خميني في زمن البعث.. قصة روائية..!
الشيخ مازن الولائي ||

تأليف: الشيخ مازن الولائي ||
الفصل الأول: الرفيق الذي لم يكن كما يبدو
بغداد في زمن الخوف
لم يكن الوصول إلى الله تعالى أمراً مستحيلاً، وإن كانت الطريق إليه محفوفة بالمخاطر. فكثيراً ما يضع الله في طريق الإنسان شخصاً صالحاً، فيكون لقاؤه نقطة تحوّل في حياته، ونافذة يطلّ منها على عالم لم يكن يعرف عنه إلا القليل.
وقد تكون الموعظة كلمة عابرة، أو موقفاً بسيطاً، أو صداقة تنشأ على غير موعد، ثم تتحول إلى رحلة كاملة من الوعي والإيمان.
وهكذا تبدأ حكايتنا مع رجلٍ حمل شخصيتين في جسد واحد؛ شخصية يراها الناس، وأخرى لا يعرف حقيقتها إلا من اقترب منه وأبصر ما وراء مظهره.
كان أحدهما يراه الناس رفيقاً بعثياً، ومسؤولاً في تنظيمات السلطة، بينما كان الآخر يرى فيه إنساناً يحمل قلباً مؤمناً، وروحاً متعلقة بالله، وولاءً عميقاً لنهج أهل البيت عليهم السلام.
إنه «مقداد»؛ الرجل الذي اتخذ من مظهره ستاراً، ومن صبره وسيلة، ومن إيمانه رسالة.
المدرسة التي كانت أكثر من مدرسة
في إحدى إعداديات بغداد المهنية، وفي زمنٍ كان فيه النظام البعثي يفرض سطوته على مفاصل الحياة، كانت تدور أحداث هذه الحكاية.
كانت المدرسة مؤسسة تعليمية كبيرة، تضم آلاف الطلبة والطالبات، موزعين على أربعة أقسام رئيسة: الزراعي، والصناعي، والتجاري، والبيطري.
وكانت أقسامها موزعة على هيئة أبنية وصفوف واسعة، تحيط بها الأشجار الكثيفة من جوانب عدة، وفي أحد أطرافها سدّ ترابي اعتاد الطلبة أن يتخذوا منه مكاناً للاستراحة والترويح عن النفس.
وكان طلابها ينحدرون من مناطق بغداد المختلفة؛ فمنهم القريب ومنهم البعيد، ومنهم القادم من عائلات ميسورة، ومنهم من نشأ في بيوت بسيطة لا تملك من الدنيا إلا الكفاف.
لكن ما كان يميز هذه المدرسة في تلك المرحلة لم يكن تنوع طلبتها فحسب، بل طبيعة الصراع الصامت الذي كان يدور داخلها.
فقد كان الالتزام الديني، ولا سيما ارتداء الحجاب، يمثل علامة واضحة على التمسك بالهوية الإسلامية، وهو أمر لم يكن النظام البعثي ينظر إليه بعين الارتياح.
لقد كان النظام يخشى كل مظهر يمكن أن يعيد إلى المجتمع روحه الدينية، أو يفتح أمام الشباب أبواب الوعي والفكر الإسلامي. ولذلك لم تكن المسألة بالنسبة إليه مجرد مظهر شخصي، بل كان ينظر إليها بوصفها مؤشراً على وجود تيار فكري لا ينسجم مع توجهاته.
ومن هنا أخذت الأجهزة الأمنية تراقب الطلبة، وتتابع تحركاتهم، وتستدعي بعض الطالبات المحجبات بين الحين والآخر، لتطرح عليهن أسئلة من قبيل:
متى ارتديتِ الحجاب؟ ولماذا؟ وهل كان ذلك برغبتك؟ أم أن أحداً أجبرك عليه؟
وكانت تلك الأسئلة، في حقيقتها، أبعد من مجرد استفسارات عابرة؛ إذ كانت تحمل في طياتها تهديداً مبطناً، وإشعاراً بأن الالتزام الديني قد يضع صاحبه تحت دائرة الشبهة والمساءلة.
وكانت الأجهزة الأمنية قد وسّعت حضورها في المؤسسات التعليمية، وأقامت تشكيلات طلابية مرتبطة بالاتحاد العام لطلبة العراق، حتى أصبحت لها عيون في كل مكان، تراقب وتتابع وترفع التقارير.
وكان بعض المسؤولين في تلك التشكيلات من البعثيين المعروفين، وبعضهم من عناصر الأجهزة الأمنية، الأمر الذي جعل المدرسة، في نظر كثير من الطلبة المتدينين، مكاناً لا يخلو من الحذر والقلق.
يوسف… الشاب الذي يبحث عن الطريق
في خضم هذه الأجواء، كان يعيش شاب يُدعى «يوسف»، وإن كان بعض أصدقائه ينادونه اختصاراً «يوس».
