الاسلاميون الشيعة وتجربة السلطة..دراسة –
علي عنبر السعدي ||
ماذا غدا ؟ ماذا الآن ؟
الإسلاميون العراقيون ومستقبل السلطة
القوة الكامنة والضعف الظاهر
بين اللا واللعم – أجادوا اللا – فهل يجيدون اللعم ؟
مايسجل على القوى الاسلامية (الشيعية خصوصاً ) سلسلة طويلة من الاخفاقات والفشل والفساد والاتهام بالعمالة والتبعية ، وبضجيج اعلامي وسياسي ،شكّل جداراً صلباً من حولهم يصعب اختراقه ، فمن يستطيع مواجهة كل ذلك السيل العارم من الاعلام مختلف المصادر هائل الامكانات ، ومن هو (الفدائي ) الذين يمكنه المغامرة بكشف جانب اخر للمشهد ،دون أن يخشى التعرض لسيول من التشكيك والطعن ؟؟
ومع ذلك فليس منطقياً الخضوع دون (التمرد) المعرفي على القيود التي صنعها الاعلام .
كيف بدأ الاسلاميون مع السلطة السياسية ؟
لم يسبق في كل تاريخ العراق الحديث ، أن تسنت الفرصة للاسلاميين في الوصول الى الحكم ، ولم يكونوا قد تمرسوا بما تتطلبه دهاليز السياسية وفن خداعها ، فقد تعودوا ان يكونوا معارضين لاحاكمين ،والمعارضة (فن) سهل ،ذو بعد واحد يعتمد على مفردة واحدة بسيطة (لا)، فيما أساليب الحكم ، تتطلب مفردة مركّبة متشابكة (لعم)
وهو مايمكن ترجمته ب (العصا والجزرة)
جاءتهم السلطة ضمن ظروف عاصفة ، فبين احتلال مهيمن ، وأحقاد منطلقة ، وخشية متوطنة في النفوس ، بعد أن أوهمهم الخطاب القومي بنزعته الطائفية ،إنهم وان كانوا أكثرية في العراق ، إلا انهم إقليّة في محيطهم ، لذا تناثروا بين الدفاع عن أنفسهم وتثبيت سلطتهم ، وبين مواجهة شراسة الهجمات الارهابية والخطاب التحريضي وتشويه المشهد بالكامل ، لذا أجبروا على التخلي عن (صلابة السلطة) بلاءات قراراتها ، في مقابل (نعم) الارضاء للخصوم ، كي لايتسببوا بالمزيد من الأذى .
لكن ، هنا تبرز اداة الاستدراك ليس بكونها ردة فعل وحسب بل تحولت مع مرور الوقت ومران التجربة ، الى فعل بدوره ، فما دامت المعركة قد فرضت عليهم ، اذاً عليهم خوضها ، لكن بصبر استراتيجي .
استخدم الخصوم ،أقصى ما يستطيعون استخدامه ،وبمستويات متعددة ، من العنف بحدوده القصوى وباستهداف منظّم طال الحاضنة الاجتماعية برمتها ، وصولاً الى (العصب الحي) ، الى الخطاب السياسي والطائفي المشبع بالتحريض العلني ، الى وسائل الاعلام بمختلف اشكالها واساليبها .
لم يسبق ان شهد تاريخ الشعوب وتجاربها ، ان تعرضت قوى سياسية لهذا المستوى والحجم من الهجوم ، فلم يصمد الاخوان المسلمون في الحكم سوى عام واحد ، انهاروا بعدها ،رغم ان ما تعرضوا له لم يكن مساوياً أو قريباً ، لكن الاسلاميين في العراق كان وضعهم مختلفاً ، فقد بدا ان الهجمة لم تكن لتكتفي بهم كقوى سياسية ، بل ستتجاوز ذلك الى المجتمع ذاته ، ما ايقظ فيهم – سياسيون ومجتمع) نوعاً من التحدي ، فتلقوا الضربات المتتالية ، لكنهم صمدوا بعناد ، ولم تنجح مقولة (سنرعبهم ليعيدوا السلطة *) فوجه ضربات حسب الضرورة – كما في مواجهة داعش – ولم يلجأوا الى الانتقام لضحاياهم – كما في سبايكر -.
