مصرف الرشيد وشركة الدفع الإلكتروني.. معاملات المواطنين رهينة الروتين والفوضى..!
عامر جاسم العيداني ||

أغرب ما يمكن أن يواجهه المواطن في مراجعات الدوائر والمؤسسات المالية أن يجد نفسه أمام سلسلة من الإجراءات المعقدة التي لا تنسجم مع أبسط مفاهيم الإدارة الحديثة ولا تتناسب مع ما يعلن من خطط للتطوير والتحديث. وهذا ما حدث معي شخصيا عند مراجعتي مصرف الرشيد / شركة وحدة الدفع الإلكتروني في البصرة لغرض استبدال بطاقة الراتب (الماستر كارد).
توجهت إلى الموظف المعني عند الشباك رقم (8) وسلمته المستمسكات المطلوبة وهي الباركود وبطاقات التقاعد والوطنية والسكن وبعد أن دون المعلومات المطلوبة حدد لي موعدا للمراجعة ومقابلة مدير المصرف بعد أكثر من أربعة أيام ثم طلب مني استكمال إجراءات المعاملة في مكتب الاستنساخ الموجود خارج المصرف.
وهنا بدأت فصول الحكاية التي تستحق أن تتوقف عندها إدارة المصرف طويلا !
توجهت إلى مكتب الاستنساخ فقام صاحبه باستنساخ جميع المستمسكات مقابل ثلاثة آلاف دينار ثم طلب مني مراجعة شخص آخر نصب طاولة على الرصيف وكأننا أمام دائرة موازية للمصرف لا علاقة لها بالمؤسسات الرسمية أخرج الرجل استمارة تعود إلى المصرف وطلب مني تسليمه جميع المستمسكات مجددا وشرع بتدوين المعلومات المطلوبة ثم طلب مني التوقيع على الاستمارة ووضعها داخل ملف مقابل ألف دينار أخرى قبل أن يعيدني إلى المصرف لاستكمال الإجراءات.
أربعة آلاف دينار دفعها المواطن خارج المصرف بين استنساخ أوراق وملء استمارة وتجهيز ملف في إجراءات كان يفترض أن تكون واضحة وميسرة وأن تنجز ضمن منظومة إدارية منظمة لا أن يترك المواطن يتنقل بين موظف ومكتب استنساخ وطاولة منصوبة على الرصيف!
والأغرب من ذلك كله أن المصرف حدد لي موعد المراجعة بعد أكثر من أربعة أيام رغم أنني لم ألحظ وجود مراجعين آخرين للغرض نفسه في ذلك الوقت مع وجود مراجعين آخرين ينجزون معاملات مختلفة لدى موظفين آخرين. كما سمعت تذمرا واستغرابا من أصحاب مكتب الاستنساخ أنفسهم بشأن طول مدة الانتظار التي حددت لإنجاز معاملة لا تبدو في ظاهرها بحاجة إلى كل هذا التعقيد.
