الاثنين - 02 نوفمبر 2026

العمامة التي واجهت الاحتلال.. الشهيد الشيخ فاضل فاخر الربيعي..!

منذ 41 دقيقة
الاثنين - 02 نوفمبر 2026

انتصار الماهود ||

 

 

 

لم تكن العمامة يوما مجرد زي يميز طالب العلم أو رجل الدين عن سائر الناس، بل كانت هوية وموقفا تسجل أفعال أصحابها المشرفة في محطات العراق المصيرية.
فتلك العمامة الشريفة لم تكتف بطلب علوم الدين والفقه وتعليم الأجيال، بل علمت أبناءها الشجاعة والبطولة والثبات على المبادئ، وحضر رجالها في أحلك الأوقات دفاعا عن العراق وكرامته.

لم تكن رسالة هذه العمامة محصورة بين جدران الحوزة العلمية، بل امتدت إلى ميادين الحياة المختلفة، وأصبح من يرتديها عنوانا للعلم والمسؤولية والتضحية. فمتى ما رأيت عمامة صادقة في مواقفها، فاعلم أنها لم تكن بعيدة عن وجع العراق، ولم تغب عن محنه كما غاب آخرون إنها عمائم حملت العلم بيد، وواجه أصحابها الاحتلال بمواقفهم وتضحياتهم، وقدمت الشهداء دفاعا عن الوطن وترابه، ومن بينهم شهيدنا الشيخ فاضل فاخر خلف الربيعي

ولد الشهيد السعيد الشيخ فاضل فاخر خلف الربيعي في بغداد، في السابع والعشرين من كانون الأول عام 1978، ونشأ في كنف عائلة بغدادية أصيلة، ربت أبناءها على العقيدة والفضيلة ومكارم الأخلاق وحب آل البيت عليهم السلام. دخل الحوزة العلمية في النجف الأشرف، وكان يواصل دراسته فيها سرا خشية ملاحقة النظام البائد، وكان من مقلدي السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر رضوان الله عليه ومن المواظبين على صلاة الجمعة، سائرا على خطه الثوري، رافضا الظلم والدكتاتورية البعثية والتبعية الأمريكية.

كان الشيخ فاضل متزوجا وأبا لخمسة أبناء، ولم تمنعه مسؤولياته ومشاغله من تخصيص الوقت الكافي لعائلته، فقد حرص على تربيتهم وتعليمهم الفضائل والأخلاق الحميدة، وغرس في نفوسهم المبادئ والقيم التي نشأ عليها، مؤمنا بأن بناء الأجيال يبدأ من الأسرة، وأن التربية الصالحة امتداد لرسالة الإنسان ومواقفه.

بعد سقوط النظام البائد عام 2003 ودخول القوات الأمريكية إلى العراق، لم يكن الشيخ فاضل ممن يقفون متفرجين أمام واقع الاحتلال، فقد كان موقفه من وجود القوات الأجنبية امتدادا لقناعاته الفكرية والعقائدية، خاصة أنه من طلبة السيد الشهيد الصدر والسائرين على نهجه الرافض للاحتلال الأمريكي، وهو الذي ارتبط اسمه بهتاف: كلا كلا أمريكا. لذلك التحق الشيخ فاضل بصفوف المقاومة الإسلامية عصائب أهل الحق عام 2006، ليبدأ مرحلة جديدة من المواجهة وتحمل المسؤولية.

كان من أوائل المشاركين في مواجهة الجماعات الوهابية التكفيرية، وأصيب بطلق ناري خلال اشتباك مع جماعة إرهابية في منطقة الوردية. كما كان ضمن الجماعات المقاومة العقائدية التي شاركت في طرد خلايا تنظيم القاعدة من منطقة الحرية، ضمن (مشروع الوحدة)ولم تقتصر مشاركاته على تلك المواجهات، بل خاض معارك نوعية ضد قوات الاحتلال الأمريكي، وكان حاضرا في معركة النجف، التي أصيب خلالها بجروح شديدة أقعدته فترة عن مواصلة نشاطه الجهادي.

لكن الإصابة لم تكن نهاية المواجهة في حياة الشيخ فاضل إذ أصيب لاحقا بسرطان الدم على خلفية إصابته الأخيرة في معركة النجف. ورغم المرض وآلامه الشديدة والإعياء الذي رافقه، لم يتخل عن مواقفه، وظل حاضرا في طريق المقاومة حتى خروج القوات الأمريكية من العراق عام 2011، وكأن جسده كان يخوض معركته الخاصة، فيما بقيت إرادته متمسكة بما آمنت به.

ولم يكن اهتمام الشيخ فاضل مقتصراً على المواجهة والعمل المقاوم، فقد كانت لديه مشاريع حوزوية واجتماعية يسعى لتحقيقها، ومن أبرزها إنشاء حوزة نسوية لنشر العقيدة والوعي الديني والتثقيف الواعي، فقد أدرك أهمية دور المرأة في المجتمع العراقي، واستلهم مكانتها من سيرة مولاتنا زينب (عليها السلام) وكان يؤمن بأن الأم والأخت والزوجة شريكات أساسيات في بناء المجتمع وتربية الأجيال، لذلك كان يركز على دور المرأة في تنشئة جيل واع، متمسك بمبادئه وأخلاقه وقيمه، وقادر على تحمل مسؤولياته تجاه وطنه ومجتمعه.

وفي السادس عشر من شباط عام 2012، انتهت رحلة الشيخ فاضل بالاستشهاد، بعد اغتياله غدرا برصاص عملاء الاحتلال الأمريكي. رحل تاركا خلفه خمسة أبناء، وسيرة رجل جمع بين طلب العلم والعمل المقاوم، وبين مسؤولية الأسرة ومشاريع الوعي والتربية.
الخاتمة
سلام على عمامة لم تجعل من العلم عزلة عن قضايا الوطن، ولم تفصل بين العقيدة والموقف، سلام على رجل حمل في قلبه رسالة العلم، وفي حياته مسؤولية العائلة، وفي مواقفه رفض الظلم والاحتلال، وظل متمسكا بقناعاته رغم الجراح والمرض حتى نال الشهادة.