كان شاباً بسيطاً، أبيض البشرة، حسن الملامح، ينتمي إلى عائلة متواضعة الحال. يعمل والده في شركة أهلية، ويسكن مع أفراد أسرته في منطقة نائية نسبياً عن المدرسة.
وكان عليه أن يقطع مسافة طويلة كل يوم للوصول إلى دراسته، ثم يعود إلى عمله الليلي في إحدى محطات تعبئة الغاز، ليجمع بين مسؤولية الدراسة ومتطلبات الحياة.
لم تكن أيامه سهلة؛ فالسهر والتعب وطول الطريق كانت أموراً تستنزف جسده، لكنه كان مثابراً، لا يتخذ من ظروفه الصعبة ذريعة للتراجع أو التقصير.
وكانت شخصيته هادئة، بعيدة عن المشكلات، محبوبة لدى زملائه، حتى إن المدرسة اختارته ليكون أحد الطلبة المتميزين في نشاطاتها.
وكان الاتحاد العام لطلبة العراق يعتمد نظاماً لاختيار ما يسمّى «قدوة الصف»، حيث يرشح الطلبة زميلاً من بينهم، ثم يجري التصويت لاختيار من تتوافر فيه الشروط المطلوبة، ومنها النشاط والانضباط والقدرة على التواصل مع الآخرين، فضلاً عن اهتمامه بالاتحاد.
وقد وقع الاختيار على يوسف، فصار محط تقدير زملائه، وحظي بقبول المدرسين والمدرسات، لما اتصف به من أدب وهدوء وتفوق دراسي.
وكان يشارك في مراسم رفع العلم صباح كل يوم خميس، كما اعتاد أن يؤدي الصلاة بصورة تقليدية تعلمها من والديه، من غير أن تكون لديه معرفة واسعة بأحكامها أو بأبعادها الروحية والفكرية.
فقد نشأ في بيئة بسيطة، ولم تتح له فرصة التعمق في الثقافة الدينية، ولا سيما أن النظام البعثي كان قد أحكم قبضته على كثير من المساجد والجوامع، وضيّق على المتدينين، حتى أصبح بعض الناس يتحاشون إظهار التزامهم الديني خوفاً من الملاحقة.
وهكذا كان يوسف يعيش بين عالمين: عالم المدرسة الذي تحكمه الشعارات والتنظيمات، وعالم داخلي يبحث فيه عن معنى أعمق للحياة، من غير أن يعرف بعدُ أين يجد ذلك المعنى.
مقداد… الوجه الآخر
كان مقداد مسؤولاً في الاتحاد العام لطلبة العراق، ويتولى متابعة عدد من المدارس الإعدادية، وكان يُنظر إليه بوصفه شخصية مهمة ضمن الهيكل التنظيمي.
قصير القامة، أسمر البشرة، جميل الملامح، ذو شعر مجعد، وابتسامة آسرة لا تفارق وجهه في أغلب الأحيان.
كان كثير الحركة، حاضر الذهن، حسن المعشر، لا يتكلف في حديثه مع الطلبة، ولا يتعالى عليهم رغم موقعه التنظيمي.
وكانت علاقته بالطلبة والطالبات تقوم على اللطف والاهتمام، حتى إنه كان يحرص على لقاء بعضهم بصورة منفردة، ويتابع أحوالهم الدراسية والاجتماعية.
ولذلك حظي بمحبة الكثيرين، ولم يكن من السهل أن يتصور أحد أن وراء تلك الشخصية البشوشة سراً كبيراً.
أما يوسف، فقد كان ينظر إلى مقداد من زاوية مختلفة؛ إذ لم يستطع أن يفهم سر اهتمامه به، ولا سبب حرصه على متابعة بعض المظاهر الدينية التي بدأت تنتشر بين الطلبة، ولا سيما الحجاب.
كان يوسف يلاحظ أن مقداد لا يتعامل مع هذه الأمور بعقلية المسؤول الذي يبحث عن المخالفات فحسب، بل كان يتأمل ويسأل ويتابع بطريقة توحي بأن وراء تصرفاته غاية أخرى.
وذات يوم، لاحظ يوسف أن بعض الطالبات المحجبات يتعرضن لمزيد من التدقيق والاستدعاء، وأن الأسئلة حول انتشار الحجاب بدأت تتكرر في أروقة الاتحاد.
وأخذ يشعر بأن ثمة عيوناً تراقب كل حركة، وأن مجرد أداء الصلاة أو الحديث في بعض القضايا الدينية قد يضع صاحبه في دائرة الشبهة.
وفي إحدى المرات، شاهد مقداد وهو يراقبه من بعيد.
