الأربعاء - 17 يونيو 2026

الى محمد شياع السوداني – اقرأ تجربة المالكي – نصاً لاسماعاً ..

منذ 4 سنوات
الأربعاء - 17 يونيو 2026


علي عنبر السعدي ||

الحكومة القادمة – بين فخّ كهرمانة ومقصّ دليلة (*)
– حديث الراح والراحة
– جدلية الممكنات المستحيلة
– السياسة دائماً عذراء ، فلتكن دائماً كذلك .
الراح في العربية ، تعني الخمر، الذي جعل شاعراً يصف به ثغر حبيبته ( أحلى من الراح في إبريق خمّار) ، وهذا النوع من (الراح ) كان قد مُنع من الحضور حين حُضرت أماكن بيعه.
أما الراح الآخر ، فهو باطن الكفّ ، تلك التي اتخذها شاعر آخر وسيلة لاثبات حبه كما تثبت الأصابع ( مثل ماثبتت الخمسة على الراح )، كما يشار في الموضع ذاته الى : الراحة بعد عناء وتعب .
باطن الكفّ ، هو مايعنينا في الحديث المشبّه بماكان يحدث ، فبعد طول عناء إستمر مايزيد عن ربع ألف من ليالي ألف ليلة ( مايقرب من تسعة أشهر ) قضاها المالكي من دون راحة ، في مواجهات صعبة ، لسلسلة من الخصوم ( في الداخل والخارج) استمات بعضهم في عرقلة وصوله الى ولاية ثانية ، لكنه في النهاية رفع راح كفه الواحدة ، لا استسلاماً ، بل ليوجّه صفعة معنوية لبعض أولئك الخصوم ، ومصافحات فعلية زاد عددها حدّاً جعلت كفه ينوء بالتعب – والمصافحة في الأصل ، حركة استخدمت بين خصمين ، من أجل أن يثبت أحدهما للآخر بأنه لايخفي خنجراً – .
في البداية ظهر المالكي بصورة محارب ، يحمل سيفاً بيد ، وترساً باليد الأخرى ، لكنه عاد من الميدان، لامحمولاً على ترسه كمقاتل إسبارطي (1) ولا عائداً به ، بل يحمل بين راحتيه الكثير من الهدايا ، التي عليه تقديمها الى خصوم الأمس وشركاء وليمة الغد ، ممن ينبغي إرضاءهم .
كان يرتدي لباس اليوم الثاني ، على ما قيل ان وفداً من المسلمين الأوائل ذهب لمقابلة ملك الصين : في اليوم الأول جاء الوفد وهم يرتدون الملابس المنزلية وأغطية الرأس الخفيفة ، وفي اليوم الثاني إرتدوا العمائم والجبب ، اما في اليوم الثالث ، فحضروا بكامل عدّتهم الحربية ، وحين سألهم الملك عن مغزى ذلك أجاب كبيرهم :
في اليوم الأول جئناك بما نرتديه لأهلنا ، وفي اليوم الثاني جئنا بما نزور به أصدقاءنا ، وفي الثالث ما نظهر به لعدونا ، فبأي موقف تريد نا معكم ؟
مرّ المالكي في المراحل معكوسة ، إذ بدأها بلباس اليوم الثالث ( الميدان ) ثم انتقل الى لباس اليوم الثاني ( الديوان ) على أمل الوصول الى لباس الخلاّن ( الراحة بين أهل ) لكن الناس فضلّته في لباس اليوم الثالث ( مشهد المحارب ) ذلك لأن ماينتظره ، كان معارك أشد صعوبة ، ففي المرحلة السابقة ، حارب من أجل نفسه بدرجة أساس ،لتثبيت موقعه في الوصول الى مايراه جديراً بخدمة شعبه ، وفيها أيدّته الناس وشدّت من عضده حيث وصلت شعبيته ذروتها ، أما في مرحلة تشكيل الحكومة، فكان عليه ان يحارب من أجل الناس .
