وهم الانتصار وواقع الهزيمة.. قراءة في خطاب ترامب.. تناقض خطاب دونالد ترامب حول إيران.. بين إعلان النصر والتلويح بالحرب..!
قاسم الغراوي ||
كاتب وصحافي

في لحظةٍ يفترض أنها لحظة حسم ووضوح جاء خطاب دونالد ترامب محمّلاً بتناقضات حادة تعكس إرباكاً في السردية أكثر مما تعكس نصراً مكتمل الأركان.
فمن جهة يعلن أن “المهمة في إيران انتهت بالانتصار” ومن جهة أخرى يؤكد أن “الأهداف الاستراتيجية اقتربت من التحقق” وأن “المهمة ستُتم خلال أسابيع”، وهو تناقض جوهري بين من يُنهي حرباً ومن لا يزال في قلبها.
هذا التناقض لا يقف عند حدود الزمن بل يمتد إلى طبيعة التهديد ذاته.
فكيف يمكن لدولة “تم سحقها عسكرياً واقتصادياً ولم تعد تشكل تهديداً لأي أحد” – بحسب وصفه – أن تكون في الوقت نفسه قادرة على إجبار الولايات المتحدة على إبقاء خيار الضرب مفتوحاً بل والتلويح باستهداف منشآتها النووية والنفطية عند “أي تحرك”؟
إن خطاباً يجمع بين إعلان القضاء على الخصم والتحذير المستمر منه يكشف عن فجوة بين الواقع الميداني والخطاب السياسي.
الأكثر لفتاً هو التناقض في تعريف الدور الأمريكي في الشرق الأوسط هو الوقت الذي يقول فيه ترامب إن بلاده “ليست مستعدة للدفاع عن الشرق الأوسط” ثم يعود ليؤكد حماية الحلفاء وضمان أمنهم بل ويشكرهم ويعد بعدم السماح بتضررهم.
هذا الازدواج يعكس محاولة الجمع بين خطاب الانكفاء الداخلي الذي يخاطب الجمهور الأمريكي وخطاب الهيمنة الذي يطمئن الحلفاء ويؤكد استمرار النفوذ.
أما على صعيد الاقتصاد والطاقة فيطرح ترامب رواية مزدوجة أيضاً: الولايات المتحدة “لا تحتاج نفط الشرق الأوسط” وتنتج ما يعادل كبرى الدول لكنه في الوقت ذاته يطالب الدول بالتوجه إلى مضيق هرمز وحمايته ويحذر من تأثير التوتر على أسعار الوقود.
فإذا كانت واشنطن مكتفية ذاتياً كما يقول فلماذا كل هذا القلق من المضيق وأسواق الطاقة؟ هنا يظهر التناقض بين خطاب الاكتفاء الذاتي وواقع الترابط العالمي لأسواق النفط.
وفي سياق تبرير الحرب يكرر ترامب أن الخيار الأول كان دبلوماسياً وأن إيران رفضت لكنه يقرن ذلك بسلسلة من التهديدات المسبقة والتصعيد العسكري ما يضعف رواية “الدبلوماسية أولاً” ويجعلها أقرب إلى غطاء سياسي لقرارٍ كان متخذاً سلفاً.
كما أن حديثه عن تغيير النظام بأنه “حدث لكنه لم يكن هدفاً” يفتح باباً آخر من التناقض اذ كيف يحدث تغيير بهذا الحجم دون أن يكون ضمن الأهداف أو على الأقل ضمن النتائج المتوقعة والمخطط لها؟
حتى في توصيف الخسائر يظهر الخطاب وكأنه يحاول تحقيق توازن صعب بين تضخيم إنجازاته وتقليل كلفة الحرب.
فهو يتحدث عن “خسائر غير مسبوقة للعدو خلال أسابيع” مقابل الاعتراف بفقدان جنود أمريكيين دون تقديم صورة واضحة لحجم الكلفة الفعلية أو مدى استدامة هذا “النصر”.
وفي العمق يمكن قراءة هذا الخطاب بوصفه محاولة لصياغة “نصر سياسي إعلامي” أكثر منه توصيفاً دقيقاً لواقع عسكري معقد فالإعلان المتكرر عن الانتصار مع إبقاء كل الخيارات مفتوحة يعكس حاجة داخلية لإقناع الرأي العام أكثر مما يعكس نهاية فعلية للصراع.
خطاب ترامب حول إيران لا يقدم رواية متماسكة بل يكشف عن تناقضات بنيوية بين القول والفعل بين إعلان النصر واستمرار التهديد وبين الانسحاب المعلن والحضور الفعلي وهو ما يجعل هذا الخطاب أقرب إلى خطاب تعبوي موجه منه إلى تقييم استراتيجي واقعي لما جرى ويجري على الأرض.