كان يوسف قد فرغ من الصلاة، وجلس يستريح تحت إحدى الأشجار الكبيرة في ساحة المدرسة، بعد أن أنهكه يوم طويل من الدراسة والعمل.
أغمض عينيه قليلاً، مستمتعاً بنسيم الهواء وأصوات العصافير، فيما كان يحاول أن يخفف شيئاً من آلام التعب في ظهره وكتفيه.
وفي تلك اللحظة، أقبل مقداد ببدلته السفاري ذات اللون الرصاصي، التي اعتاد البعثيون ومسؤولو التنظيمات الأمنية ارتداءها.
اقترب منه مبتسماً، ثم قال:
ـ ما شاء الله يا يوسف! ألم تنتهِ من الصلاة حتى الآن؟
ارتبك يوسف قليلاً، ورفع رأسه إليه، ثم أجاب:
ـ بلى، لقد انتهيت منذ قليل، وكنت أستريح قبل العودة إلى البيت.
لم يعلّق مقداد كثيراً، وإنما ظل ينظر إليه بنظرة هادئة، وكأنه يريد أن يفتح معه حديثاً، لكنه لم يفعل.
ومضى في طريقه، تاركاً يوسف غارقاً في أفكاره.
قال يوسف في نفسه:
ترى، ماذا يريد مني هذا الرجل؟ هل كان يراقبني؟ وهل سيكتب عني تقريراً إلى الاتحاد؟
كان يدرك أن الوضع الأمني في تلك المرحلة لا يحتمل كثيراً من العفوية، وأن أموراً بسيطة قد تتحول إلى أسباب للاعتقال والتحقيق.
فقد أصبح الالتزام الديني، والانتماء إلى الحركة الإسلامية التي نشطت في العراق بقيادة السيد محمد باقر الصدر، أمراً يثير حساسية النظام وأجهزته.
وكان النظام ينظر بعين الريبة إلى كل نشاط يمكن أن يساهم في نشر الوعي الإسلامي بين الشباب، ولا سيما بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979، وما أحدثته من تأثير في أوساط المجتمع العراقي.
وكانت التقارير الأمنية كافية أحياناً لتغيير مصير إنسان، وربما مصير عائلة بأكملها.
ومع ذلك، لم يكن يوسف يعرف أن الرجل الذي أثار قلقه في تلك اللحظة سيكون لاحقاً من أعظم الأشخاص تأثيراً في حياته.
بداية الطريق
بعد يومين، وبينما كان يوسف في المدرسة، اقترب منه مقداد بابتسامته المعتادة.
قال له:
ـ السلام عليكم يا يوسف.
أجاب يوسف:
ـ وعليكم السلام، رفيق مقداد.
ابتسم مقداد وقال:
ـ هل تسمح أن نتمشى قليلاً باتجاه السد الترابية؟ أود أن أتحدث معك.
ظهرت علامات الارتباك على وجه يوسف، لكنه أجاب:
ـ نعم، بكل سرور، ولكن… هل هناك أمر معين؟
قال مقداد بهدوء:
ـ لا، لا يوجد أمر يستدعي القلق. أريد فقط أن نتعارف أكثر، وأن نصبح صديقين، إن لم يكن لديك مانع.
أجابه يوسف:
ـ أبداً، لا مانع لدي، بل يسعدني ذلك.
وانطلقا معاً باتجاه السد الترابية، وكان الطريق يبدو طويلاً، إلا أن الحديث اللطيف جعل المسافة أقصر مما توقع يوسف.
وبعد أن استقرا في مكان هادئ، التفت مقداد إليه وقال مازحاً:
ـ أخبرني يا يوسف، هل تراني رفيقاً بعثياً أم صديقاً عادياً؟
ضحك يوسف، وشعر بشيء من الارتياح، ثم أجاب:
ـ أنت رفيقنا ومسؤولنا، وهذا ما نعرفه عنك!
ابتسم مقداد، ثم قال بنبرة أكثر هدوءاً:
ـ هل تسمح لي بسؤال؟
ـ بكل تأكيد، تفضل.
ـ ماذا تعرف عن الخُميني؟
تغيّرت ملامح يوسف قليلاً، واضطربت أفكاره. لم يكن السؤال عادياً في تلك المرحلة؛ فالحديث عن الخُميني كان من الموضوعات الحساسة التي قد تجرّ على صاحبها عواقب خطيرة.
فكيف يسأل مسؤول في الاتحاد البعثي عن شخصية كهذه؟ ولماذا يريد أن يعرف رأيه فيها؟
استجمع يوسف أفكاره، وحاول أن يبدو متماسكاً، ثم قال:
ـ يا سيدي، كل ما أعرفه عن الخُميني أنه رجل دين إيراني!
ضحك مقداد، ولاحظ يوسف أن في وجهه شيئاً من الارتياح، لكنه لم يفهم سببه.
