الحَضَانَة بين الشريعة والقانون..!
الشيخ الشيخ محمد رضا الساعدي ||

بحث فقهي استدلالي مقارن حول حضانة الاطفال
بين الفقه الجعفري والمذاهب الاربعة والقانون الوضعي
المقدمة :
ان الإسلام جاء كمنهج للحياة في كل مستوياتها الفردية والجماعية , بما يحفظ كرامة الانسان ويكفل له سعادة الدارين , فسطر في تشريعاته ما يغطي كل وقائع الحياة الخاصة والعامة , اذ ما من واقع الا ولها حكم شرعي .
ونظام الاحوال الشخصية ومنه تشريع الحضانة من تلك المساحات التي غطاها في تشريعاته لحفظ البنية الاسرية حتى بعد افتراق الوالدين عن بعضهما بالطلاق او بالموت او مع موتهما .
فعالج هذه المسالة الحساسة تفصيلا بما لا تجده في كل التشريعات الارضية وبما يحفظ حق الوالدين بالحضانة وبما يراعى مصلحة المحضون , واخذت التشريعات الأرضية منه بعض بنوده بعد نقص تشريعاتها عن تغطية ذلك كحال الكثير من سد النقص في تشريعاتهم كما صرحوا بذلك خصوصا في قانون الاحوال الشخصية .
وفي هذا البحث محاولة لعرض الحضانة تعريفا وموضوعا وحكما وفروعا وتطبيقا لتحري الوصول الى راي الشرع فيها بعد ان كانت مثارا للخلاف والاختلاف بين الشريعة والقانون.
وجاء بحثها مختصرا الى حد ما , وذلك بما يناسب الهدف الذي اريد منه ,وتم ارجاء التفصيل لمناسبة أخرى ان شاء الله تعالى.
وكان سبب الكتابة في هذه المسالة هو كثرة الابتلاء فيها عند الناس عموما وعند المشرع الشرعي والقانوني خصوصا في هذه الايام التي نشهد فيها الخلاف الكبير على تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي بما يناسب الفقه الجعفري .
نتناول المسالة في مجموعة مباحث كتعريف الحضانة وبيان حكمها شرعا وهل هو الوجوب العيني او الكفائي ؟ وهل هي حكم او حق ؟ وهل هي ثابت للاب او الام وفي اي عمر تثبت ومتى تنتهي , ومع فقد الابوين الى من ينتقل هذا الحق الخ من المباحث.
المبحث الأول: تعريف الحضانة لغة واصطلاحا:
اما الحضانة لغة :
وردت كلمة الحضانة في المعاجم اللغوية بصورة واضحة :
فقالوا : ان الحضن ما دون الابط إلى الكشح، وقيل هو الصدر والعضدان وما بينهما، ومنه الاحتضان وهو احتمالك الشيء وجعله في حضنك ، كما يقال: احتضنت المرأة ولدها اي جعلته في حضنها .
وأَحْضان : جُزْء الجِسْم مِن أسفل الإبْط إلى الكَشْح: (ينام الوَلَد في حِضْن أُمِّه) . وقال في القاموس: حضن الصبي حضنا و حضانة بالكسر جعله في حضنه أو ربّاه كاحتضنه .
و قال الجوهري: حضن الطائر بيضه يحضنه، إذا ضمّه الى نفسه تحت جناحه، و كذلك المرأة إذا حضنت ولدها، و حاضنة الصبي التي تقوم عليه في تربيته .
وفي لسان العرب : حضن عنا هديته اي كفها وصرفها , وحضن اليتيم رعى وربى .
وفي الحديث : (انه خرج محتضنا احد ابني ابنته اي حاملا له في حضنه)
وفي جمع من المعاجم : الرجل حاضن والمراة حاضنة .
اقول : ان المستفاد من كلام اهل اللغة عدة نقاط :
1 ـ ان الحضن هو الرعاية المادية من خلال الضم الى الصدر او احتضان الطير للبيض , كما يطلق على الحضن المعنوي وهو الرعاية والتدبير للامور والتربية كما صرح الجوهري.
2 ـ ان المرعي بالحضانة الحفاظ على المحضون وحمايته وتطويره ماديا او معنويا وتحويله الى حالة يستطيع ان يقوم بشوونه بصورة مستقلة , كما في تحول البيض الى فراخ .
3 ـ ان المأخوذ بالحضانة ان يكون الحاضن له قدرة على الاحتضان والرعاية من جهة معنوية كالتربية والتعليم ومادية كالقيام بواجباته من اطعام وتنظيف وتدبير وغيرها .
اما الحضانة اصطلاحا:
لم يختلف المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي في تفسير الحضانة بل جاء مساوقا له , لذا لم يذكر اكثر الفقهاء القدامى تعريفا اصطلاحيا لها اكتفاء منهم بالمعنى اللغوي , وقد ذكر من تاخر من الاعلام تعريفا لها ابتداء من العلامة الحلي في القرن السابع الهجري الى عصرنا , منها :
قال العلامة الحلي في القواعد : انها ولاية وسلطنة على تربية الطفل والمجنون ، وبمثله قال الشهيد في المسالك والطباطبائي في الرياض وغيرهما .
وذهب بعض اخر كالمحقق صاحب الجواهر إلى أنّها من الحقوق وليس من الولايات .
وقيل : هي حفظ من لا يستقل باُموره وتربيته بما يصلحه .
مناقشة الاقوال :
اما القول الثالث فهو ليس تعريفا للحضانة وانما هو بيان لوظيفة الحاضن فلا يتم .
اما القول الثاني فهو تام في الام مع عدم انحصار الحضانة بها فيكون حق من حقوقها , اما مع الانحصار بها كما لو فقد الاب فهي حكم عليها لانحصار الحفظ بها , وهذا التفصيل هو ظاهر ادلة الحضانة و انه حق من حقوقها لنص الروايات على تعليق الحضانة على مشيئتها وكذلك التعبير بالاحقية فيكون حقا بقرينة الاسقاط للاب مع وجوده , ومع الانحصار بها كما لو فقد الاب فيكون حكما اقتضاء لأية عدم المضارة بالطفل وادلة حفظ النفس واقتضاء لحق الامومة والبنوة وكذلك ظاهر الروايات في ان الاسقاط لحضانتها يكون للاب لا مطلقا , واما الاب فهو حكم في حقه مطلقا اي حتى مع وجود الام , لثبوت ولايته على الطفل بما يشمل الانفاق حال الحمل والانفاق في الارضاع سواء كانت امه او اجنبية ولانحصار حفظ المحضون به اقتضاء لحق الابوة والبنوة , ولعدم ورود ما يدل على التخيير في الاحتضان للاب او جواز الاسقاط لحضانته , فتكون حكما لا مجرد حق وهو القول الاول مع تفصيل .
وهذا ظاهر كلام الشهيد الثاني في الروضة نقلا عن القواعد : ( لو امتنعت الام عن الحضانة ضار الاب اولى به , ولو امتنعا معا فالظاهر اجبار الاب )
فالصحيح تبني القول الاول مع التفصيل . وانه حكم على الاب مطلقا ,وحق على الام لقبوله الاسقاط الا مع الانحصار بها فيكونحكما عليها .
ومعنى كونها حكم انه يجب على الحاضن حضن الاطفال تحقيقا للحفظ ونفيا للمضارة كما سياتي , ومعنى كونها حقا انها سلطنة مجعولة للانسان على غيره .
ويمكن اعطاء تعريفا جامعا لها من مجموع ما مر وما سياتي من ابحاث .




