الأربعاء - 04 نوفمبر 2026

ترامب بعد الهزيمة… صلاحيات واسعة وهامش ضيق..!

منذ ساعتين
الأربعاء - 04 نوفمبر 2026

عباس سرحان ||

 

 

 

لم ينتظر الناخب الأمريكي نهاية الولاية ليحاسب رئيسه، فقد أعلنت الشبكات الأمريكية الكبرى فوز الديمقراطيين بمجلسي النواب والشيوخ، في انتخابات تحولت فيها حرب إيران وأسعار الوقود والرسوم الجمركية إلى استفتاء على سياسته.
ورغم أن النتائج النهائية لم تكتمل بعد، لأن فرز الأصوات لم يُحسم في دوائر تقاربت فيها حظوظ المرشحين، فإن ما أُعلن حتى الآن يكفي ليدرك ترامب أن عاميه المقبلين لن يشبها ما سبقهما.
الرجل نفسه أقرّ في حديثه لصحيفة وول ستريت جورنال، بأن إيران كانت من أسباب خسارة حزبه، لكنه سارع إلى التمسك بصواب قرار الحرب، على عادته في الاعتراف بالخطأ دون التراجع عنه، وهي لحظة لم تفت رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الذي كتب أن الأمريكيين قالوا كلمتهم ورفضوا الحرب.
غير أن من يرى في هذه الهزيمة نهاية ترامب يستعجل الحكم، فالرجل باقٍ في البيت الأبيض عامين آخرين، ولم تنتزع منه الصناديق شيئاً من صلاحيات الرئاسة، وإن انتزعت منه الكونغرس الذي كان يمرر ما يريد.
خسارة مجلس النواب تحديداً هي ما أعاد الحديث عن العزل، إذ صار توجيه الاتهام إليه ممكناً بالأغلبية البسيطة التي يملكها الديمقراطيون الآن، حتى إن ترامب قد يغدو أول رئيس أمريكي يُعزل ثلاث مرات.
لكن العزل في النظام الأمريكي شيء والإقالة شيء آخر، إذ يحتاج إخراج الرئيس من منصبه إلى ثلثي مجلس الشيوخ، أي ٦٧ صوتاً، في حين تمنح التوقعات المعلنة الديمقراطيين نحو ٥١ مقعداً، ما يعني أنهم بحاجة إلى ما يقارب ستة عشر جمهورياً ينقلبون على رئيسهم، وهو ما لم يحدث في المحاكمتين السابقتين، ولا أظنه يحدث اليوم.
لذلك قد يخسر الديمقراطيون من معركة العزل أكثر مما يربحون، فهي تستنزف وقتهم في محاكمة معروفة النهاية، وتمنح ترامب ثوب الضحية الذي يجيد ارتداءه أمام أنصاره، وهذا ما يفسر حذر زعيمهم في مجلس النواب حكيم جيفريز، الذي ترك الباب موارباً فلم يتعهد بالعزل ولم يستبعده.
أما تجدد الحرب على إيران، فترامب ما زال يملك قرارها من الناحية القانونية، لأن الكونغرس إن أصدر قراراً ملزماً بوقف العمليات العسكرية، فبوسع الرئيس أن ينقضه، ولا يسقط نقضه إلا بثلثي المجلسين، فضلاً عن أن الكونغرس الجديد لن يعقد جلساته قبل مطلع كانون الثاني المقبل.
بيد أن امتلاك الحق شيء والقدرة على استعماله شيء آخر، فالحرب التي كلّفت حزبه مجلسي الكونغرس لا يمكن تجديدها دون تحدي ناخب صوّت ضدها قبل أيام، ودون توريط الجمهوريين وهم يتهيؤون لانتخابات ٢٠٢٨.
يضاف إلى ذلك أن الديمقراطيين سيمسكون بمفاتيح الموازنة وبالمصادقة على مرشحي الإدارة، فتتحول كل مغامرة عسكرية إلى فاتورة يدفعها ترامب في ملفات الداخل، وهو ما يجعل الحرب خياراً قائماً على الورق، صعبا للغاية من الناحية الفعلية.
فإذا كانت الحرب التقليدية قد ضاقت أبوابها على هذا النحو، ينتقل السؤال الأخطر إلى السلاح النووي، الذي لا يحتاج فيه الرئيس إلى إذن من الكونغرس، إذ يمنحه النظام الأمريكي سلطة شبه منفردة في استخدامه، ولا يملك المشرعون أمامه سوى الاعتراض.
إلا أن ما يردع ترامب هنا ليس القيد بل الكلفة، فضربة كهذه ستعزل واشنطن عن العالم وتُبعد عنها حلفاءها في أوروبا وآسيا، ولن تحقق ما عجزت عنه ثمانية أشهر من الحرب التقليدية، بينما سيتجاوز إشعاعها حدود إيران إلى دول الجوار، وسترتفع أسعار النفط إلى حد يوجع الاقتصاد الأمريكي قبل غيره.
بين حرب تقليدية أغلقت السياسة أبوابها، وضربة نووية تردع عنها كلفتها، تضيق الخيارات أمام ترامب أكثر مما ضاقت في أي وقت مضى، فالرجل الذي ذهب إلى الحرب واثقاً قد يجد نفسه مضطراً إلى البحث عن طريق للخروج منها، وإن ظل يملك صلاحيات الرئيس كاملة.
لكن ترامب لم يكن يوماً رئيساً تُقرأ قراراته بسهولة، وما زالت أمامه أسابيع قبل أن يتسلم الديمقراطيون مقاعدهم، وهي أسابيع قد تحمل ما يربك هذه الحسابات، ليبقى الثابت الوحيد أنه سيحكم ما تبقى من ولايته بكونغرس يعارضه، وشارع لم يعد يمنحه ثقته.