قال مقداد:
ـ وهل تعرف لماذا يُسمّى الخُميني؟
أجاب يوسف:
ـ لا أعرف أكثر من ذلك.
لم يكن مقداد يريد أن يطيل الحديث في تلك اللحظة، لكنه كان قد بدأ يكتشف في يوسف صفاءً فطرياً واستعداداً للتعلّم، ورأى فيه شاباً يمكن أن يفتح أمامه أبواباً جديدة من المعرفة.
كان يعلم أن كثيراً من الشباب يعيشون بعيداً عن الثقافة الإسلامية الأصيلة، لا لرفضهم لها، وإنما لأن الظروف المحيطة بهم، وما تركته السياسات القمعية من آثار، حالت بينهم وبين مصادر المعرفة.
وكانت غايته أن يساعد يوسف على اكتشاف هذا العالم بنفسه، وأن يترك له مساحة السؤال والتفكير، بعيداً عن الإكراه أو التلقين.
دروس في طريق المعرفة
لم تنتهِ تلك الجلسة بانتهاء الحديث، بل كانت بداية لسلسلة من اللقاءات.
أخذ مقداد يتحدث مع يوسف عن قضايا دينية وفكرية، ويسأله عن معلوماته، ثم يفتح أمامه موضوعات لم تكن مألوفة لديه.
كان يختار كلماته بعناية، ويضرب الأمثلة من الحياة اليومية، ويستثمر المواقف الاجتماعية ليوضح له معاني الالتزام والمسؤولية.
ومع مرور الوقت، أصبح يوسف ينتظر لقاءه، لا بدافع المجاملة، وإنما لما يجده في حديثه من راحة نفسية وإشباع فكري.
وكان مقداد يسأله بين حين وآخر:
ـ هل تعرف إمام زمانك؟
استغرب يوسف السؤال، وقال:
ـ أعرف الإمام علياً والإمام الحسين عليهما السلام، ولكن ماذا تقصد بإمام الزمان؟
ابتسم مقداد، وراح يشرح له عقيدة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، بوصفه خاتم الأوصياء من أئمة أهل البيت عليهم السلام، ويتحدث عن غيبته، وانتظار ظهوره، وما يرتبط بذلك من مسؤوليات إيمانية وأخلاقية.
كان يوسف يصغي إليه باهتمام بالغ. لقد شعر أنه أمام عالم جديد، وأن كثيراً من الأسئلة التي كانت تدور في ذهنه بدأت تجد طريقها إلى الإجابة.
وكان أسلوب مقداد الهادئ، وطريقته في الحوار، وابتسامته التي لا تفارقه، تجعل الحديث معه أقرب إلى جلسة صديقين منها إلى درس تقليدي.
ولم يكن مقداد يكتفي بالحديث عن العقائد، بل كان يربطها بالسلوك والعمل، ويؤكد أن الإيمان لا يكتمل بالكلام وحده، وإنما يظهر في الأخلاق والصدق والوفاء وتحمل المسؤولية.
حين يصبح الكتاب صديقاً
بدأ يوسف يتغير شيئاً فشيئاً.
أصبح أكثر اهتماماً بالقراءة، وراح يبحث عن الكتب والكتيبات الدينية والثقافية التي أشار إليها مقداد.
وكان كلما قرأ شيئاً عاد إليه بأسئلة جديدة، فيجيبه مقداد بما يمتلكه من معرفة، ويوجهه إلى مصادر أخرى تساعده على التوسع.
وكانت الكتب التي يتناولها يوسف تتعلق بالعقيدة والأخلاق وسيرة أهل البيت عليهم السلام، فضلاً عن قضايا الفكر الإسلامي المعاصر.
ومع كل قراءة، كان يشعر بأن معرفته تتسع، وأن نظرته إلى الحياة بدأت تتغير.
لقد اكتشف أن الصلاة التي كان يؤديها بصورة تقليدية يمكن أن تكون باباً واسعاً للمعرفة والارتباط بالله، وأن الالتزام الديني ليس مجرد عادات ورثها الإنسان عن أسرته، بل موقف واعٍ يقوم على المعرفة والقناعة.
وكانت هذه التحولات تظهر في حديثه وتصرفاته، حتى إن بعض زملائه لاحظوا اختلافاً واضحاً في شخصيته.
قال له أحدهم ذات يوم:
ـ يوسف، لقد أصبح حديثك مختلفاً! لم نعد نراك كما كنت من قبل.
ابتسم يوسف، ولم يعرف كيف يشرح له ما يجري في داخله.
أما مقداد، فكان يرى ثمرة جهده تنمو أمامه، وكان يفرح بكل خطوة يخطوها يوسف نحو المعرفة.
الخُميني… الحقيقة التي غُيّبت
عاد الحديث بينهما مرة أخرى إلى الإمام الخُميني.
