موازنة عام 2027… (3) استغلال فرصة وجود النفط..!
د بلال الخليفة ||

خامساً: النفط فرصة للتحول الاقتصادي وليس مورداً للإنفاق الاستهلاكي
إن الإشكالية الأساسية في الاقتصاد العراقي ليست في امتلاك النفط، بل في طريقة إدارة عائداته. فالنفط مورد ناضب، وأسعاره متقلبة، ولا يمكن اعتباره أساساً دائماً لتمويل التزامات حكومية تتزايد عاماً بعد آخر.
ومن هذا المنطلق، ينبغي التعامل مع الإيرادات النفطية باعتبارها فرصة تاريخية لبناء اقتصاد ما بعد النفط، وليس مجرد مورد لتغطية الرواتب والنفقات التشغيلية والاستيرادات.
فبدلاً من توجيه الجزء الأكبر من العائدات إلى الاستهلاك الجاري، ينبغي تخصيص موارد أكبر لإنشاء المصانع، وتطوير البنية التحتية، واستثمار الغاز المصاحب، وتوسيع قدرات التكرير، وتطوير الصناعات التحويلية، وبناء منظومة نقل وطاقة ومياه قادرة على دعم الاقتصاد الإنتاجي.
كما ينبغي إنشاء إطار مالي متوسط وطويل الأجل يحدد نسبة من الإيرادات النفطية توجه إلى الاستثمارات المنتجة والصندوق السيادي، مع وضع ضوابط تمنع استخدام هذه الأموال في تغطية النفقات التشغيلية الاعتيادية.
إن الهدف ليس تقليل الإنفاق الحكومي بصورة عشوائية، وإنما تغيير طبيعته، بحيث يتحول من إنفاق يستهلك الموارد إلى إنفاق ينشئ أصولاً اقتصادية تدر دخلاً وتوفر فرص عمل وتقلل الاستيراد.
موازنة 2027 واختبار تنويع الاقتصاد
تكشف الأرقام الأولية لموازنة عام 2027 عن استمرار الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية، التي تمثل نحو 83.1% من إجمالي الإيرادات المقدرة، مقابل مساهمة محدودة للإيرادات غير النفطية تبلغ 16.9%.
وهذا المؤشر يؤكد أن العراق لم يصل بعد إلى مرحلة التنويع الاقتصادي القادرة على توفير بدائل مالية حقيقية للنفط، وأن الاستقرار المالي ما زال مرتبطاً بدرجة كبيرة بأسعار الخام وكميات التصدير.
ولذلك، فإن تقييم نجاح موازنة 2027 لا ينبغي أن يقتصر على قدرتها على تغطية النفقات أو توفير السيولة، بل يجب أن يقاس بمدى مساهمتها في تقليل الاعتماد على النفط، وزيادة الإنتاج المحلي، وخلق مصادر جديدة للدخل، وتوجيه العائدات النفطية نحو بناء اقتصاد مستدام.
إن الخطر الحقيقي لا يتمثل في انخفاض أسعار النفط في سنة معينة، بل في استمرار بناء التزامات الدولة على أساس إيرادات مورد قابل للنضوب والتقلب، من دون إنشاء اقتصاد بديل قادر على تحمل مسؤولية تمويل الدولة مستقبلاً.




