جبل الفأس وكسر المحرّم النووي.. فهل تدفع الضغوط النفسية والسياسية ترامب ونتنياهو إلى التفكير بالخيار النووي التكتيكي ضد إيران؟!
عدنان علامه – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين ||

لم يعد الخطر في المواجهة الأميركية ـ الإسرائيلية مع إيران محصوراً في اإحتمال اتساع الحرب أو تدمير المنشآت العسكرية والنووية فقط. فثمة سؤال أخطر يفرض نفسه: هل يمكن أن تتضافر الضغوط السياسية والنفسية، مع تعثّر الخيارات العسكرية التقليدية، لتدفع ترامب ونتنياهو إلى التفكير باستخدام سلاح نووي تكتيكي ضد منشأة إيرانية شديدة التحصين، مثل المنشأة المعروفة إعلامياً باسم «جبل الفأس»؟
هذا السؤال لا يعني أن قراراً نووياً قد اتُّخذ، ولا أن استخدامه أصبح حتمياً. لكنه إحتمال بالغ الخطورة لا يجوز استبعاده لمجرد أن العالم اإعتاد اعتبار السلاح النووي محرّماً لا يمكن الاقتراب منه.
وهذا السؤال لم يأتِ من فراغ، لأن تصريحات ترامب التصاعدية وتأكيده على سحق إيران، وحرصه على الأرواح، وتأكيده حرمان إيران حتى من حقها القانوني في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، إلى جانب ذكر الصحفي تاكر كارلسون الموضوع ونشر مقال في جريدة النهار اليوم حول الموضوع ذاته.
وأنطلقت في تحليلي من تصريحات ترامب والوضع السياسي لكل من ترامب ونتنياهو في الإنتخابات.
وخاصة تراجع نسبة التأييد الشعبي لترامب.
أولاً: من التهديد الساحق إلى التلويح بإنهاء الحرب
في العبارات التي قالها ترامب خلال التصعيد الأخير، تتدرج اللغة من التهديد العسكري المباشر إلى الإيحاء بالحسم السريع، ثم إلى تقديم الحرب باعتبارها عملية يمكن إنهاؤها قريباً:
– التهديد بـ«ضربة ساحقة».
– الحديث عن «ضربة سريعة وساحقة».
– القول إن «الحرب ستنتهي قريباً جداً».
– تبرير الموقف بالقول: «أريد إنقاذ الأرواح».
– تكرار اللازمة السياسية: «لن أسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي».
إن قراءة هذه العبارات مجتمعة تكشف خطاباً يقوم على التهديد بالقوة القصوى، مع تقديم التصعيد باعتباره طريقاً إلى إنهاء الحرب وإنقاذ الأرواح. وهنا تكمن المفارقة: كيف يمكن أن يصبح التهديد بتوسيع التدمير وسيلة معلنة لإنقاذ الأرواح؟
ثانياً: نتنياهو بين مأزق البقاء السياسي وإغراء التصعيد
لا يمكن فصل قرار الحرب عن المأزق السياسي الذي يواجهه نتنياهو. فاستمرار المواجهة قد يتيح له إبقاء الأمن والحرب في صدارة المشهد السياسي، ويؤخر تحوّل النقاش الداخلي إلى محاسبة على الإخفاقات والانقسامات.
كما أن الانقسام الإسرائيلي الحاد، والحديث عن انتخابات مبكرة، والضغوط التي تواجه حكومته، كلها عوامل تجعل نتائج الحرب ذات تأثير مباشر على مستقبله السياسي. وإذا كان استمرار الحرب يمنحه فرصة لتأجيل الاستحقاقات، فإن تحقيق إنجاز عسكري كبير قد يُقدَّم داخلياً باعتباره انتصاراً يعيد ترميم صورته.
لكن يجب التمييز قانونياً بين حكومة تصريف أعمال وحكومة قائمة تمارس صلاحياتها خلال أزمة سياسية؛ فاستمرار نتنياهو في منصبه لا يعني تلقائياً أن حكومته حكومة تصريف أعمال بالمعنى الدستوري. ويجب تثبيت الوضع الحكومي وتاريخه من مصدر إسرائيلي رسمي قبل اعتماد هذا الوصف.