وكان مقداد قد أدرك أن يوسف لا يعرف عنه إلا القليل، وأن الصورة التي يحملها في ذهنه لا تتجاوز ما وصل إليه من معلومات متفرقة.
فبدأ يحدثه عن مكانته العلمية والدينية، وعن دوره في الثورة الإسلامية في إيران، وعن موقفه من الظلم والاستبداد، وعن تأثير أفكاره في الصحوة الإسلامية.
وكان يوسف يستمع بدهشة.
فقد نشأ في بيئة إعلامية وسياسية لا تسمح له بالتعرف بحرية على هذه الشخصية، بل كانت تقدمها غالباً من خلال الصورة التي يريد النظام البعثي ترسيخها في أذهان الناس.
ومع ذلك، لم يكن يوسف يتصور أن شخصاً يحمل موقعاً تنظيمياً في حزب البعث يمكن أن يتحدث بهذه الطريقة عن الإمام الخُميني.
كان التناقض يثير دهشته، لكنه لم يكن قد اكتشف بعد حقيقة مقداد كاملة.
شخصية وراء الستار
كان مقداد يعرف جيداً طبيعة البيئة التي يعمل فيها.
فهو، في الظاهر، مسؤول بعثي في الاتحاد العام لطلبة العراق، وله علاقات تنظيمية واسعة، ويستطيع من خلال موقعه الوصول إلى كثير من الطلبة والمؤسسات التعليمية.
أما في الحقيقة، فقد كان يحمل مشروعاً إيمانياً وفكرياً، يسعى من خلاله إلى تعريف الشباب بالإسلام الأصيل، وتحصينهم بالمعرفة، وإبعادهم عن الأفكار التي تتعارض مع قيم الدين وتعاليمه.
وكان يدرك أن مهمته محفوفة بالمخاطر، وأن أي انكشاف لحقيقته قد يعرضه للاعتقال والتعذيب، وربما الإعدام.
ومع ذلك، لم يكن مستعداً للتخلي عن رسالته.
كان يرى أن الظروف الصعبة لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة للانسحاب، بل قد تكون سبباً لمضاعفة الجهد، وإعداد النفس لتحمل مسؤولية الانتماء إلى مدرسة أهل البيت عليهم السلام.
وكانت علاقته بيوسف تتعمق يوماً بعد آخر، حتى أصبحت لقاءاتهما من المحطات التي ينتظرها يوسف بشغف.
التفوق الدراسي… وفرحة لم تكتمل
مرّ العام الدراسي، وجاء موعد إعلان النتائج.
كان الطلبة يتجمعون في المدرسة، والوجوه تترقب ما ستسفر عنه الامتحانات.
أما يوسف ، فقد كان يترقب نتيجة مقداد، الذي عرف عنه الاجتهاد والذكاء.
وما إن أُعلنت النتائج حتى ظهرت فرحة يوسف واضحة؛ فقد حقق مقداد المرتبة الأولى على إعداديته، بمعدل عالي جدا.
كان ذلك إنجازاً يستحق التكريم، ولا سيما أن الدولة كانت تمنح المتفوقين هدايا تقديرية، ومن بينها السيارات للأساتذة الذين يحقق طلابهم مراتب متقدم.
لكن مقداد سبب التكريم لأنه الأول على الإعدادية لم يحصل على هدية رغم تفوقه.
وكان مقداد يعلق على الأمر مبتسماً، في إشارة إلى ما كان يراه من بخل المسؤولين في تقدير جهود الطلبة.
وبعد انتهاء المرحلة الإعدادية، انتقل مقداد إلى المعهد الزراعي، حيث استمر نشاطه وتفوقه.
أما يوسف، فقد دخل مرحلة جديدة من حياته، وأصبحت لقاءاته بمقداد أقل انتظاماً بسبب اختلاف أوقات الدراسة والظروف العملية.
ومع ذلك، لم تنقطع الصلة بينهما.
الفصل الثالث: اللقاء الذي كاد ألا يكون
في رحاب كربلاء
مرّت الأيام، وحلّ الخامس عشر من شعبان، ذكرى ولادة الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف.
كان يوسف قد عزم على زيارة كربلاء المقدسة مع بعض أصدقائه، رغم الظروف الأمنية الصعبة التي كانت تحيط بالبلاد.
فقد كانت تلك المرحلة تشهد تشديداً في الرقابة الأمنية، وكانت التجمعات الدينية والزيارات الشعبية تثير انتباه الأجهزة الأمنية، ولا سيما أن النظام كان ينظر بعين الريبة إلى كل نشاط يجمع المؤمنين خارج إطار سيطرته.
ومع ذلك، كان يوسف يشعر أن هذه الزيارة تحمل له معنى خاصاً.
