خربشات من الذاكرة.. الجزء الثاني..!
أمين السكافي ||

كان حزيران من العام 1982، وكنت قد ولجت عامي الثاني عشر. لم أكن في عمر يسمح لي بأن أفهم السياسة، ولا في مرحلة من العمر تجعلني معنيّاً بما يدور حولي من صراعات وحروب. كل ما كنت أعرفه عن السياسة يومها هو مشهد المسلحين وهم يحملون بنادقهم، ويمتطون سياراتهم العسكرية أو المدنية، ويجوبون الشوارع، وكأن العدو قد يختبئ عند أحد المفارق أو في قبو أحد المباني. وكنا كثيراً ما نشهد، بالسمع، اشتباكات تدور بين تنظيمين مختلفين. أما لماذا بالسمع؟ فلأن والدتنا، رحمها الله، ربّتنا على أن الخوف أول ما ينبغي أن نتعلمه حين تبدأ الرصاصات بالكلام. كان مكانها المفضل عند سماع الاشتباكات حمّام المنزل، وكأن جدرانه الصغيرة تستطيع أن تحمينا من جنون عالم قرر أن يختبر قسوته فوق رؤوسنا.
بدأت الأخبار تتوالى إلى مسامعنا: الجيش الإسرائيلي بدأ باحتلال أجزاء من الجنوب، وخلال أيام سيكون في صيدا. لم يكن لي موقف مما يجب أو لا يجب فعله، ولم تكن لدي القدرة على استيعاب معنى أن يدخل جيش غريب إلى مدينتنا. كنت طفلاً، وكل ما أعرفه أن الكبار يتحدثون بقلق، وأن وجوههم لم تعد تشبه وجوههم المعتادة، وأن شيئاً ثقيلاً يقترب من بيوتنا، وإن لم نكن نراه بعد.
وعندما اقترب الصهاينة من صيدا، اجتمع الناس والجيران على فكرة واحدة، وكأنها وُلدت في عقل جماعي لم يحتج إلى اجتماع أو نقاش: الذهاب إلى بوابة مدرسة الراهبات، طلباً للأمان في ملجئها، أو ربما في ذلك الصليب المحفور أعلى بنائها.
والآن، وبعد كل هذه السنوات، يتبادر إلى ذهني سؤال لم يخطر لي يومها: كيف عرف الناس أصلاً بوجود ملجأ في هذه المدرسة الإرسالية؟ من أخبرهم؟ ومن دلّهم على أن خلف تلك الجدران مكاناً يمكن أن يحتمي فيه الناس من نار الحرب؟ حقاً لا أعرف، وربما لم يكن السؤال مهماً في زمن كان فيه الإنسان يبحث عن أي سقف يحول بينه وبين الموت.
في البداية، كان هناك رفض من الراهبات لاستقبال الناس، فهن يعشن في عزلة اعتدنها، وربما كنّ يفضلن أن تبقى تلك العزلة مصونة عن ضجيج العالم ومآسيه. لكن إصرار بعض الذين تربطهم بهن معرفة، وكان أبي رحمه الله واحداً منهم، جعل الرفض يتراجع أخيراً، وفُتحت الأبواب.
أحضرنا بعض الأغراض من المنزل، ونزلنا إلى الملجأ. كان كبيراً، طابقاً واحداً تحت الأرض، تتخلله شبابيك في أعلاه تسمح بدخول الضوء والهواء من الخارج. كان مجهزاً ببعض الأسرّة، وبضعة حمامات، وسبيل ماء. وربما لم تكن تلك التجهيزات تعني شيئاً في حسابات الكبار، لكنها بالنسبة إلينا كانت كل ما نحتاج إليه لنشعر بأننا ما زلنا نعيش حياة تشبه الحياة.
توجه الجيران إلى هناك زرافات ووحداناً، وكأن المدرسة تحولت إلى سفينة نوح، تستقبل كل من يبحث عن نجاة، دون أن تسأل عن اسمه أو طائفته أو مقدار ما يملك. أغنياء وفقراء ومتوسّطو الحال، تلك الفئة التي كانت لا تزال موجودة في مجتمعنا آنذاك، وجدوا أنفسهم تحت سقف واحد، يتقاسمون الخوف نفسه، وينتظرون المصير نفسه.