وعدت الى المصرف في اليوم المحدد متوجها الى مديرة المصرف عند شباك رفم 10 وسلمتها اوراقي والمستمسكات وسألتني عندك موعد وهو محدد على وجه المستند الاول وقامت بتدقيق المستمسكات مع الاستمارة التي ملئت من قبل كاتب الرصيف وطلبت مني الجلوس وانتظار صوت مناداة من شباك رقم 5 حيث تم الاستفسار عن رقم هاتفي وبطاقة الماستر واستلمت قصاصة ورق فيها ارقام ووجهتني الى شباك رقم 11 وتم املاء استمارة معلومات اخرى وتم تحويلها الى المديرة لتوقعها وتختمها وعدت أدراجي الى شباك رقم 5 سلمت الاستمارة وطلبت مني الموظفة الانتظار واخذت لي مقعدا منتظرا الصوت الذي ينادي بإسمى ، واستغليت الوقت بمراقبة اداء الموظفين الذين توزعوا على عدة نوافذ وللشهادة ان العمل وخدمة المراجعين كان يسير بانسيابية .. ولكن يبقى الانتظار وقتا طويلا ومملا للوصول الى المرحلة النهائية لاستلام بطاقة الماستر .. وعند كرسي الانتظار تداولنا الحديث من المراجعين وكل واحد منهم يشكو همه من الاجراءات الطويلة والانتظار وهناك من يشكو من سوء المعاملة من فبل المديرة ولا حظت انها جافة في تعاملها مع المراجعين ، احد المراجعين عانى من معاملتها وذهب مشتكيا لدى مفتشية المصارف عن سوء المعاملة وتأخير الإنجاز بسبب فقدان الباركود لدى احد الموظفين ورغم تأييد الموظف بأن الباركود موجود على الحاسبة رفضت انجاز معاملته حتى جاءها التوجيه من المفتشية بضرورة انجاز معاملة المواطن ورغم هذا التوجيه قامت بوضع معاملته اسفل بقية المعاملات رغم انها تحتاج فقط توقيع وتقصدت ذلك الى نهاية الدوام … وبعد انتظار دام ساعتين تمت مناداتي من شباك رقم ٦ لأخذ بصمة العين وتم تحويل المعاملة الى مكتب الشركة لاصدار بطاقة ماستر جديدة وتوجهت اليه وأخذ لي صورة بصمة العين ايضا ووجهني الموظف الى مكتب الاستنساخ ايضا وتم استنساخ كافة المستمسكات ودفعت ثلاثة آلاف دينار ايضا وعدت اليه وبصمت في سجل واستلمت الماستر بعد ثلاث ساعات من المعاناة.
وهنا نضع إدارة مصرف الرشيد وشركة وحدة الدفع الإلكتروني أمام أسئلة مشروعة: لماذا يحتاج استبدال بطاقة الراتب إلى كل هذه الحلقات الإجرائية؟ ولماذا لا تنجز المعاملة إلكترونيا أو عبر نافذة واحدة داخل المصرف؟ وما مبرر إحالة المواطن إلى أشخاص ومكاتب خارج المؤسسة ما دام الأمر يتعلق بمعاملة مصرفية رسمية؟ وهل تخضع هذه الإجراءات لرقابة إدارية واضحة وهل توجد تعليمات معلنة تحدد التكاليف والمدة المطلوبة لإنجاز المعاملة؟
إننا لا نتهم أحدا بمخالفة قانونية لكننا نطالب بتوضيح رسمي يبدد التساؤلات ويضمن الشفافية ويحمي المواطن من الأعباء غير الضرورية.
إن مصرف الرشيد مؤسسة مصرفية عريقة وقد ترددت خلال السنوات الماضية تصريحات وأخبار عن إعادة هيكلته وتطوير خدماته لكن التطوير لا يقاس بالشعارات ولا بالتصريحات الإعلامية بل بمدى قدرة المؤسسة على اختصار الوقت وتبسيط الإجراءات وصون كرامة المواطن وتقديم خدمة تليق بمؤسسة مالية حكومية.
فإذا كان استبدال بطاقة راتب يتطلب كل هذه المعاناة فأين ذهبت الإدارة الحديثة والتحول الرقمي؟
إننا نطالب إدارة المصرف والجهات الرقابية المختصة بمراجعة هذه الإجراءات والتحقق من أسباب تحديد مواعيد بعيدة وتوضيح طبيعة التعامل مع المكاتب والأشخاص الموجودين خارج المصرف والعمل على اعتماد نافذة واحدة تنجز فيها المعاملة من دون تنقلات غير مبررة أو تكاليف إضافية.
فالمواطن الذي أفنى سنوات عمره في خدمة الدولة ثم ينتظر راتبه التقاعدي لا ينبغي أن يتحول إلى حلقة في سلسلة من الروتين ولا أن يترك وحيدا أمام إجراءات تستهلك وقته وماله وأعصابه.
إن احترام المواطن ليس منة من أي مؤسسة بل واجب إداري وأخلاقي والإصلاح الحقيقي يبدأ حين يشعر المواطن أن المؤسسة وجدت لخدمته لا لكي تضيف إلى معاناته معاناة أخرى.