لقد تذكر أحاديثه السابقة مع مقداد، وتذكر تشجيعه له على عدم التفريط بالزيارة الشعبانية، لما لها من أثر في تهذيب النفس وتقوية الصلة بالله تعالى وأهل البيت عليهم السلام.
وكان في داخله شوق إلى لقاء مقداد، وإن لم يكن يعرف إن كانت الأقدار ستجمعهما مرة أخرى.
وصل يوسف إلى كربلاء، وأدى مراسم الزيارة، ثم أخذ يتنقل بين الزائرين، مستحضراً في قلبه ما تعلمه من معاني الولاء والمحبة.
وبينما كان في إحدى المناطق القريبة من الحرم، لمح وجوهاً يعرفه، ثم أمعن النظر وإذا به مقداد.
لم يصدق يوسف عينيه في البداية. اقترب منه، ثم ما لبث أن أسرع الخطى نحوه، وكأنما وجد بعد طول غياب شيئاً عزيزاً كان يخشى فقدانه.
فتح ذراعيه، وعانقه بحرارة.
قال مقداد وهو يبتسم:
ـ أهلاً يوسف! كيف حالك يا عزيزي؟
لم يستطع يوسف أن يخفي فرحته، وقال:
ـ الحمد لله، أنا بخير. والله لقد اشتقت إليك كثيراً!
كان اللقاء مفاجئاً، لكنه حمل ليوسف سعادة كبيرة، فقد شعر بأن الله تعالى قد منحه فرصة جديدة للقاء إنسان ترك في نفسه أثراً عميقاً.
جلسا وتبادلا الحديث، وكان مقداد محاطاً بعدد من الزائرين، الأمر الذي جعل اللقاء يبدو عادياً أمام الآخرين.
لكن يوسف كان يشعر بأن وراء هذا اللقاء أموراً كثيرة تستحق التأمل.
خبر لم يكن متوقعاً
خلال الحديث، علم يوسف أن مقداد قد غيّر محل إقامته وعمله، وانتقل إلى الحوزة العلمية في النجف الأشرف، حيث أخذ يواصل نشاطه الديني والتبليغي بصورة أكثر حذراً.
وكان قد غيّر بعض عاداته وأماكن تردده، تجنباً لعيون الأجهزة الأمنية التي كانت تراقب تحركاته.
لقد أدرك أن الاستمرار في العمل الديني في ظل تلك الظروف يتطلب يقظة شديدة، وأن عليه ألا يمنح السلطة فرصة للوصول إليه.
ومع ذلك، لم يكن قد استسلم للخوف، بل واصل مسيرته، مستفيداً من كل فرصة تتاح له لنشر المعرفة وخدمة الدين.
فرح يوسف بهذا الخبر، وشعر بالاطمئنان على صديقه ومعلمه.
وبعد أن اطمأن عليه، استأذنه في الانصراف، وعاد إلى طريقه وهو يحمل في قلبه سعادة اللقاء، وبركة الزيارة.
ولم يكن يعلم أن تلك اللحظات ستكون آخر ما يجمعه بمقداد وجهاً لوجه.
الغياب الطويل
مرت سنوات، وانقطعت أخبار مقداد عن يوسف.
لم يعد يعرف أين يقيم، ولا كيف تسير أموره، ولم يكن قادراً على الوصول إليه بسهولة.
لكن ذكراه بقيت حاضرة في نفسه.
كان يتذكر أحاديثه، وطريقته في الشرح، وابتسامته، وكيف استطاع أن ينقل إليه معارف لم يكن يتصور أنه سيصل إليها في يوم من الأيام.
وكان كلما مرّ بموقف يذكّره به شعر بشيء من الحنين.
ثم جاء يوم صدر فيه قرار بإلحاق بعض المواليد بالخدمة العسكرية، وفق ما كان معمولاً به آنذاك.
وكان يوسف ممن شملهم القرار، فاضطر إلى تقديم أوراقه للالتحاق بالخدمة في إحدى وحدات التدريب بمحافظة ديالى.
ذهب إلى الجهة المختصة، وكان يحمل استمارته العسكرية، التي تضمنت معلوماته الشخصية والدراسية.
وبينما كان أحد المسؤولين يراجع الأوراق، توقف عند اسم المدرسة الإعدادية – اعدادية بغداد المهنية – التي تخرج منها يوسف.
رفع رأسه ونظر إلى يوسف ملياً، ثم سأله:
ـ هل أنت متأكد من اسم المدرسة؟
أجاب يوسف:
ـ نعم، هذا اسمها.
عاد الرجل إلى قراءة الاستمارة، ثم قال:
ـ هل سبق أن التقيت بأحد مسؤولي الاتحاد في تلك المدرسة؟
استغرب يوسف السؤال، وقال:
ـ ربما!
نظر إليه الرجل باستغراب، ثم قال:
ـ هل تعرف الرفيق مقداد؟
وذكر اسم والده.
