه الخاصة، أي الولاية التي تقتصر على موضوعات الفتوى والقضاء والمال الشرعي والحسبة. بل هناك خلاف بين الفقهاء المعتقدين بولاية الفقيه الخاصة، بين من يوسع دائرة الأمور الحسبية العامة وبين من يقلصها. وهناك خلاف أيضاً بين الفقهاء المؤمنين بولاية الفقيه على الحكم، بين من يقيدها بالقانون (الدستوري والدولي) وبين من يطلقها، لتكون متقدمة على القانون.
4- الخلاف بين الفقهاء حول مساحة ولاية الفقيه؛ تخصيصاً وتعميماً وإطلاقاً؛ لاعلاقة له بالنجف وقم، ولا بأية حوزة أخرى؛ فهناك فقهاء معاصرون في النجف يعتقدون بولاية الفقيه العامة، وآخرون يعتقدون بولاية الفقيه الخاصة. فمن خلال مراجعة كتاب “عقائد الإمامية” للفقيه النجفي الشيخ محمد رضا المظفر ـ مثلاً ـ؛ سنجد أنه أشار الى ولاية الفقيه العامة المطلقة منذ خمسينات القرن الماضي؛ أي قبل أن يطرحها الإمام الخميني ويفصِّلها في النجف في أواخر ستينات القرن الماضي. ومن فقهاء النجف الذين طرحوا ولاية الفقيه العامة بالمساحة نفسها التي يقول بها الشيخ المظفر: الشهيد السيد محمد باقر الصدر والشهيد السيد محمد الصدر وغيرهما. وفي المقابل هناك مراجع وفقهاء كبار أحياء في حوزات قم وطهران ومشهد لا يعتقدون بولاية الفقيه العامة. وبالتالي فإن من يقول بأن مبدأ ولاية الفقيه العامة هو مبدأ فقهي قمي أو إيراني فهو يجهل بديهيات البحث الفقهي، أو أنه يهدف الى إيجاد موضوع للخلاف بين الحوزتين لأغراض سياسية وطائفية.
5- إن السبب في إنتشار مبدإ ولاية الفقيه العامة بين فقهاء قم، وانتشار مبدإ ولاية الفقيه الخاصة بين فقهاء النجف، يعود الى قضية فنية بحتة لها علاقة بالجغرافيا فقط؛ فالإمام الخوئي الذي يقول بولاية الفقيه الخاصة؛ كان يقيم في النجف، والإمام الخميني الذي يقول بولاية الفقيه العامة كان يقيم في قم. ولذلك؛ فإن من الطبيعي أن يكون أغلب تلاميذ الإمام الخوئي يقيمون في النجف، وقد ورثوا من أستاذهم القناعة العلمية نفسها، وفي مقدمهم السيد السيستاني. أما تلاميذ الإمام الخميني، فإن أغلبهم يقيم في قم، وقد ورثوا من استاذهم القناعة العلمية نفسها، وبينهم السيد الخامنئي. وبالتالي فإن موضوع الخلاف حول مساحات ولاية الفقيه لاعلاقة له بخلاف مزعوم بين حوزتي النجف وقم؛ بل برؤيتين علميتين لمدرستي الإمام الخوئي والإمام الخميني، وهما المدرستان الفقهيتان المعاصرتان الأبرز حضوراً في الوقت الحاضر.
6- إذا كان مرجع النجف السيد السيستاني يعتقد بولاية الفقيه الخاصة؛ أي عدم شمولها على موضوع الحكم؛ فإنما هو اجتهاد شخصي، وليس مبنىً نجفياً، ومن الممكن مستقبلاً صعود فقيه لموقع المرجعية العليا يعتقد بولاية الفقيه العامة، وسيكون اجتهاداً شخصياً أيضاً. ولكن سيكون تبعاته على الشأن العام دون شك. وربما يحدث الأمر نفسه في حوزة قم. فالسيد محمد رضا الموسوي الگلپايگاني الذي تفرد بكرسي المرجعية العليا في قم بعد وفاة الإمام الخميني والشيخ الأراكي؛ لم يكن يعتقد بولاية الفقيه العامة، فضلاً عن المطلقة. كما أن أكبر مرجعين حالياً في قم، هما الشيخ حسين الوحيد الخراساني والشيخ ناصر مكارم الشيرازي؛ الأول يؤمن بولاية الفقيه الخاصة بمساحتها الضيقة كما هو مبنى أستاذه السيد الخوئي، والثاني يؤمن بولاية الفقيه العامة المطلقة كما هو مبنى أستاذه الإمام الخميني. أي أن مبدأ ولاية الفقيه العامة ليس مبنىً قمياً. وبالتالي؛ فإن هذا الموضوع هو موضوع اجتهادي شخصي للفقهاء، ولا علاقة له بجغرافيا الحوزة.
(المقال القادم: واقع مرجعيتي السيستاني والخامنئي)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