هذا ماينبغي ان يكون عليه أمره ، لكن صورته دخلت مرحلة الغباش ان لم يكن الإهتزاز ، لقد بدأ ت الأسئلة ترتسم في الأفق: هل كان المالكي مضطراً لإرضاء الجميع ؟؟ وعلى حساب من ذلك الإرضاء ؟ الا يكفي ان العراق دخل موسوعة (جينز) في أطول وقت لتشكيل حكومة ، كي يدخل تلك الموسوعة مرة أخرى كأكبر حكومة في العالم؟ .
(1)إسبارطة مدينة إغريقية إشتهرت ببسالة محاربيها ، وكانت الأمّ تخاطب ولدها المحارب: “عد بدرعك أو محمولاً عليه” وكان من تقاليد التكريم للمحارب الشجاع حين يسقط في المعركة ، أن يحمل جثمانه على درعه .
أربعون وزيراً ونيّف كانوا مرشحين لدخول الكابينة ( وهو الإسم الملطف للمغارة ) ، ماذا يعني ذلك في الحسابات المتوقعة ؟
يعني أربعين مزاجاً مختلفاً ومطامع وطموحات ورواتب وامتيازات ومرافقين ومداهنين ومستشارين ، وفوق ذلك والأهم ، يُدفع المالكي للإغراق بمقولة ( يرضى عبد الله – يزعل شكر الله ) وسيصرف على ذلك ، الكثير من الوقت والجهد ناهيك بما يتخلله اجتماع لهذا العدد ، الذي لو تكلّم كلّ منهم دقائق معدودات ، فلابد ان اجتماع الوزارة يستغرق من الزمن مايفوق التصور ، فكيف ستسير مركبة كابينتها مزدحمة على هذه الشاكلة ؟
وضع كهذا قد يحوّل المالكي من لاعب رئيس الى ألعوبة رئيسة ،وعندها تدخل البلاد في مخاض جديد ، كأن يخشى فيه من ان يضطر لرفع راحتيه الإثنتين أمام هذه الجوقة الوزارية نافرة العزف ، ليكون أبرز خاسر من انتصاره .
كانت خطة المالكي في بعض حساباتها ، تبدو معتمدة على متكئين : فهو من جهة ، يرضي جميع الأطراف ويشركهم في تحمّل المسؤولية، كي لايبقى ثمة من يزايد عليه أو يتزعم معارضته ، كذلك يراهن على ان جمع الخصوم على مسرح الحكومة ، قد تتيح له التحكّم في تناقضاتهم وتجييرها من ثم لصالحه فيما لو حاول طرف ما ، الخروج من التشكيلة الوزارية ،عندها سيحتفظ المالكي بعدد من الوزراء يكفي للإستمرار ، كما حدث في تجربته الأولى حينما إنسحب من الحكومة ، وزراء التيار الصدري وحزب الفضيلة وجبهة التوافق ، ومع ذلك واصلت العمل .
لكن تلك الحسابات ، تنفتح أيضاً على احتمالات قد لاتكون موفقة بالضرورة ، فالمبدأ ان الوزارة فريق عمل يؤدي كلّ منهم وظيفة محددة ، ويعتمد نجاح الفريق بمقدار رشاقته ومرونته الحركية ، فيما الحسابات المذكورة أعلاه ، تبقى هي ذاتها في الجوهر ، سواء زاد العدد أم قلّ.
في المرحلة التفاوضية السابقة ، كان فريق دولة القانون بمثابة ( جيش فتي رشيق الحركة واضح الهدف ، في مواجهة جيوش ثقيلة موزعة الأهداف متعددة الولاءات) – كما سبق وصفه – لذا كان توقع انتصاره منطقياً، أمابعدها ، فقد إختلفت المعطيات كما تغيّرالموقف، إذ لم تعد الجيوش متقابلة في الميدان ، بل هي تزدحم في الديوان ، ولا ترتدي عدة الحرب المعهودة ، بل ثياب الإستقبال ، لكن من قتلوا القيصر ، كانوا كذلك يرتدون الأبيض رمز السياسة ، لا الأحمر رمز الحرب .
من ينصح المالكي بأن مايقوم بفعله ، قد يتحول الى عثرات ومطبّات خطرة ؟ لا أحد ممن كانوا حوله ، إذ ان معظمهم مشغول بمحاولة دسّ أنفه في تلك المغارة المليئة ذهباً ، وعندها فلامانع لو كان عدد الوزراء أكثر من ذلك ، مادامت الحصص محفوظة لأصحابها ، وكلما كثرت الوزارات، زادت الفرص .