هناك مجموعة من الثوابت ، يمكن تلخيصها بما يلي :
1- لم يتخلوا عن التبادل السلمي للسلطة ، ولم يعلنوا حالة الطواريء أو يجهضوا الديمقراطية ، حتى في أحلك المراحل .
2- حافظوا على وحدة العراق ودافعوا عنها بقوة .
3- امتصوا وبدفاع استراتيجي ، الكثير من الهجمات بكل انواعها ، والتزموا بنسبة كبيرة بمبدأ الحريات العامة ، وحرية الصحافة والاعلام .
4- رغم كل ما اشيع ونشر وقُدّم عن حجم الفساد المستشري في مفاصل الدولة ، الا ان متوسط الدخل الفردي – وحسب التقارير الدولية – ارتفع الى مايقرب من 8 الاف دولار سنوياً ، وانخفضت نسبة البطالة – قبل كورونا – الى حوالي 14 % ،كما ارتفع احتياط الذهب الى حوالي 90 طناً ، واحتياط البنك المركزي الى أكثر من 70 مليار دولار .—–
يتبع – – الاسلاميون في مواجهة حركة الاحتجاج .. يليها : الاسلاميون والديبلوماسية والعلاقات الدولية .
(*) : روى اللواء عبد المنعم الريفي في جلسة خاصة ،حدثت عام 2007 ، ان بعض كبار القيادات المناهضة للتغير ، اجتمعت وطرحت مقولة ضربات الرعب التي توجه للخصوم ،ما تجعلهم يتخلون عن السلطة ، ويضيف اللواء الريفي : انه نصحهم بعد اللجوء الى مثل هذا الاسلوب لانه لن يؤدي الى نتيجة ، بل الى دمار المناطق الغربية ونزوح اهلها كما حدث للفلسطينيين حين وعدتهم الدول العربية بتقديم العون .
– كيف تعاملوا ؟ وماذا تعلّموا ؟
– الارتقاء في تجربة الهبوط
“بامكانك ان تخدع كل الناس بعض الوقت ، وبامكانك ان تخدع بعض الناس كل الوقت ، لكن ليس بامكانك ان تخدع كل الناس كل الوقت”
قبل أعوام ، نشرتُ في بحث موسع ،خلاصة مفادها “دعه يخطيء ،دعه يرتكب الحماقات ” مستحضراً قول بطرس الأكبر حينما كانت بلاده العملاقة ،تُهزم أمام الجيش السويدي الأكثر مهارة ورشاقة ( دعوهم ينتشون بانتصاراتهم ،فهم بأنفسهم سيمنحوننا سبل الانتصار عليهم”.
كان ذلك درساً بليغاً من قائد يدرك كيف ينتصر ،ويدرك الى اين تشير نتائج الصراع .
بدا الأمر كذلك في سلوكيات الاسلاميين تجاه خصومهم واعدائهم على حدّ سواء ، وسواء أدركوا مقولة بطرس الأكبر ،أم ان الظروف المشتعلة ،جعلتهم يجبرون على تعلمها ، أو تلقوا نصائح وتوجيهات من دولة جارة (ايران) المتمرسة وصاحبة الخبرة في المواجهات الكبرى ، فالنتيجة ان الاسلاميين ،أوجدوا تلك القاعدة القائلة (الضعف الظاهر والقوة الكامنة) فقد انتزعوا السلطة من ممثل العلمانية الجديدة (أياد علاوي) رغم كل المراهنات المعقودة عليه والدعم الاقليمي والدولي الذي تلقاه ، فقاموا بمناورات للحصول على تفسير قانوني للكتلة الأكبر حسب الدستور، وهكذا قطعوا الطريق على محاولات تحجيمهم ، ولم تنجح محاولات خصومهم في شيطنتهم واظهارهم بأسوأ صورة .