ولعل الحرب، على قسوتها، كانت تعرف كيف تنتزع من الناس الفوارق التي صنعوها بينهم في أوقات الرخاء. هناك، في ذلك الملجأ، لم يكن أحد أغنى من أحد، ولم يكن للفقر امتياز على الغنى. كان الجميع متساوين أمام احتمال أن لا يروا الصباح.
بدأ القصف المجنون، ولم أعد أذكر كم بقينا في الملجأ. كل ما أذكره أنني كنت متحلقاً مع إخوتي الثلاثة حول أمي، رحمها الله، وهي تمسك بيدها لوحاً من الشوكولا، تدير نظرها في وجوهنا، وتفكر كيف ستقسمه بيننا. لم يعد هناك طعام، أو ربما لم يعد متاحاً ما يكفي لإطعام الجميع. كان لوح الشوكولا الصغير يومها أكبر من حجمه بكثير؛ كان آخر ما تملكه أم تحاول أن تمنح أبناءها شيئاً من الفرح وسط عالم ينهار.
وكم من الأشياء الصغيرة تكبر في الذاكرة حين نفقدها! لم تكن أمي تفكر في طعم الشوكولا بقدر ما كانت تفكر في عدالة تقسيمه بين أبنائها. كانت تحاول، حتى في تلك اللحظة، أن تمنع الخوف من أن يسرق منا طفولتنا، وأن تجعل من قطعة حلوى عابرة عيداً صغيراً في قلب الكارثة.
أما أنا، فلم يكن يشغل تفكيري الطعام، ولا مصير المنزل، ولا حتى سبب كل هذا القصف. كان لدي سؤال واحد ظل يلحّ عليّ: إذا قُصفنا وقُتلنا جميعاً، فهل سيذكرون أسماءنا في الراديو أو التلفزيون. حقا كم الطفولة ساذجة .
سألت أمي، فأسكتتني بعصبية. ربما لم تحتمل أن تسمع من فم طفلها احتمال موته، وربما كانت هي نفسها تخشى السؤال الذي عجزت عن الإجابة عنه. لم أفهم غضبها يومها، لكنني أفهمه الآن. فالأم التي تحاول تقسيم لوح شوكولا على أربعة أطفال، لا تريد أن تتخيل للحظة أنها قد تفقدهم جميعاً.
كانت ليلة طويلة، ليلة لم يتوقف فيها القصف بتاتاً. لم يكن الليل ليلاً بالمعنى الذي نعرفه؛ فقد تحولت السماء إلى مساحة من النار والصوت، وصار الزمن يقاس بين انفجار وآخر. وفي الصباح التالي، ساد بعض الهدوء. لا أعرف من أين جاءت فكرة أن هناك هدنة قصيرة، ولا من الذي نقل الخبر، لكن الناس بدأوا يتصرفون على أساس أن أمامهم فسحة صغيرة لالتقاط الأنفاس وتدبير ما يلزمهم.
خرجت مع أبي لجلب بعض الأغراض، وعلى رأسها الطعام طبعاً. شاهدنا بعض الجيران يتوجهون إلى بيوتهم، وكأن كل واحد منهم يريد أن يتأكد أن بيته ما زال هناك، وأن الجدران التي تركها بالأمس لم تتحول إلى ركام. كان أبي يجهز الأغراض، بينما كنت أقف في الخارج، أمد عينيّ في الشارع، أبحث عن وجه أعرفه، أو عن أحد رفاقي الذين اعتدت أن أراهم في الأزقة والطرقات.
كنت أحاول أن أستعيد شيئاً من عالمي الصغير، ذلك العالم الذي لم يكن يعرف من الحياة سوى اللعب والأصدقاء والطرقات التي ألفناها. لم أكن أعلم أن تلك الطفولة التي تركتها خلفي عند باب الملجأ لن تعود كما كانت، وأن الحرب لا تكتفي بتدمير البيوت، بل تتسلل إلى أعمارنا، وتترك في داخلنا غرفاً مظلمة لا نكتشفها إلا بعد عقود.
وقفت هناك، بين أبي الذي يجمع ما تيسر من حاجيات، وشارع يحاول أن يستعيد سكونه، وعينين تبحثان عن رفيق، دون أن تعرفا أن الذاكرة ستحتفظ بتلك اللحظة طويلاً.




