حين أراد ترامب إخضاع الشرق الأوسط للقوة الأمريكية… عاد الشرق الأوسط ليهزّ عرش الجمهوريين في واشنطن..!
د. محسن حنون العكيلي ||
لم تكن نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية مجرد خسارة انتخابية للحزب الجمهوري، بل كشفت عن حقيقة استراتيجية مهمة: ليس بالضرورة أن تنتصر القوة العسكرية في الميدان إذا عجزت السياسة عن احتواء تداعيات الحرب.
دخل دونالد ترامب الحرب مع إيران وهو يريد أن يقدم للعالم صورة أمريكا التي لا تُهزم، وأن يثبت قدرتها على فرض هيمنتها على الشرق الأوسط وإعادة رسم معادلات القوة فيه. وكان الرهان أن إيران لن تستطيع الصمود طويلاً أمام التفوق العسكري الأمريكي، وأن كلفة الحرب ستبقى محصورة في طهران والمنطقة.
لكن ما حدث كان مختلفاً تماماً!
إيران لم تكن مجرد ساحة تتلقى الضربات، بل تحولت الحرب إلى أزمة إقليمية ودولية امتدت آثارها إلى أسواق الطاقة والتجارة والملاحة العالمية، وكان مضيق هرمز أحد أهم مفاتيح هذا التأثير.
وهنا حدث التحول الكبير: ما ظنّه ترامب حرباً يمكن أن يفرض من خلالها إرادته على الشرق الأوسط، تحوّل إلى عبء اقتصادي وسياسي وصل إلى المواطن الأمريكي نفسه؛ من أسعار الوقود إلى تكاليف المعيشة، وصولاً إلى مزاج الناخب الأمريكي الذي وجد نفسه يدفع ثمن حرب لم يكن مقتنعاً باستمرارها.
لقد أراد ترامب نقل صورة القوة الأمريكية إلى الشرق الأوسط، فإذا بتداعيات الشرق الأوسط تنتقل إلى قلب الولايات المتحدة، وتصبح حاضرة بقوة في صناديق الاقتراع.
والنتيجة اليوم: الديمقراطيون ينتزعون السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، والجمهوريون يتعرضون لخسائر انتخابية واسعة، في واحدة من أقسى الانتكاسات السياسية التي شهدها الحزب في الانتخابات النصفية.
واللافت أن ترامب نفسه أقرّ بأن الحرب مع إيران كانت أحد العوامل التي أسهمت في خسارة الجمهوريين.
إن الدرس الأهم مما جرى هو أن الحروب لا تُقاس فقط بعدد الطائرات والصواريخ وحجم الترسانة العسكرية، بل بقدرة الدول على تحمّل نتائجها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
فقد تستطيع واشنطن أن تنقل حاملات طائراتها إلى الخليج، لكنها لا تستطيع بالسهولة نفسها منع ارتدادات الحرب من الوصول إلى أسواقها ومدنها وناخبيها.
وهكذا، بدلاً من أن تكون الحرب مناسبة لاستعراض الهيمنة الأمريكية، أصبحت نتائجها اختباراً داخلياً لهذه الهيمنة، وأثبتت أن الشرق الأوسط لم يعد ساحة تتلقى قرارات القوى الكبرى وتداعياتها فحسب، بل بات قادراً على التأثير في الحسابات السياسية داخل عواصم تلك القوى نفسها.
إن ما جرى في انتخابات أمريكا اليوم يؤكد أن الجغرافيا السياسية لا تنتهي عند حدود المعارك، وأن فاتورة الحروب قد تصل في النهاية إلى صناديق الاقتراع، حتى في قلب الدولة التي أشعلتها.