بعد الانتصار على داعش ، كان واضحاً ان هناك ما هو جديد ،فالخصوم لن يسكتوا ،ولديهم من الامكانيات مايجعل محاولاتهم تتواصل محققة بعض الاختراقات ، وهذه المرة من داخل (القلاع) نفسها التي شكلت الحاضنة الاجتماعية للإسلاميين .
جرت تحضيرات مكثفة لانطلاق حركة تظاهرات جرت التمهيد لها بما يوحي أنها ستنجح لامحالة ، وقد ظهرت بمشهد يوحي بأنها قوية بما يكفي للاطاحة بالاسلاميين (الشيعة) الذي بدو بأضعف حالاتهم ، هكذا كان يجري تصويرهم ،ولم يبق سوى اطلاق رصاصة الرحمة لينتهي امرهم بحركة شعبية عارمة ، انسكب فيها مجموعات كبيرة من الاعلاميين والمثقفين والاكادميين ، وكان الجميع يلهث بانتظار الحدث السعيد ( القضاء على الاسلاميين ) وبدا النصر في متناول اليد فعلاً ، لكن – ومرة أخرى تعود تلك لكن لتملأ المشهد- فنشوة الانتصار كانت عارمة عند المتظاهرين ،ماجعلتهم يرتكبون سلسلة من الأخطاء القاتلة ،أظهرت انهم يمثلون بديلاً كارثياً .
مع انكشاف ظهر التظاهرات ،وتخلي الجموع التي ساندتها في البداية ، ازدادت الأخطاء ،فأصبح المتظاهرون كمن وقع في رمال متحركة ،أجبرهم الاسلاميون في الدخول اليها .
قام الاسلاميون بحركة ذكية في مضمونها ،فقد واجهوا جموع المتظاهرين ،بحشود مقابلة فاقت اعدادهم ، ليرسلوا رسائل واضحة : انهم ليس مجرد قوى سياسية فاسدة يمكن ازاحتها ، بل قوة اجتماعية كبيرة ومتجذرة في مناطقها ، وعملية استئصالها لن تكون في المتناول ،خاصة وهي تمتلك قوة عسكرية متمرسة ومجربة في القتال (الح..شد ).
ماجرى في الأيام الأولى من التظاهرات ، وسقوط عدد كبير من الضحايا ، جعلها حدثاً محيراً بذاته ،وبقي السؤال دائراً : من المسؤول عن سقوط كل هذه الأعداد ؟ وما الهدف ؟ وماهي النتائج ؟ هل اصدرت حكومة عادل عبد المهدي أوامر مباشرة بالتصدي للمتظاهرين ،كي تمنع اندفاعهم أكثر ؟ أم ان هناك قوى أخرى تدخلت ؟ ومن هي تلك القوى تحديداً ؟
ستبقى الأسئلة دون تحديد حتى زمن قادم ، لكن ذلك لايمنع من قراءة النتائج باتجاهين :
1- بافتراض ان القوى المعادية والخصوم ، الدافعين بكل جهد الى ايقاع اقتتال داخلي في مناطق بعينها ،تعتبر الخزان البشري ومصدر القوة للاسلاميين ، ما يعني بنتيجته كسر العمود الفقري لقوة العراق عموماً ،والشيعة على وجه التحديد ، هي من قامت أو حرضت أو تدخلت بما جرى – بوسيلة أو بأخرى- .
2- أن يكون جزء من (المليشيات) التابعة للاسلاميين ، أو بعض قطعات الجيش المؤيدة لهم ،هم من قاموا بذلك العمل – كله أو بعضه- لافهام الآخرين ان هناك خطوطاً حمراً لايمكن السماح بتجاوزها .
