إدارة الكوارث والأزمات.. هل يمتلك العراق استراتيجية لمواجهة الصدمات الكبرى؟!
قاسم الغراوي ||
رئيس مركز الرقيب للدراسات والبحوث

تُعدّ الأزمة نقطة تحول مفاجئة تفضي إلى أوضاع غير مستقرة، وتنتج عنها تداعيات غير مرغوبة خلال فترة زمنية قصيرة، تستلزم اتخاذ قرارات حاسمة في ظروف قد تكون فيها المؤسسات المعنية غير مستعدة أو غير قادرة على المواجهة.
ومن هنا فإن إدارة الأزمات لا تعني التعامل مع الحدث بعد وقوعه فحسب، بل الاستعداد لما قد لا يحدث والتعامل بكفاءة مع ما حدث.
لقد أصبحت الأزمات ظاهرة ملازمة لمسيرة الدول والمجتمعات سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو أمنية أو صحية أو ناجمة عن الحروب والكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات والحرائق والأعاصير.
وهي أحداث قد تتحول إلى منعطفات تاريخية، فإما أن تدفع الدول نحو البناء والإصلاح أو تقودها إلى خسائر جسيمة إذا غابت الرؤية الاستراتيجية وضعفت مؤسسات الاستجابة.
ولعل أخطر ما تواجهه الحكومات هو وقوع الأزمات الكبرى بصورة متزامنة حين تتداخل التداعيات الاقتصادية مع الأمنية والإنسانية وتصبح قدرة الدولة على اتخاذ القرار واستخدام مواردها بكفاءة اختباراً حقيقياً لفاعلية مؤسساتها.
يواجه العراق تحديات متعددة تبدأ من المخاطر الطبيعية كالزلازل والفيضانات والجفاف ولا تنتهي عند الحروب والتوترات الإقليمية والأزمات الاقتصادية.
وفي ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم إدارة الأزمات والانتقال من الاستجابة المتأخرة إلى التخطيط الاستباقي.
فالأزمة لا تنتظر اكتمال الاجتماعات أو صدور القرارات الإدارية، بل تتطلب منظومة جاهزة تمتلك المعلومات والصلاحيات والقدرة على التحرك الفوري.
ومن هنا فإن تشكيل خلية أزمة عند وقوع الحدث من دون وجود خطط مسبقة أو قاعدة بيانات أو تدريبات عملية قد يحولها إلى مؤسسة لإدارة الخسائر بدلاً من الحد منها.
إن المطلوب هو وجود خلايا وطنية ومحلية تعمل ضمن منظومة متكاملة وتستند إلى دراسات المخاطر والسيناريوهات المحتملة وتحدد المسؤوليات بوضوح وتضمن التنسيق بين الوزارات والمحافظات والمؤسسات الأمنية والصحية والخدمية.
إن أحد أبرز التحديات التي ينبغي أن تحظى باهتمام الحكومة العراقية يتمثل في تداعيات أي اضطراب طويل الأمد في مضيق هرمز الذي يشكل ممراً استراتيجياً للطاقة والتجارة العالمية.
فالعراق يعتمد بدرجة كبيرة على صادرات النفط لتمويل الموازنة العامة فيما تمر نسبة كبيرة من صادراته النفطية عبر الخليج ومضيق هرمز ، وهذا يعني أن أي تعطيل للملاحة قد لا يقتصر تأثيره على قطاع الطاقة، بل يمتد إلى قدرة الدولة على تمويل الرواتب والمشروعات والخدمات الأساسية.
وقد أظهرت التطورات الإقليمية خلال عام 2026 حجم هذه المخاطر إذ أشار تحليل صادر عن مكتبة مجلس العموم البريطاني إلى أن الاعتماد العراقي الكبير على مضيق هرمز جعل الاقتصاد عرضة لتداعيات الحرب واضطراب الصادرات النفطية. <Cite refs={[“turn848052search1”,“turn848052search3”]}/>
فهل تمتلك الحكومة خططاً بديلة لتصدير النفط؟ وهل توجد آليات مالية تحمي الإنفاق الضروري في حال تراجع الإيرادات؟ وهل تستطيع الدولة ضمان استمرار الخدمات الأساسية في ظروف تتراجع فيها الموارد وتتزايد فيها الالتزامات؟
إن إدارة الأزمة الاقتصادية لا تبدأ عند انخفاض الإيرادات، بل تبدأ من بناء احتياطيات مالية مدروسة وتنويع منافذ التصدير وتعزيز الإنتاج المحلي وتحديد أولويات الإنفاق الحكومي قبل وقوع الصدمة.
الأزمة العالمية واحتمالات الأمن الغذائي
هي أخطر هذه التداعيات التي قد تنتج عن الحروب الكبرى واضطراب التجارة العالمية هي انتقال الأزمة من أسواق الطاقة إلى الأسواق الغذائية.
فارتفاع أسعار النفط والغاز يرفع تكاليف النقل والشحن والتأمين، كما يؤدي اضطراب تجارة الأسمدة إلى زيادة تكاليف الإنتاج الزراعي، الأمر الذي ينعكس تدريجياً على أسعار الغذاء وتوافره.