المعركة التي خاضها المالكي كانت واضحة المعالم ، لذا إنتهت الى إقرار برئاسته للحكومة – وان بثمن ليس قليلاً – .
هناك ماهو غير طبيعي ، شىء مبهم أفرزته حسابات مرتبكة ، لقد صرخ خصوم المالكي قبله في معركة عضّ الأصابع ، لكن صراخ المالكي تأجل وحسب ، وهو قادم إذا إستجاب الرجل لتكتيكات التطويق ، انها جولة تم كسبها، لكن المعركة لم تكن قد إنتهت بعد ، فلم يكن متوقعاً ان يستسلم الآخرون لأقدارهم ومن ثم يعترفون بخسارتهم ، مادامت الفرص متوافرة بطرائق أخرى .
لم يكن الوقت مناسباً لتبادل الشكوك ، لكن مادم المالكي ربّان السفينة ، فقد كان عليه دراسة حالة الطقس، والا غدرته الأنواء أيّا تكن مهارته وقوة سفينته ، كان عليه ان يحذرالإنقياد الى صخور ناتئه ؟ لكن كيف يمكنه القيادة وسط الضجيج ؟
في سلوك كهذا ، إنما يسهم في موت السياسة ليحيى السياسيين ، وكان عليه ان يحسبها بالمقارنة بين وضعين :
– كان يقف على أرض صلبة صادقة ، لكنه إتجه نحو أنواء تحمل الخديعة .
– كان يحمل قوته في رأسه (2) وقد تجنّب المقصّات التي حملتها أكثر من دليلة ،لكنه وقف وسط (دليلات) تحمل كلّ منها مقصّاً جديداً .
– كان مرناً وكانوا مترهلين ، ثم أوشك ان يصبح مترهلاً وهم المرنون .
– لقد ربح علاوي معركة الإنتخابات ، لكنه خسر معركة التكليف ، أما المالكي، فقد ربح معركة التكليف ، لكنه بدا مهدداً بخسارة معركة التشكيل وإن شكلّ ، أي ان تأتي حكومته على مالا يريد ، فما تراه فاعلاً ؟
كان عليه ان يستعين بكهرمانة ، يستعيد قراءة مافعلته ، يحضّر جراره ، ويسقيهم من (راحه) براحته ، فيدعهم ينتشون بخمر السلطة ، لكن بالمقدار الذي يحدده ، فقليل من السلطة ينعش النفس – إشتقاقاً من قول السيد المسيح – لكن كثيرها يفسد المشهد .
كان الحلّ يكمن أولاً ، في تحديد حاجة العراق من الوزارات ، ثم قدرة كلّ كتلة بما لديها لتقديمه ، الكرد بمثال تجربتهم ، نجاحهم في الأعمار والتنظيم ، والعراقية بعلاقاتها العربية ، والتحالف بحركته الداخلية ، وهكذا .
يحضرهنا مثال ما اتبعّه المرحوم ياسر عرفات ، فقد كان في قيادة منظمة التحرير صديق لكلّ دولة : أبو ماهر غنيم وأحمد جبريل لسوريا ، خالد الحسن وأخوه هاني الحسن للسعودية ودول الخليج ، نمر صالح للصين ، ماجد أبو شرار للإتحاد السوفييتي السابق ، أبو اللطف وجورج حبش لمصروليبيا .
وهكذا كان يحصل عمّا يريد لصالح القضية الفلسطينية بتكليف وفد برئاسة أحد هؤلاء القادة ، لكلّ دولة يعرف علاقته الوثيقة بها ، الى درجة ان الإشتباكات كانت دائرة بين المقاتلين الفلسطينيين والجيش السوري في لبنان ، فيما كان أبو ماهر غنيم يرسل سيارات التموين من داخل سوريا ذاتها وأمام أعين السوريين وموافقتهم، وفيما كانت السعودية غاضبة من( أبي عمار) كان هاني الحسن يتسلم المساعدات المالية من الخزينة السعودية لصالح صندوق المنظمة ، كذلك فعل معمر القذافي ،حين أزعجته بعض مواقف المنظمة ، فحولّ المبالغ المخصص لها ، الى الجبهة الشعبية بقيادة جورج حبش ، وغيرها من التنظيمات .