– فكيف يمكن قراءة النتائج على ضوء ماحصل ؟؟
ومن يتحمل مسؤولية كل ذلك في نهاية المطاف ؟
– أية دروس يمكن استخلاصها من كل ماجرى ؟؟
– ماهي ملامح المستقبل للقادم من أيام العراق ؟؟ وهل سترسخ العلماينة اقدامها ،وتشغل موقعاً في المشهد العراقي ؟ أم ان تجربتها ستأكل من رصيدها ؟
– كيف يمكن تقييم تجربة كل من القوى الاسلامية منفرداً ؟ وماهي الادوار التي لعبها كل منهم ؟ شخصوصاً وقوى ؟
– هل كان الاسلاميون قلقين من التظاهرات ؟
– فاشلون ببراعة ؟ أم بارعون رغم الافشال ؟
– الفيتكونغ المعتدين / المحررين – والح/شد المنفلتين / المنضبطين
– أيهما أحق ؟ وأيهما أسبق .
– متى تُبصق الحصاة ؟
التظاهرات التي انطلقت في الأول من تشرين أول 2019 ، كان الاسلاميون استهدافها الأول ، وقد حوصروا في مصطلح (الأحزاب الفاسدة) التي اقتصرت في واقع الأمر على الأحزاب المناصرة للحشد دون غيرها .
كان الاستهداف يتم بكثافة وتراكم مصنوع بدّقة ، ،وكان الخطر الذي يأتي بعد داعش من حيث الأهمية ، وقبل داعش من حيث الاهداف ، لتشابك المواقف والتباسها ، حتى من الصعوبة البالغة ، تحديد الخطأ من الصواب ، فقد صودرت الوطنية من قبل (الناشطين ) كما صودرت الجنة من قبل المتشددين ، واصر توزيع صكوك الوطنية عند هؤلاء ،كما توزيع صكوك الغفران عند اولئك ،كانت فترة عصيبة ودقيقة ، بدا من الصعب التعامل معها بالوسائل المعروفة ، وقد باتت كمادة كيماوية تزداد اشتعالاً ، ضد محاولات اطفائها .
مستويات الهجوم ((الاستراتيجي )) الذي اتبعه خصوم الاسلاميين ،سار فوق الخطوط التالية :
1- عاش العراق طوال عقود من الدكتاتورية ،فيما يمكن تسميته ب( الدولة الكابوسية) التي حرمت المواطن من كل مايتعلق بحياته ،بما فيها حريته ومعيشته ، وحين سقطت الدكتاتورية بفعل خارجي ، أدخل الى المعركة ضد النظام الجديد وبكثافة وفعالية عالية ، سلاح (تدمير شامل للعقول – الاعلام- الى جانب العمليات الارهابية ، وقد استطاع الخطاب الاعلامي ،نقل الدولة من الكابوسية الى (الدولة الرومانسية) التي عليها أن تقدم كل شيء ، باعتبار العراق من أغنى دول العالم ،وينبغي ان يحصل المواطن فيه على راتب – حتى لو لم يعمل – وان على الدولة تشغيل الجميع ضمن الوظائف الحكومية ، وأي تقصير في هذا ،سيجعلها دولة فاشلة .
2- رفع سقف التوقعات من الدولة الى مستويات لايمكن لدولة تعيش اوضاعاً استثنائية ، من الوصول اليها ،فبدا الأمر كمن يريد من سمكة صعود نخلة .
3- عمل الخطاب الاعلامي والسياسي ،على اضفاء الحماية النوعية لكل من يناهض النظام الجديد ، فحين يلقى القبض على ارهابي مثلاً ، تضج وسائل الاعلام بأنه استهداف طائفي ،فيما يضغط الخطاب السياسي بهذا الاتجاه ، وهكذا تكامل الخطابان معاً لتحقيق النتيجة ذاتها ،مصحوباً بالخطاب الديني المتشدد ، الذي ركز على شيطنة المقابل .
