الأحد - 01 نوفمبر 2026

“تشرين” مجرد فوضى وأبعد ما يكون عن الثورة..!

منذ 4 ساعات
الأحد - 01 نوفمبر 2026

 إياد الإمارة ||

 

ياد الإمارة

 

 

لم تكن أحداث تشرين -في تقديري- ثورة تستحق أن تُـعلَّـق على جدران الذاكرة العراقية بوصفها حراكاً جماهيرياً مطلبياً وإنما كانت حالة بدأت احتجاجية نوعاً ما لكنها انحدرت بقوة إلى فوضى عارمة في كل شيء وقد كشفت ممارسات محرّكيها عن خلل عميق في فهم الدولة والعقيدة والقانون والقيم! أيُّ ثورة هذه التي تتباهى بإغلاق أبواب المدارس بعبارة (مغلقة بأمر الشعب)؟! ومَـن منح هؤلاء حقَّ مصادرة مستقبل الطلبة وتعطيل مؤسسات الدولة والتصرّف وكأنّ الشارع قد أصبح دولة فوق الدولة وكأنّ الهتاف يمنح أصحابه حقّ فرض إرادتهم على ملايين العراقيين؟!
حين تتحوّل المطالبة بالإصلاح إلى وصاية على المجتمع، ويتحوّل الشارع إلى محكمة تصدر أحكام الوطنية والخيانة، فإنّـنا لا نكون أمام وعيٍ ثوريّ بالضرورة وإنما أمام ممارسة تعيد إنتاج الاستبداد بأقنعة وشعارات جديدة .. لقد رُفعت في تشرين شعارات كبيرة عن الوطن والحرية والكرامة لكنّ هذه الشعارات الكاذبة لا تُـعفي أصحابها من المساءلة، ولا تمنحهم حصانة أخلاقية ضدّ النقد، فالوطنية ليست لافتة تُـرفع في ساحة، ولا هتافاً يُـردَّد أمام الكاميرات، ولا ادّعاء يمنح صاحبه حقَّ تخوين الآخرين، الوطنية موقف ومسؤولية واحترام لحقوق الناس ومؤسساتهم قبل أن تكون استعراضاً جماعيّـاً للشعارات.
محركو تشرين الذين تصدّروا المشهد واحتكروا الحديث باسم الشعب نقول لهم بوضوح: “ليس كلُّ مَـن اعتلى منصّـة أصبح قائداً وليس كلُّ مَـن هاجم السلطة امتلك مشروعاً لبناء الدولة وليس كلُّ مَـن رفع شعار التغيير كان مؤهـلاً لصناعة البديل، فإسقاط الهيبة عن مؤسسات الدولة ليس إصلاحاً وفضح أخطاء السلطة لا يعني أنّ الناقد أصبح بالضرورة أكثر نزاهة منها كما أنّ معارضة الفاسدين لا تمنح المعارض شهادة مسبقة بـ “الطهارة السياسية” .. ثمّـة فرق هائل بين ثورة تريد بناء دولة عادلة وحالة احتجاجية منفلتة يتحوّل فيها الغضب إلى غاية والرفض إلى هوية والفوضى إلى وسيلة لإثبات الحضور، ومن حقّـنا أن نسأل: ما الذي بقي من الوعود الكبرى؟ وأين انتهت الشعارات التي ملأت الساحات؟ وهل تكفي الذاكرة العاطفية لتبرئة التجربة من أخطائها أو لتحويل كلّ مَـن انتقدها إلى متّـهم بمعاداة الشعب؟
أمّـا العقيدة فهي خطّ أحمر في وجدان المؤمن وليست تفصيلاً ثقافيّـاً قابلاً للمحو كلّـما قرّر بعض أدعياء الحداثة والوطنية إعادة تعريف المجتمع على مقاس تصوّراتهم .. نحن لا نحتاج إلى وطن يُـطلب من أبنائه خلع عقائدهم عند أبوابه ولا إلى وطنية تشترط على المؤمن أن يتخلّـى عن ثوابته كي يُـعترف بانتمائه إلى العراق، فالعقيدة ليست عدوّاً للوطن والإيمان ليس تهمة سياسية، والتمسّـك بدين الله ليس نقصاً في المواطنة.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾.
هذه عقيدتنا التي نعتزّ بها وهذا إيماننا الذي لا نستمدّ مشروعيته من تصفيق الساحات ولا من رضا ما يسمى بالنخب الثقافية والسياسية .. من حقّـنا أن نرفض كلَّ خطاب يحاول إقصاء الدين عن حياة المجتمع، كما أنّ من حقّ الآخرين التعبير عن آرائهم ما داموا لا يصادرون حقوق سواهم، والذين يتحدّثون عن الوطنية وكأنّـهم وكلاؤها الحصريون فنقول لهم: “العراق ليس ملكاً لكم والوطنية ليست امتيازاً تمنحونه لمَـن يصفّـق لكم، والشعب ليس تفويضاً مفتوحاً تضعونه في جيوبكم كلّـما احتجتم إلى تبرير مواقفكم .. إنّ مَـن يطالب بالإصلاح عليه أن يقبل النقد، ومَـن يرفع شعار الحرية عليه أن يحترم حرية مخالفيه، ومَـن يتحدّث عن الدولة عليه ألّا يتعامل مع القانون بوصفه عائقاً حين لا يخدم أهدافه، أمّا تحويل تجربة تشرين إلى مقدّس سياسيّ لا يجوز الاقتراب منه بالنقد فليس سوى محاولة لمصادرة الوعي وإعفاء التجربة من الحساب .. تشرين ليست فوق النقد ورموزها ليسوا فوق المساءلة، وشعاراتها ليست قرآناً سياسيّـاً لا يأتيه الباطل! آن الأوان لكسر الهالة التي أُحيطت بهذه التجربة الفوضوية وفصل المطالب المشروعة عن الممارسات الخاطئة وفصل حقّ العراقيين في الاحتجاج عن حقّ أيّ جهة في احتكار اسم الشعب أو المتاجرة بآلامه.

✍️ ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦ تابعونا على قناة التلگرام الخاصة

https://t.me/kitabatsbeed