توقف يوسف لحظة، وكأنما أصابته صدمة مفاجئة.
قال:
ـ نعم، تعرفه؟
أجابه الرجل:
ـ نعم، أعرفه جيداً.
لم يستطع يوسف أن يخفي دهشته، ثم قال:
ـ هل ما زال على قيد الحياة؟ وأين هو الآن؟
تغيرت ملامح الرجل، وانخفض صوته، ثم قال بحزن:
ـ يا أخي، هل كنت تعتقد أن مقداد كان رفيقاً بعثياً حقيقياً؟
صمت يوسف.
فأضاف الرجل:
ـ لقد كان متخفياً بذلك المظهر، ليتمكن من أداء رسالته المقدسة، وليأخذ بأيدي الشباب إلى طريق الإيمان والمعرفة.
شعر يوسف أن قلبه يخفق بشدة.
لقد بدأت الصورة التي طالما حار في تفسيرها تتضح أمامه.
ثم بادره بالسؤال:
ـ أرجوك، أخبرني عنه. ماذا جرى له؟
الفصل الرابع: حين تكشف الحقيقة وجهها
الخبر الذي أسقط الصمت
أطرق الرجل برأسه، وبدت على وجهه علامات الحزن، ثم قال بصوت خافت:
ـ أخي يوسف، أرجو أن تتماسك، فما سأخبرك به ليس أمراً سهلاً.
شعر يوسف بأن شيئاً خطيراً ينتظره، لكنه لم يستطع التراجع عن السؤال.
قال:
ـ أرجوك، أخبرني… ما الذي حدث لمقداد؟
تنهد الرجل، ثم أجاب:
ـ لقد استُشهد مقداد!
كانت الكلمة كافية لتسقط كل ما في المكان من أصوات.
تجمد يوسف في مكانه، وشعر وكأن الأرض قد انسحبت من تحته.
لم يستطع أن يستوعب ما سمعه، وأخذ يحدق في وجه الرجل محاولاً أن يتأكد من أنه لم يخطئ في فهم الكلام.
قال بصوت متقطع:
ـ ماذا تقول؟! مقداد؟! هل أُعدم؟!
أجابه الرجل:
ـ نعم يا أخي، لقد أُعدم، ومضى شهيداً إلى رحمة الله تعالى.
لم يتمالك يوسف نفسه، وانهمرت دموعه.
كان يستعيد في لحظات قصيرة مشاهد كثيرة من حياته مع مقداد؛ ابتسامته، وحديثه، وأسئلته، ولقاءاتهما عند السد الترابي، والكتب التي كان يرشده إليها، وتلك الزيارة الشعبانية التي جمعتهما في كربلاء.
كان يتذكر كل شيء، لكنه لم يكن يعرف أن الرجل الذي أحبه واحترمه إلى هذا الحد كان يعيش حياة محفوفة بالموت في كل لحظة.
كيف سقط مقداد؟
بعد أن هدأ يوسف قليلاً، قال لصاحبه:
ـ أرجوك، أخبرني كيف اعتُقل؟ وكيف انتهت حياته إلى هذا المصير؟
بدأ الرجل يروي له ما يعرفه.
قال:
ـ لقد انتقل مقداد من منطقة الأمين في بغداد إلى منطقة الناصرية، واتخذ لنفسه هناك مجالاً جديداً لمواصلة نشاطه الديني.
كان يشارك في التجمعات الدينية، ويلقي الكلمات التوجيهية والحماسية، ويستثمر الفرص المتاحة له للتواصل مع المؤمنين، مستفيداً من معرفته السابقة بطبيعة المجتمع وأحوال الناس.
لكن نشاطه لم يغب عن أعين الأجهزة الأمنية.
فقد كان أحد عناصر الأمن يتابع تحركاته، وكان اسمه معروفاً لدى بعض الجهات التي كُلّفت بمراقبة الشخصيات الإسلامية الناشطة.
وكان مقداد قد أدرك أن الخطر يقترب منه، لكنه لم يكن مستعداً للتخلي عن رسالته.
وفي أحد الأيام، وبعد انتهاء صلاة الجماعة، وبينما كان الحاضرون يستعدون لمغادرة المسجد، تقدم ذلك العنصر الأمني نحوه.
اقترب منه بهدوء، ثم أحاط به رجلان آخران.
وقبل أن يدرك المصلون ما يحدث، أخرج أحدهما الأصفاد، وأمسك الآخر به، واقتادوه إلى خارج المسجد.
كانت العملية سريعة ومباغتة، ولم يتمكن أحد من التدخل.
ثم أُركب في سيارة أمنية، وانطلقت به بعيداً عن أنظار الحاضرين.
ولم يكن أهله يعلمون بما حدث له في اللحظة نفسها، لكن خبر اعتقاله بدأ يتسرب شيئاً فشيئاً.