لاشك ان ظروف العراق مختلفة عمّا كانت تعيشه منظمة التحرير ، لكن لاجدال في ان العراق بوضع أفضل ، وبالتالي بإمكانه تطبيق مايلائمه من تكتيكات وإستراتيجيات .
ما الخلاصة من كلّ ذلك ؟
كان على المالكي رفع سقف نقاط الوزارات بدل تخفيضها ، وتخفيض عدد الوزرات بدل زيادتها ، ثم إقناع الكتل بأن هذا هو الأصلح للعراق ، والإقناع جزء مهم من نجاح القيادة ، والا فالحديث يطول ، وطريقنا كذلك ، خاصة بعد ان دخلنا في المجالين الإقتصادي والسياسي ضمن مسمى آخر جسدته التوجهات اللاحقة التي يمكن إيرادها في العنوان التالي :
السياسة دائماً عذراء – ماذا عن الدولة ؟
” نحن لانبدأ بتشكيل حكومة ، بل ببناء دولة ” هذا ما ابتدأ به نوري المالكي خطابه الأول بعد ان حصل على التكليف الرسمي ، ذلك يعني ان الرجل كان يدرك مقدار (الطوفان) من المشكلات التي تغرق حاضر العراق ، وبالتالي عليه ان يكون بمثابة (نوح ) ليبني فلكاً يحمل فيه العراق كله ، ومن ثم يقوده الى المستقبل حيث الخصب والنماء .
لكن ماذا لو لم تكن هناك ( حمامات) يرسلها للإستكشاف ؟ .
لايبدأ بناء الدولة الا بما يُرسم في العقول من رؤى تنظر الى الحاضر بعين المستقبل ،ذلك قول يحمل من البداهة بمقدار مايكتنفه من الصعوبات ، الأمر الذي يتطلب الخروج من عباءة الموجود حيث تنهك الدولة فيه مواردها إتكالاًعلى إقتصاد رعوي ( من الرعي ) ، الى فضاء الموعود ، حين تتحول البلاد الى إقتصاد إنتاجي حديث يستطيع إستثمار ما تهبه الطبيعة ومن ثم تنميته ، لا مجرد استهلاكه وهدره .
من خصائص الإقتصاد الرعوي ، انه يعتمد على ما تجود به الأرض من مراع تخضّر بعد مطر،مايعني الضنك في مواسم الجفاف واستنفاد المورد الذي يجعل الحياة ممكنة .
التخطيط الأساس للدولة المراد بناؤها ، كان يستهدف التركيزعلى زيادة ( مراعي) النفط ، من دون إهتمام مماثل بالقطاعات الإنتاجية الأخرى ( غير المستنفدة ) ، وأولى خطوات البناء الموعود، بدأت بإستحداث 224 ألف وظيفة حكومية ، أضيفت الى ملايين الوظائف الفائضة عن الحاجة أصلاً ، ما يضيف أعباءاً جديدة على كاهل الدولة ، ويجعل الإدارة أكثر ترهّلاً وافتقاراً للكفاءة .
(راع وقطيع ) تلك كانت رؤية الدولة على مفهومها الإستبدادي القديم ، التي سادت في العراق منذ بدء تشكله ، ليس مهمّاً أين يقاد القطيع ، الى المرعى أم الى الحروب ، مادام الراعي يجيد العزف في المزمار، وهو المشهد الذي طالما وسم تاريخ العراق .
لكن ، ومع دخول البلاد عهد جديد ، يفترض أن يكون مغايراً لماسبقه ، ومن أهم تجسيدات المغايرفيه ، شكل بناء الدولة ووظيفتها ، ، لذا ينبغي والحالة هذه أن تتحول الدولة من مهنة الراعي الى وظيفة الإداري .———
(*) من كتاب العراق – جدلية الممكنات المستحيلة – دار العارف – بيروت – حزيران 2011- ص 62 ..

ــــــــــــــــــــــــ