لم يكن المشهد كما تصورنا؛ يفترض انها قصة حقيقية..!
علي عنبر السعدي ||
كان يبدو كما لو أنه خرج للتو من رحم أسطورة سومرية ، بطلاً نموذجياً لما تختزنه ذاكرة عالقة في وهم الأمنيات . كان الأجمل في حينا وما يليه ، جسد وحشي كجسد ” انكيدو ” وعينان شهلاوان إمتزجت فيهما عذوبة الشهد باخضرار الحقول ، يوزع ابتسامتهما بالعدل ، فلا تزعل أنثى ولا يغتاظ رجل ، كما يهبهما للسواقي المتيبسة والطرقات المغسولة بالصراخ والأشجار الهرمة ، وعلى الصبايا المتعبات البارد فراشهن ، الصبايا ، آه منهن ، محرق أنفاسهن هو ،ومالئ ليلهن بأحلام شتّى ، يتراكضن الى النوافذ والشرفات – منهن من تتجرأ فتفتح باباً – حال سماعهن وقع قدميه وصوته النغمي وهو يرسل تحيات الصباح .
الناس في حيّنا وما يليه نسوا ” زيدون ” ، محوا ابتسامته عن وجوهم ، وكنسوا حكايته عن ضجر أمسياتهم ، المصباح الذي أوّل الزقاق ، كسر في اليوم التالي لرحيله ، ولم يحاول أحد إصلاحه ، وآثار خطاه تكفّلت بها الأمطار التي هطلت بغزارة يوم رحيله .
وحدها الخيرّة أم الخير ، تلك التي تنكّر لها أولادها الخمسة بعد أن قاموا بفعلتهم تحت المصباح وألصقوا بها تهماً فظيعة ، تركت نافذتها مفتوحة تستقبل الصباحات الكئيبة ، كانت من حكايته قد نسجت حكاية صغيرة ترويها لنفسها لتؤنس وحدتها ، ومن طيف ابتسامته ، زرعت أصص أزهار وشجرة لبلاب عرشّت على أيامها الذاوية .
حين بصقته الحكاية ذات يوم غائم – وكل مصيبة لها غيومها – تسلّق شجرة اللبلاب عائداً من جديد الى قلب الحكاية – شعر منفوش ، قامة مهدّلة ، ونظرة زجاجية يرسلها نحو بقايا المصباح الذي أول الزقاق ، ثم يحمل حجراً أو بلاطة ينتزعها من جدران المدرسة المهدّمة ، ليقذفها كيفما إتفق دون التفوّه بحرف واحد .
وأم الخير لم تبخل عليه ، تركته يلتقط من الدجاجات الأسمن بطناً والأكثر نقيقاً ويأكلها نيئة ، وحين سدّت بوجهها الأبواب ولم تجد ما تطعمه إياه ، لفّت قامتها بسواد عباءتِها ووضعت خدّها على الطين الحيّ ، ثم أسلمت الروح تحت قدميه .
جمع زيدون العظام البالية للدجاجات التي التهمها ، و رواح يرميها على جثّة الخيرّة ، بعدها حمل الجثّة على كتفيه ودار بها في الشوارع والأزّقة ، عارضاً مقايضتها بفخذ دجاجة أو بأقلّ من ذلك ، وقد روى شهود كثر، أنه ما زال يدور بالجثّة حتى الساعة ، لأن أحداً لم يرض بالمقايضة ، وأن الجثة قاومت التفسخ والاهتراء بعناد غريب ، والأغرب ان البعض رآها تفتح عينيها نحو غيمة عابرة – وتبتسم .
ــــــــــــــــــــــ




