الاثنين - 02 نوفمبر 2026

السر المكنون في الصلاة النّبي الميمون..!

منذ ساعتين
الاثنين - 02 نوفمبر 2026

أسماء عبد الوهاب الشهاري ||

 

 

 

” إنَّ اللهَ وملائِكتُهُ يُصلّون على النّبي يا أيُّها الذين ءامنوا صلّوا عليهِ وسلِّموا تَسليمًا “
هل تأمل أحدُنا يومًا هذه الآية بالشكل الكافي. هل هذه الآية توجه إلى الصلاة على سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. أم أنّها تأمُر بالصلاة على سيدنا محمد وآله.!
ولو تأمّلنا أكثر سنجد أنها جاءت هنا بصيغة الإكثار والمبالغة. “صلّوا عليه وسلّموا تسلّيمًا “

وهل صلّى الله سبحانه بعظيم قدرِّه وقُدرته -من قبل- على أحد من خلقه. بل وهل صلّى من قبل على أحدٍ من أنبيائه و رُسله.؟
إنَّ الأمر لا يخُص القرآن فحسب. لم يسبق في أي كتاب سماوي مُنزّل أن يقرُن الله سبحانه اسمه باسم أحد من الأنبياء والمرسلين. لم تكن هذه المنزلة وهذا الشرف والرتبة والقدر العظيم إلا لصاحبِ الخُلق العظيم سيد الخلائق محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
“وأطيعوا الله و رسوله..”
“إنَّ الله و رسوله…”
والكثير من الآيات التي قرن فيها الله سبحانه وجمع فيها بين اسمه واسم أعظم الخلق منزلةً عنده سبحانه وأحبهم إليه وأقربهم زُلفى منه. في وجوب الاستجابة والطاعة والالتزام وتجنب المعاصي والآثام، والتقرب إلى الله سبحانه ربُّ العرش ذو الجلال والإكرام وإلى خير من خلق الله على الدوام.
بل و ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك. حينما قال سبحانه: ” من يُطعِّ الرسول فقدْ أطاعَ الله “
هل نحن ندرك هذه الحقائق ونستشعر هذه المعاني كما يجب.

إنَّ الكلام في هذا البحث قد يطول. لكن لو أننا نخرج منه بأمر واحد مُفاده هل هناك أعظم وأكبر من أن نتقرب إلى الله سبحانه بأعظم وأشرف وأحب خلقه وهو الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ماذا من أنفسنا أو من أعمالنا قد نتقرب به إليه أو أن نُقسم به عليه لقضاء حوائجنا وإجابة دعواتنا والإصابة في كل ما قد نهم به.
أوهناك أعظم. أم أن هناك أرجى منه صلى الله عليه وآله وسلم.

لذلك من لُطف الله بنا وعظيم فضله علينا أن شرعَ لنا الصلاة على أكرم خلقه عنده. ومن رأفته ورحمته بنا لعلمه بضعفنا وقصورنا وتقصيرنا وإسرافنا في أمرنا أن جعل لنا عملًا نبتدئ به الدعاء له ونختتم به المسير إليه. فعندما نقدم بحبيبه بين يدي الدعاء والمقال والأعمال فذلك أرجى للإجابة عنده سبحانه وأوجب للقبول منه. فهو الطاهر المُطهر والكامل الأوصاف والعليَّ الجاه والرفيع الشأن والعظيم القدر صلى الله عليه وآله وسلم.
وإلا لما كان منّا ولا في عملنا و دعائنا ما يوجب القبول منه أو يدعونا للإلحاح في المُلِّمات عليه.

وإن تحدثنا عن الصلاة والسلام على أعظم الخلق وسيد الأنام وإمام المرسلين..
ففضل ذلك لا يُعد ولا يُحصى.. ويعود على صاحبه بخيرات لا حصر لها في الدنيا والآخرة..
ومن ذلك ما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم. مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا (وفي رواية أخرى: «صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَحُطَّتْ عَنْهُ عَشْرُ خَطِيئَاتٍ، وَرُفِعَتْ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ»). 

تأمل قوله تعالى: ” هو الذي يُصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما “
الآية ٤٣ سورة الأحزاب

إذن فبالصلاة على سيد الخلق والمرسلين يصلي الله سبحانه وتعالى وجلّ جلاله عليك..
* وما معنى أن يُصلي الله سبحانه عليك؟

أن يُصلي الله سبحانه عليك فضله عظيم جدًا ولا يرتقي عقل إلى أن يحيط بفضل ذلك كله. ومن ذلك أنه يخرجك بهذه الصلاة من الظلمات إلى النور.. وتأمل جيدًا أنه لم يقُل يخرجك من ظلمة واحدة بل “ظُلمات”.