4- كان الإسلاميون وحاضنتهم الاجتماعية ، محاطون بأحزمة من نار ،لايكادون يخترقون واحداً ، حتى يلتئم كما رؤوس هيدرا ،فبدا المشهد مغطى بظلام دامس ، فلم تتبلور بدائل أكثر جدوى ، ولم يعد التراجع ممكناً ، حيث لم يترك الخصوم لهم أية خيار، فقد كانت المعركة مصيرية وليست سياسية ، وعلى مقولة (مكره أخاك لابطل ) خاض الاسلاميون معاركهم ،ضد أعدائهم وخصومهم مجتمعين ، وكان الخطأ الأكبر الذي ارتكبته قوى الاعداء والخصوم ، انها سلكت طريقا واحداً تعددت سبل الوصول اليه
( الاستئصال ) ولاشيء غيره ، ليس السياسي وحسب ، بل الاجتماعي كذلك .
بعد سنوات من الصراع بكل اشكاله – بما فيه العنفي – انحسر العنف بدرجة ملحوظة ، لكن العنف الاعلامي ازداد كثافة ، وقد توجّ بتظاهرات انطلقت تحت شعارات براقة ومغرية ، اجتذبت اعداداً من الشباب (نريد وطن) .
مايمكن الاشارة اليه ، ان تلك التظاهرات ، حظيت باهتمام بما لم تحصل اليه تظاهرات من قبل ، وقيدت الحكومة برقابة دولية صارمة وتهديدات علنية ، كان أوضحها الموقف الأمريكي ، ووضع الح/شد ،تحت مجهر شديد الرقابة ، وكان المفترض استفزازه بوسائل تجبره على التدخل عسكرياً ، لكنه كما تبين لاحقاً ،قد ادرك باكراً مايراد دفعه اليه ، وكان موقف قائد – المهندس – لافتاً في رفضه زج الحشد بأي اقتتال داخلي كما نقل المقربون منه ، وربما كان موقفه ذاك ،واحداً من أسباب اغتياله مع ضيفه الجنرال – سل/يم/ اني – ثم توالت الأحداث وما تخللها من مناورات سياسية – الى حين وصول الكاظمي لسدة الحكم —–
فماذا تنبيء الأحداث المقبلة ؟ هل سيتمكن الكاظمي من قيادة تيار سياسي يستطيع مزاحمة الاسلاميين؟ وهل سيخرج العراق من بعض مشكلاته ؟ أم ستزداد تعقيداً ؟ وماهي مستويات المشكلات في العراق ؟ اختناقات ؟ ام أزمات ؟ أم معضلات ؟ وكيف يمكن تشخيص كل منها؟
وفي كل ذلك ،كيف سيتعامل العراق مع المستجدات الدولية ؟
هذا ما سنحاول مقاربته في الحلقة القادمة ..
انفخ فيه – سينفجر من تلقائه
– الصبر المنقذ والاندفاعة المتهورة
– ليس في الاعلام وحده يكمن النجاح (1)
– أقطاب الاسلاميين الشيعة – التيارالصدري – الفتح – القانون
الاعلام المناهض ، وفي ذروة شعوره بنشوة (الانتصار) وقع في اخطاء مهنية ماكان يجب ان يقع فيها اعلام محترف ، فالزيادة إيلام الخصوم (الاسلاميين) لجأ الى الفبركات والمزاعم على نطاق واسع ، اعتقاداً من القائمين عليه ،إنهم اصبحوا مصدر الخبر وصناعة الحقيقة ،وان ما أثاروه ، يكفي لحجب اية رؤية لجوانب أخرى غير ما يصنعونه
، وقد أرفقوا تلك المزاعم ، بإسكات المعترض بسلسلة من الاتهامات المحرجة ، بما فيها التشكيك بالوطنية ، ، لكنهم لم يدركوا انهم بذلك قد سهلوا لخصومهم امكانيات ردهم ، فاتبع الاسلاميون استراتيجية الصمت الهادف في مقابل الضجيج المتخبط الذي سلكه الخصوم ، وهكذا اكتفى اعلام الاسلاميين ،بكشف عدد من المزاعم التي روجها الاعلام الخصم ، ليهز من ثم صدقيته المهنية ويجعل مايورده مثاراً للتساؤل (*) .