ثالثاً: ترامب والأنا السياسية والحاجة إلى انتصار
يواجه ترامب بدوره ضغوطاً داخلية، خصوصاً عندما تتراجع شعبيته أو تتزايد الانتقادات لسياساته الخارجية والاقتصادية.
وقد أظهر استطلاع لشبكة إن بي سي نيوز (نُشر في 2 تشرينرالثاني/نوفمبر 2026) أن 60% من الأمريكيين غير راضين عن أداء الرئيس ترامب.
فقد أشارت استطلاعات أخرى (مثل رويترز/إبسوس في سبتمبر 2026 وبوليتيكو في أكتوبر 2026) إلى تصاعد القلق بين الناخبين.
سياسياً، قد يرى أي رئيس يواجه تراجعاً في التأييد، أنه بأمس الحاجة إلى تحقيق انتصار خارجي سريع وسهل التسويق إعلامياً يمكن أن يعيد توجيه الاهتمام الداخلي. لكن إيران ليست هدفاً يمكن ضمان إخضاعه بضربة واحدة، والتصعيد معها قد يتحول إلى حرب إقليمية طويلة ومكلفة.
وهنا تظهر خطورة شخصية القرار عندما تتداخل المصلحة الوطنية مع صورة القائد الشخصية.
فالرئيس الذي يربط مكانته بإظهار القوة وعدم التراجع قد يجد صعوبة في الاعتراف بفشل التهديدات أو قبول تسوية لا يستطيع تقديمها باعتبارها انتصارًا.
رابعاً: البعد النفسي… حين تتحول الأنا المتفجرة إلى عامل في قرار الحرب،
فإنه يمكننا تحليل السلوك السياسي العلني ومظاهرهلكل من نتنياهو وترامب.
ففي خطاب نتنياهو، تتكرر صورة الصراع الوجودي، وتقديم إيران باعتبارها تهديداً استراتيجياً لا يمكن التعايش معه. وفي خطاب ترامب، تتكرر شخصنة القوة، والتأكيد على القدرة على فرض الإرادة، وتقديم القرارات الكبرى باعتبارها دليلاً على تفوق القائد وحسمه.
هذه السمات تثير سؤالاً سياسياً بالغ الأهمية: ماذا يحدث عندما يجتمع قائد يرى أن بقاءه السياسي مرتبط باستمرار المواجهة، مع رئيس يجعل صورته الشخصية وهيبته جزءاً من قراره الاستراتيجي؟
إن أخطر ما في هذا التداخل هو احتمال أن يصبح التراجع عن التهديد، أو قبول تسوية، أصعب نفسياً وسياسياً من الاستمرار في التصعيد. وعندما يُصوَّر الخصم باعتباره تهديدًا وجوديًا، قد تتراجع مساحة التفكير العقلاني في الكلفة والنتائج.
خامساً: جبل الفأس والخيار النووي التكتيكي
تكتسب منشأة «جبل الفأس» أهمية خاصة في هذا النقاش بسبب التقارير التي تتحدث عن تحصينها وعمقها. فإذا عجزت الأسلحة التقليدية عن إحداث التأثير العسكري المطلوب، فقد يظهر داخل دوائر القرار من يدعو إلى خيارات أشد تدميرًا؛ ٱخذين بعين الإعتبار أن القنابل الخارقة للإعماق نوع GBU-57 قد فشلت في للوصول إلى المنشآت النووية في جبل الفأس في كل عدوان على إيران.
لكن امتلاك سلاح نووي تكتيكي لا يعني أنه قادر تلقائياً على تدمير منشأة عميقة دون عواقب.
فالانفجار النووي لا يقتصر أثره على الهدف، بل قد يخلّف تلوثاً إشعاعياً وبيئياً، ويعرّض السكان والمنشآت المدنية والمياه والتربة لمخاطر تتجاوز حدود الموقع المستهدف ولمدة طويلة جدًا جدًا .
