إذا كان القاضي جرادة..!
د. عباس عبود السالم ||
غالبية أبناء شعبنا يدعون الثقافة لكن لايعملون بها! وغالبية المثقفين من أبناء شعبنا تصيبهم متلازمة الاستبداد والاستعلاء وربما ديكتاتورية المستنيرين!
والثقافة لدينا بدل ان تقرب المثقف من الناس او من الله او من اسئلة الوجود تقربه من المال والسلطة او تقذفه بعيدا حيث تدور به دور النواعير لكن دون قطرة ماء …
الثقافة في العراق اليوم تحولت إلى سلعة قابلة للبيع والشراء والاستبدال وانتهاء الصلاحية !
والمثقف في العراق اليوم مشروع تجميلي تكميلي لم يثمر ولم ينجز رغم ماتحقق خلال عقود الخمسينات والستينات من دور مهم للمثقف العراقي..
وبناء على قرائتي للمشهد أستطيع ان أصنف المثقفين العراقيين اليوم إلى سبع فئات :
الفئة الأولى: المثقف النقدي
وهو الذي يعمل على نقد العقل والمجتمع إضافة إلى السلطة، ويسعى إلى التنوير وتحرير الفكر من القيود الاجتماعية والسياسية وربما الدينية مثل الاديب فؤاد التكرلي الذي وظف أدواته السردية في تشريح بنية المجتمع والفرد والسلطة، وغائب طعمة فرمان الذي مارس النقد الاجتماعي في أعماله السردية، والدكتور علي الوردي الذي تناول بنية المجتمع العراقي بجرأة ومنهجية محكمة، والدكتور فالح عبد الجبار الذي اشتغل على البنية الطائفية والاجتماعية للدولة والمجتمع، والدكتور عبد الجبار الرفاعي الذي تناولت كتاباته نقد الفكر الديني التقليدي والسعي لتجديده.
وكذلك هناك اخرون سيكون لهم اثر نقدي مهم سواء اتفقنا او اختلفنا معهم مثل رشيد الخيون وحيدر سعيد وغيرهم ، كما يمكن تصنيف احمد مطر كمثقف نقدي احتجاجي، وسليم مطر كمثقف نقدي من مساحة مختلفة.
الفئة الثانية: المثقف المعارض
هو المثقف الذي يمتلك مشروعاً سياسياً أو فكرياً بديلاً، ويقف بوضوح ضد السلطة، سواء بالكلمة أو بالفعل الثقافي مثل الشاعر محمد مهدي الجواهري في موقفه المعارض للملكية ثم للأنظمة اللاحقة، والشاعر عبد الوهاب البياتي والشاعر مظفر النواب والباحث كاظم حبيب والمفكر هادي العلوي في اغلب مراحل حياته.
الفئة الثالثة: المثقف الانعزالي أو التأملي
هو المثقف الذي ينسحب من الصراع بين السلطة والمعارضة، ويختار الانكفاء إلى ذاته أو إلى الأدب والفكر المجرد، لأنه يرى أن خلاص الإنسان يتحقق عبر الجمال والفن أو الفكر الفلسفي لا عبر السياسة.
وهذا النوع من المثقفين يميل إلى التأمل، والانشغال بالأسئلة الوجودية واللغوية، أكثر من انشغاله بالواقع السياسي والاجتماعي مثل محمود البريكان و سركون بولص، ورفعت الجادرجي، وهادي العلوي في بعض من مراحل حياته.
الفئة الرابعة: المثقف الاحتفالي
هو الذي يحتفي بالسلطة، يتقرب منها، يبرر سياساتها، ويكتب شعراً أو نثراً في مديحها أو تبرير مشروعها السياسي، ويتصدر الصفوف في ظل القائد او الزعيم، مثل شفيق الكمالي، وعبد الرزاق عبد الواحد وحسن العلوي وبعض ممن تسابقوا ويتسابقون امس واليوم على تمجيد الزعامات والتقرب منها طمعاً بالمناصب والنفوذ والدعم المالي لا اريد ذكر اسمائهم لكثرتهم ولتجنب الاحراج .
الفئة الخامسة: المثقف العبثي
هو الذي يعترض من أجل الاعتراض، يرفض كل شيء بلا بديل، ويغلب عليه المزاج العدمي او الساخر من الواقع ومن اي بديل منطقي مثل سعدي يوسف في سنواته الأخيرة وبعض الشباب الذين يتخذون اليوم مواقف “ضد الجميع” دون تقديم رؤية أو بديل واقعي.
الفئة السادسة: المثقف الإشكالوي
وهو المثقف الباحث عن المواضيع الملتبسة والمثيرة للجدل لخلق ضوضاء فكرية أكثر من تقديم معرفة حقيقية، بهدف لفت الأنظار وتسجيل الحضور مثل الكثير من الذين يتناولون جدليات “الهوية” و“الدين” و“الحداثة” بأسلوب استفزازي أكثر من البحث المنهجي، وهؤلاء ليسوا شعبويين بل انهم يخاطبون النخبة لا المجتمع في إطاره العام.
الفئة السابعة: المثقف التافه أو السطحي أو المتطفل
وهذا يتقمّص صفة المثقف دون ان يمتلك أدوات الثقافة وهو عادة ينشغل بالمظاهر لا بالمضامين، وبالشهرة لا بالفكر، وبالعلاقات لا بالمنجز.
يبحث عن المهرجانات وأضوية الكاميرات اكثر من البحث في بطون الكتب، ويبحث عن الترند بدل اسئلة الوجود، ويفتش عن اللايكات بدل أدوات المعرفة.
ولا امتلك اسماء محددة كي استعرضها كامثلة عن هذا النوع وبالتاكيد كل من يقرأ سطوري ستتكون لديه مجموعة اسماء من المنتمين إلى هذا النوع.
انتهينا من سبع أصناف وطرحنا مجموعة اسماء في سبيل المثال والتوضيح لا الحصر، ويمكن توسيع نطاق هذا التصنيف إلى ابعد مدى .
فهناك المثقف الاعلامي والمثقف التبريري ومثقف المهرجانات ومثقف الفيس بوك ومثقف الحانات و و و ….
ولكن هل نحن بحاجة إلى تصنيف للمثقفين او مدعي الثقافة؟
وهل نحتاج ان نضع كل شخص في الخانة التي يجب ان يوضع بها ؟
وهل تتمكن الثقافة من قيادة المجتمع إذا وضع كل اسم ضمن تصنيفه الذي يناسب منجزه ومشروعه ؟
يمكن ذلك ….
لكن من يصنف ومن يطبق التصنيف!؟
إذا كان القاضي جراده!
#عباس_عبود