جاءت حكومة الكاظمي ،بطريقة أوحت بفرضه على الاسلاميين ، الذين بدوا وكأنهم وضعوه في زاوية حرجة لا يستطيعون معها الرفض ،كي لايتسببوا بالمزيد من الاضطراب ، وبالتالي كان ضروريا التقاط الانفاس وافساح المجال للمناورة بالصبر ،الذي أفلح في هزيمة داعش ، ومن ثم المراهنة على الوقت في استنفاد اندفاعة المتظاهرين .
الكاظمي وفي بدايته ، وقع كذلك في اخطاء كشف طبيعة توجهاته، وظهر انه بمثابة (رصاصة الرحمة ) للاسلاميين ، فقد اعتمد على مجموعة من المستشارين تم اختيارهم من ابرز الناشطين المعارضين للاسلاميين ، وكانوا بمعظمهم من الاعلاميين ، الذين اقنعوه- أو هكذا ظهر – بأنه ان نجح في الاعلام ، فسينجح في الحكم ، وفي أسابيع قليلة ، افتتحت عشرات الصفحات في مواقع التواصل ، التي امتلأت بتمجيد الكاظمي والاشادة به.
العراقيون الذين اتقنوا صنع السخرية ، سرعان ما صنعوا مئات الطرائف من حركات الكاظمي ، التي بدت وكأنها استعراضية ، أكثر من كونها من متطلبات العمل ، وبالتالي لم ترتبط بنجاحات مميزة على صعيد مهماته ، وعلى ذلك جرت المقارنات بينه وبين من سبقه ، لتأتي النتائج بما لايخدم توجهاته ، ما جعله يعيد النظر بحساباته ،بعد أن تبين انه (ليس في الاعلام وحده يمكن النجاح *) أقله هذا مابدا عليه المشهد الآن .
الكاظمي الذي يسعى الى دخول المعترك الانتخابي ،بكتلة خاصة ، لايبدو انه حصل على مايكفي من الثقل الاجتماعي لينافس الاسلامين ، وبالتالي يبدو الاحتمال الأقرب ، انه سيلجأ الى تحالفات مع طرف اسلامي أو اكثر ،يبدو تيار الحكمة ، الأكثر اقتراباً من ذلك ، لكن الحاضنة الاجتماعية الشيعية ،ستبقى تتقاسمها قوى ثلاث :
– التيار الصدري – الفتح – تيار المالكي .
التيار الصدري يمتلك جمهوراً ثابتاً ، وكتلة تأتمر بأمر زعيمها ، قد يكون ذلك مصدر قوة تماسك للتيار وجمهوره ، لكنه كذلك قد يؤخذ عليه ، فشخصية القائد ،غطت على ماعداه ، ولم تبرز شخصيات وكوادر قيادية يمكنها ان تؤطر العمل السياسي ، بقيت شخصية قائد التيار مهمينة على حركته ، وشكلت في بعض المواقف أحراجاً ، سببته تبدل المواقف وتعارضها أحياناً ، فالتيار مشارك في مفاصل العملية السياسية على مختلف مستوياتها – بما فيها السلطتان التشريعية والتنفيذية – لكنه كذلك مشارك في التظاهرات التي هتفت ضد العملية السياسية والقائمين عليها ، محاولاً تمييز نفسه في كونه ليس من (الأحزاب) المشمولة بالاستهداف ، وقد تبنى مناصروه ، الكثير من المصطلحات التي الصقت بالاطراف الأخرى – خاصة الحشد – ثم اصطدم بالمتظاهرين أنفسهم ،لاختلاف المنطلقات ، فالتيار الصدري لم يكن يهدف الى اسقاط العملية السياسية بالتظاهرات ، بل اصلاحها ، وهذا يعني ازاحة الخصوم أو اضعافهم ،كي يكون الأقوى في القرار الشيعي ، ونتيجة كل ذلك ،يتوقع ان يحافظ التيار الصدري في الانتخابات القادمة ، على كتلته الانتخابية ، دون حدوث اختراقات نوعية بارزة .