وإن صلى الله سبحانه عليك فحتمًا أنه ستُصلي عليك الملائكة.. لأن الله سبحانه يقول: “هو الذي يُصلي عليكم وملائِكتُه…”
وصلاتُها دعاء و رحمة وخير وطلب بالمغفرة لمن تُصلي عليه. وقد ورد في صلاة و دُعاء واستغفار الملائكة للمؤمنين الكثير من الآيات؛ ومنها:

قال الله تعالى:
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾.
سورة الأنبياء الآية ٢٨
صلاة الملائكة تتضمن الشفاعة بإذن الله للمؤمنين..

ويقول الله تعالى:
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ۝ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ۝ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
سورة غافر الآيات ٧،٨،٩

فصلاة الملائكة استغفار للمؤمنين و دعاء لهم بخيرات كثيرة؛ ومنها أن يقيهم الله السيئات وأن يقيهم عذاب الجحيم وهي نار جهنّم والعياذ بالله، وأن يدخلهم الله جنّات عدْن ومن صلح من آبائهم وأزواجهم و ذريّاتهم ويشمل ذلك الدعاء بصلاح الأهل والذريّة. وإن تأتى كل ذلك بدعوة الملائكة وهم عباد الله المُكرَمين والمُقربين فقد حاز الإنسان رحمة الله. وهل هناك فضلٌ أعظم.!
ولذلك قالت الملائكة بعد ذلك.. ” وذلك هو الفوز العظيم”
صدق الله العظيم

ثم وبعد ذلك كله.. كيف لنا أن ننسى أن هناك ملك موكل عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. حيث يبلغه بصلاة وسلام كل من صلى وسلم عليه. فيرُد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالصلاة على كل من صلى عليه في مشارق الأرض ومغاربها. وماذا يحدث إن صلى رسول الله عليك؟
يقول الله تعالى: ” وصلي عليهم إنَّ صلاتك سَكنٌ لهم “
هل تأمل أحدنا يومًا في معنى أن صلاة حبيبنا ومولانا وسيدنا صلى الله عليه وآله وسلم ‘سكنٌ’ لنا..
هل استشعرنا يومًا الراحة والطمأنينة والسكينة التي تسكن القلوب والأرواح بصلاته علينا إن نحن صلينا عليه صلى الله عليه وآله وسلم.!
وفي ذلك الشفاء من العلّات والعلاج لكل المشكلات.

وأيُّ الدعاء أوجب في الإجابة وأيُّ مسألةٍ أقربُ للنوّال. أدعائنا لأنفسنا أم دعائه صلوات الله عليه وآله لنا؟
وأيُّ دعاءٍ ترتجي به القرب والقبول إن لم يُذكر فيه اسمُ حبيبُ الله وصفوته صلاةً وسلامًا عليه واستغراقًا في ذكر محامده والاعتراف بفضله على أُمّته.. بل وعلى الخلق قاطبةً. بعد الحمد والشكر لله بعظيم أسمائه وأشرف صفاته تنزيهًا وتعظيمًا وحمدًا أن اصطفانا وأكرمنا بأعظم خلقه وأحب رسله. فتلهج ألسنتنا وقلوبنا وأرواحنا قائلةً.. ” جزى الله عنّا سيدنا مُحمَّدًا صلى الله عليه وآله وسلم ما هو أهله”.

وإنَّ الحديث عن طب القلوب و دوائها وعافية الأبدان وشفائها ونور الأبصار وضيائها و روح الأرواح وسر بقائها النّبي الأمي الحبيب العالي القدر والعظيم الجاه؛ لهو بحرٌ ما لهُ من ساحل ومحيطٌ ما لهُ من قعر.. وسماءٌ تمتد بامتداد البصر لا نهاية لها.. ولا يُعرفُ أولها من آخرها.
وفضل الصلاة على سيدنا محمد وآله ذي القدر العظيم والخُلق العظيم والشرف الأعظم والاستغراق في محامده -وأخص بالذكر الصلاة الإبراهيمية لعظيم فضلها- فيه من الخير ما لا يُحصى عدده ولا يُدرك أمده ولا ينقطعُ مددُه. فلا يُحصي ذلك إلا الله سبحانه وتعالى. وقد يجمع ذلك ما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأُبي بن كعب رضوان الله عليه حين أخبره أنه يُصلي عليه كثيرًا في يومه وليلته؛ فماذا يجعل له من دعائه.. حينها قال له أُبي بن كعب: إذن أجعل لك صلاتي كلها يا رسول الله..
فقال له صلى الله عليه وآله وسلم: ” إذن يُغفر ذنبك وتُكفى ما أهمّك “
وماذا يحتاج الإنسان في أولّاه وأُخراه أكثر من ذلك.! فواللهِ ما تركنَّ من شيء.

الراجية رحمة ربها ورضوانه..

http://T.me/alshahariasma