ولا يجوز إعتبار صعوبة تدمير منشأة عسكرية مبررًا لإستخدام السلاح النووي. فقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 8 تموز 1996 أن قواعد القانون الدولي الإنساني تنطبق على استخدام الأسلحة النووية، وأن التهديد باستخدامها أو استخدامها يكون عموماً مخالفًا لقواعد القانون الدولي المطبقة في النزاعات المسلحة، مع الإشارة إلى استثناء بالغ الضيق لم تحسم المحكمة حكمه النهائي المتعلق بظروف الدفاع عن بقاء الدولة.
والأهم من دلك فإن ترامب ونتنياهو لا يملكان أية صلاحية للعدوان على إيران أو غيرها من البلدان.
سادساً: لماذا يجب التحرك قبل صدور القرار؟
إن تكرار عبارة «لن أسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي»؛ لا يمنح أي قائد تفويضاً مفتوحاً باستخدام كل أنواع الأسلحة. فالحيلولة دون الإنتشار النووي هدف لا يبرر تدمير القانون الدولي أو تعريض شعوب المنطقة لكارثة إشعاعية.
كما أن إيران والفكر الشيعي الثوري والمهدوي ومحور المقاومة لا يجوز تحويلهم إلى ذريعة لنزع الصفة الإنسانية عن شعوب بأكملها، أو تصوير العدوان عليهم باعتباره معركة وجودية لا تنتهي إلا بإخضاعهم أو إبادتهم.
فالمطلوب تحرك وقائي من الكونغرس الأميركي، والأمم المتحدة، ومجلس الأمن، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، والدول الموقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، للضغط من أجل إعلان واضح برفض استخدام السلاح النووي، وفتح مسار دبلوماسي يمنع الانزلاق إلى مواجهة لا يمكن احتواء نتائجها.
لسنا بحاجة إلى إثبات أن ترامب أو نتنياهو اتخذا قراراً باستخدام السلاح النووي حتى نطالب بمنع ذلك. يكفي أن تتضافر لغة التهديد، وضغوط البقاء السياسي، وشخصنة القرار، والتعامل مع الخصم باعتباره تهديداً وجودياً، حتى يصبح واجباً على المجتمع الدولي التحرك قبل فوات الأوان.
إن استخدام السلاح النووي لن يكون انتصاراً لأميركا أو إسرائيل، ولن يكون مجرد هزيمة لإيران؛ بل سيكون هزيمة للقانون الدولي، وتهديداً لمستقبل المنطقة، ووصمة في ضمير البشرية.
لا تجعلوا جبل الفأس ذريعة لكسر المحرّم النووي.
فالعالم لا يحتاج إلى هيروشيما وناغازاكي جديدتين كي يثبت أن السلاح النووي قادر على إنهاء المشروع السلمي الإيراني للطاقة النووية.
وإنَّ غدًا لناظره قريب
02 تشرين الثاني/نوفمبر 2026
تبصرة؛ نظرًا لدقة الموضوع وخطورته رأيت من الواجب ذكر الوثائق والمراجع الأساسية الذي إستندت عليه في تحليلاتي :
1. الجزيرة نت، 27 نيسان 2026: «صواريخ وقنابل خارقة للتحصينات.. إيران تبدأ الهندسة العكسية لأسلحة أمريكية».
https://www.aljazeera.net/news/2026/4/27/صواريخ-وقنابل-خارقة-للتحصينات-إيران
2. الجزيرة نت، 19 حزيران 2025: «جي بي يو-57: قنابل أميركية خارقة للتحصينات قصفت مواقع نووية إيرانية».
https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2025/6/19/جي-بي-يو-57-قنابل-أميركية-خارقة
3. إيران إنترناشيونال، 1 كانون الأول 2025: تقرير عن القلق الأميركي من احتمال الهندسة العكسية لقنبلة أميركية غير منفجرة عُثر عليها في لبنان.
https://www.iranintl.com/ar/202512016799
4. الشرق للأخبار: مادة مصوّرة عن نقل قنبلة خارقة للتحصينات غير منفجرة في إيران.
https://www.facebook.com/asharqnews/videos/908717331912203/
5. محكمة العدل الدولية: الرأي الاستشاري بشأن مشروعية التهديد بالأسلحة النووية أو استخدامها، 8 تموز 1996.