– الفتح – دولة القانون – الحكمة
– (1) ليس في الخبز وحده يحيى الانسان ” – مقولة السيد المسيح
(*) بعض الأمثلة على ما نشره الاعلام وظهر انه مفبرك :
– صورة المرأة التي نشرت على انها من البصرة ،خطفتها المليشيات ، ثم تبين انها لإمرأة فلسطينية ، اعتقلت من قبل الجيش الاسرائيلي .
– صورة فتاة اشيع انها قتلت في الكرادة نتيجة لصواريخ المليشيات ،ثم ظهرت انها منقولة من اعلان ايشاربات تركية .
– فيديو لرجل يمزق ثيابه من شدة الفقر ، ثم تبين انه مسافر الى أكثر من دولة للسياحة والاستجمام .
– صورة فتى رث الثياب يأكل من صحن على قارعة طريق ،دليل على فقره ، ليظهر بعدها بمنظر آخر وهو يركب سيارة حديثة ويرتدي ثياب مختلفة .
– صورة نافورة صغيرة تنطلق من سطل بلاستيكي ملون ، أشيع انه مشروع حكومي صرفت عليه الملايين ، فتبين انه جزء من نشاط تطوعي لطلبة مدرسة لتزيين مدرستهم .
– حزب الدعوة – قائمة الفتح
– خريطة الاتئلافات المقبلة
– بماذا سيخرج الكاظمي ؟ ماذا سيفعل الاسلاميون
الاضلاع الثلاثة للهرم الشيعي (التيار الصدري – قائمة الفتح – دولة القانون) عمل كل منهم بوسائل مختلفة ، ففي حين اعتمد التيار الصدري على الحركة المفرطة – المتناقضة أحياناً – مال كل من الفتح ودولة القانون الى الهدوء والترقب ، لكنهما بقيا يعملان بفاعلية ،ولم يفقدا الكثير من حاضنتهما الاجتماعية ،رغم ان الهجوم المضاد ركز عليهما بشكل أكثر كثافة .
اعتمدت قائمة الفتح على فاعلية وجماهيرية الحشد ، الذي استطاع زحزحة الاعتراضات والهجوم المكثف ضده – بما فيها المطالبة بحله او دمجه – واطلاق تسمية الميلشيات على فصائله ، لكن قائمة الفتح مع دولة القانون ، استطاعتا استحصال قرار من مجلس النواب ،وبعد مناورات سياسية – الى اقرار هيئة الحشد ،ومن ثم نقله الى مستوى القوى القتالية الرسمية، ما أدى لاحقا الى انتداب فصيلة منه لحرس الشرف ، كما انحسرت تدريجيا كلمة مليشيات لتعتمد بدلها (الح/شد الش/عب/ي ) حتى في بعض الاعلام العربي والاجنبي ، أما داخلياً ، فما زال الاعلام الخصم يطلقها على بعض المسميات التي يعتبرها خارج هيئة الح/شد .
قائمة الفتح التي تعتمد بشكل أساس على منظمة بدر والعصائب مع بعض الفصائل الأقل ظهوراً ، لايبدو انها خسرت الكثير من شعبيتها ، بل ربما ماقام به المتظاهرون من حرق مكاتبها ومحاولات اسقاطها ، أكسبها بعض تعاطف وشعبية، لذا فالمتوقع ان تحافظ على كتلتها ، دون تراجع يذكر.
أما دولة القانون ، فقد لعب زعيمها (المالكي) أدواراً ليست قليلة في مجمل العملية السياسية ، وبصرف النظر عما وجه اليه من اتهامات وانتقادات بعضها وصل الى درجة الخيانة – خاصة بعد سقوط الموصل وما ارتكب من مجازر بما فيها سبايكر – الا ان ذلك لم ينزع منه أهمية موقعه ، والمتوقع ان سيعزز مكانته السياسية ،سواء في مستوى كتلته المرجح انها ستخوض الانتخابات ربما بتفاهمات مع الفتح ، لنيل أكثرية تتيح له العودة الى رئاسة الوزراء .