ومرت أيام قليلة، حتى وصل إليهم الخبر الذي لم يكن أحد يتمنى سماعه:
لقد أُعدم مقداد!
المعلم الذي بقي حياً
كان يوسف يستمع إلى الرواية وقلبه يعتصر ألماً.
لقد أدرك الآن أن ذلك الرجل الذي كان يمشي أمامه ببدلته السفارية، ويضحك معه، ويمازحه، ويسأله عن الخميني وإمام الزمان، لم يكن مجرد مسؤول في اتحاد الطلبة.
لقد كان صاحب رسالة، اختار أن يعيش في قلب الخطر، وأن يجعل من موقعه وسيلة للوصول إلى الشباب، لا طريقاً لتحقيق المصالح الشخصية.
كان يستطيع أن يبتعد عن هذا الطريق، وأن يعيش حياة أكثر أمناً وراحة، لكنه اختار أن يحمل همّ العقيدة، وأن يواصل عمله رغم ما كان يحيط به من تهديدات.
وكانت أعظم مفارقة في حكايته أن الرجل الذي بدا ليوسف في البداية ممثلاً لسلطة النظام، كان في الحقيقة يعمل على إنقاذ الشباب من آثار ذلك النظام وأفكاره.
لم يكن مقداد يريد أن يصنع من يوسف تابعاً له، بل أراد أن يفتح أمامه أبواب المعرفة، حتى يصبح قادراً على التفكير والتمييز واتخاذ موقفه عن وعي.
ولهذا لم تكن دروسه مجرد معلومات دينية، بل كانت بناءً لشخصية إنسانية مؤمنة.
الثمرة التي لا تموت
عاد يوسف إلى بيته، لكنه لم يعد كما كان.
لقد حمل معه من ذلك اللقاء حقيقة جديدة عن الإنسان والرسالة والتضحية.
كان يتأمل كيف يستطيع إنسان واحد أن يترك كل هذا الأثر في حياة الآخرين، وكيف يمكن لكلمات صادقة أن تبقى حية حتى بعد رحيل صاحبها.
لقد غاب مقداد جسداً، لكن ما زرعه في نفس يوسف لم يغب.
فالكتب التي أرشده إليها بقيت شاهدة على تلك الرحلة، والمعارف التي فتح أبوابها أمامه أصبحت جزءاً من تكوينه الفكري والروحي.
وكان يوسف يشعر أن عليه أن يحفظ هذا الأثر، وأن يكون وفياً لذلك المعلم الذي لم يطلب منه مقابلاً، ولم ينتظر منه شكراً، وإنما أراد له أن يعرف طريقه إلى الله.
وهكذا أدرك أن بعض الأشخاص لا يُقاس أثرهم بطول أعمارهم، بل بما يتركونه في نفوس الآخرين من نور ومعرفة ووعي.
لقد ظن الطاغية أن المشانق قادرة على إنهاء الرسالة، وأن الإعدام يستطيع أن يمحو آثار الرجال، لكنه لم يدرك أن الكلمة الصادقة قد تعيش بعد صاحبها أجيالاً.
وأن الدم الذي يُراق دفاعاً عن العقيدة والكرامة لا يتحول إلى ذكرى عابرة، بل قد يصبح بذرة تنبت في قلوب لم تكن تعرف صاحبها من قبل.
الخاتمة: سلامٌ على مقداد
يا لها من حكاية!
رجلٌ عاش بين الناس بوجه، وحمل في قلبه عالماً آخر؛ دخل المؤسسات التي أرادها الطغاة أدواتٍ للسيطرة، واتخذ منها سبيلاً للوصول إلى الشباب، وفتح أمامهم نوافذ المعرفة في زمن أُغلقت فيه الأبواب.
لم يكن مقداد مجرد صديق ليوسف، بل كان معلماً ومرشداً، وسبباً في انتقاله من المعرفة البسيطة إلى البحث والوعي، ومن التدين الموروث إلى الالتزام القائم على الفهم والبصيرة.
لقد رحل مقداد، لكن يوسف ظل يحمل شيئاً منه في كل خطوة.
وهكذا انتهت حياة رجل، وبدأت في حياة آخر رسالة جديدة.
فكم من مقدادٍ صنعته المحن، وكم من يوسفٍ وجد طريقه على يدي إنسان صادق!
وكم من طاغية ظن أن الإعدام نهاية الحكاية، فإذا به لا يفعل سوى أن يمنحها بداية أخرى.
سلامٌ على روح مقداد، يوم وُلد، ويوم استُشهد، ويوم يُبعث حياً.
وسلامٌ على الشهداء والصالحين، وحَسُن أولئك رفيقاً.
انضموا لقناتي المتواضعة مازن الولائي .”
https://t.me/mazinalwalae