الخلاصة : سيبقى الاسلاميون – بقواهم الرئيسة الثلاثة
( الصدريون – الفتح – القانون ) مؤثرمهم في العملية السياسية الى أمد غير منظور ، وبعد التجربة التي شهدها كل منهم على حدة ، ومقدار الهجمة المناهضة التي تعرضوا لها مجتمعين ومنفردين – سواء كقوة سياسية أو حاضنة اجتماعية – يبدو ان الخلافات الحادة بين التيار الصدري والقوتين الاخريين ، ستضيق عن ذي قبل ، وسيحل نوع من التفاهم بينهم خاصة على القضايا المصيرية – مع بقاء الصدر على طموحاته – خاصة بعد ان أدرك الصدريون ، انهم ليسوا بمنأى عن الاستهداف ، وان خلافاتهم مع القوى الاخرى ،شكلت ثغرة دخلت منها الكثير من مشاريع الاستهداف ، المنعكسة سلباً على العراق .
أما الكاظمي والتيار المدني والناشطون، فالمشهد يشير الى انهم بلغوا أقصى مرحلة يمكن الوصول اليها ، وان الزخم والمراهنات التي بدأوا بها ، انهكتها التجاوزات بالتظاهرات ، والاخفاقات بالعمل الحكومي ، وبالتالي لن يحدثوا تحول جوهرياً على المشهد السياسي كما يتوقعون .
الاسلاميون لابد انهم تعلموا من تجربتهم طوال السنوات الفائتة ، ومنها النظر الى العراق كجزء من أمة اسلامية ، لا ملامح خاصة له ، وبالتالي فما يعادل الضرورة ، ان يبلور الاسلاميون معنى الهوية الوطنية – فكرا وخطاباً وسلوكاً – وان يخرجوا من عقدة الخوف ، التي زرعتها عقود القمع الطويلة ، ثم اكملتها الاستهدافات الشرسة ، فقد أظهرت الاحداث ان قوتهم اذا اجتمعت ووحدت خطابها وأهدافها ، تمتلك من القدرات والامكانيات ،مايمكنها النهوض بالعراق ، لخلق دولة ذات معاييرعصرية ، خاصة بعد أن تكرست المقومات الأهم – التبادل السلمي للسلطة – والحريات العامة – على ان تكون ضمن قانون حضاري واجب التطبيق .
أما أهم المهام الملقاة على عاتق الاسلاميين فيمكن تلخيصها بما يلي :
– الاتفاق على ضوابط سياسية /اجتماعية / فكرية لمفهوم الهوية الوطنية –
– اعادة الاعتبار لتعريف السياسة باعتبارها ( فن حساب المحتملات وصنع الممكنات) وجعلها معياراً للسلوك السياسي
– وضع مفهوم (القناعات المتبادلة ) بديلاً للتنازلات المتبادلة
– بلورة المصالح العليا للدولة كمفهوم مطلق ، يجري التنافس تحت سقفه وليس بتجاوزه .
– اعادة الثقة للمواطن العراقي سواء بنفسه أم بدولته أو بقواه السياسية ، واستنهاض الوعي في مخاطبته بدل استثارة عاطفته .
– تقديم انموذجاً للسلوك السياسي والاجتماعي ، والتخلي عن بعض الامتيازات التي تخلق هوة بين السياسيين وكبار رجال الاحزاب وبين عامة الناس .
– القيام بمراجعة شاملة لكل حزب وقوى سياسية ، وتشخيص مواطن الضعف والاخفاقات ، وعوامل الترهل والفساد والفئوية ، وتنقية صفوفها من العناصر المسيئة .
– تقديم برامج واقعية ممكنة التطبيق دون اللجوء الى شعارات تعبوية لكسب الناس ، تظهر لاحقاً عدم صدقيتها ولا جدواهاً .
– الاشتغال على مفهوم الهوية الوطنية وتقديم تعريف وفكر سياسي عراقي يبنى على معنى جديد لتشكيل النواة الوطنية وعناصر ارتكازها الرئيسة
ــــــــــــــــــــــــ