وفي العراق، تزداد خطورة هذا الاحتمال بسبب الاعتماد على الاستيراد في توفير العديد من السلع الغذائية والمدخلات الزراعية فضلاً عن ارتباط برامج الدعم الحكومي والإنتاج الزراعي بالإيرادات النفطية.
وقد حذرت منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي من أن اضطرابات مضيق هرمز ترفع تكاليف استيراد الغذاء والأسمدة، وتزيد المخاطر التي تواجه الأمن الغذائي العراقي. <Cite refs={[“turn848052search0”,“turn848052search6”]}/>
إن الأمن الغذائي لا يتحقق بمجرد وجود مخزون من الحبوب، بل يتطلب منظومة متكاملة تشمل تأمين مصادر الاستيراد وتنويع طرق النقل وتعزيز الإنتاج الزراعي المحلي وتوفير مستلزمات الزراعة وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
كما ينبغي أن تمتلك الدولة خطة واضحة للتعامل مع احتمال ارتفاع الأسعار أو تعطل بعض سلاسل الإمداد بما يضمن عدم انتقال الأزمة العالمية إلى أزمة معيشية داخلية تهدد الاستقرار الاجتماعي.
من إدارة الكوارث إلى بناء القدرة الوطنية على الصمود في مواجهة نتائج الحروب والكوارث الطبيعية (كالزلازل والفيضانات ) وقد تختلف في طبيعتها عن مواجهة الأزمات الاقتصادية والسياسية لكنها تلتقي في ضرورة الاستعداد المسبق وسرعة الاستجابة.
فالكارثة الطبيعية قد تقع خلال ثوانٍ، ولا تمنح الحكومات فرصة لاتخاذ إجراءات وقائية مباشرة لكن حجم الخسائر يمكن تقليله من خلال تطبيق معايير البناء الآمن، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر وتوفير فرق الإنقاذ والإسعاف وتأمين المستشفيات ومراكز الإيواء وتدريب المواطنين على إجراءات السلامة.
أما الأزمات الاقتصادية والحروب فإن آثارها قد تتراكم تدريجياً ما يمنح الدولة فرصة لرصد المؤشرات المبكرة واتخاذ التدابير اللازمة قبل تفاقمها.
ومن هنا، فإن المطلوب من الحكومة العراقية اعتماد استراتيجية وطنية لإدارة المخاطر والأزمات، تتضمن:
• إنشاء منظومة مركزية لإدارة الأزمات ترتبط بمراكز العمليات في الوزارات والمحافظات.
• إعداد سيناريوهات مسبقة للحروب والكوارث الطبيعية والأزمات المالية والغذائية.
• إجراء تدريبات ميدانية دورية لاختبار جاهزية المؤسسات وفرق الاستجابة.
• تأمين مخزونات استراتيجية من الغذاء والوقود والأدوية والمستلزمات الأساسية.
• تطوير أنظمة الإنذار المبكر والاتصال الفوري مع المواطنين.
• تحديد مصادر التمويل البديلة لضمان استمرار الخدمات الأساسية عند تراجع الإيرادات.
• تعزيز التنسيق بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمنظمات الإنسانية.
فالدول لا تُقاس قوتها فقط بمواردها الطبيعية أو إمكاناتها الاقتصادية، بل بقدرتها على حماية مواطنيها عندما تتعرض هذه الموارد والإمكانات للاختبار.
إن العراق بحاجة إلى ثقافة مؤسسية جديدة في إدارة الأزمات تقوم على التخطيط الاستباقي وتقدير المخاطر ووضوح المسؤوليات وسرعة اتخاذ القرار، بعيداً عن المعالجات الارتجالية التي تبدأ بعد وقوع الكارثة.
فالمواطن لا ينتظر من الحكومة بيانات تطمينية بعد الأزمة، بل يريد أن يرى استعداداً حقيقياً يحمي حياته ومعيشته وأمنه.
التوصيات الاستراتيجية لتعزيز جاهزية العراق لمواجهة الأزمات
إن مواجهة الأزمات الكبرى تتطلب انتقال العراق من إدارة ردود الأفعال إلى بناء منظومة وطنية متكاملة للاستعداد والاستجابة.
وفي هذا الإطار يمكن طرح التوصيات الآتية:
1. إنشاء منظومة وطنية متكاملة لإدارة الأزمات: تتولى التنسيق بين الوزارات والمحافظات والمؤسسات الأمنية والخدمية، مع تحديد الصلاحيات والمسؤوليات وآليات اتخاذ القرار بصورة واضحة.
2. إعداد سيناريوهات وطنية للمخاطر المحتملة: تشمل الحروب الإقليمية، وتعطّل صادرات النفط، والأزمات المالية، والزلازل والفيضانات، وانقطاع سلاسل الإمداد، مع وضع خطط استجابة لكل سيناريو.
3. تأمين الاستقرار المالي والاقتصادي: من خلال إعداد خطط طوارئ مالية تحمي الإنفاق الحكومي الأساسي، وتضمن استمرار الرواتب والخدمات، وتحد من آثار تراجع الإيرادات النفطية، مع تعزيز الاحتياطيات المالية وفق أسس مدروسة.
4. تنويع منافذ تصدير النفط: تطوير البدائل المتاحة لتصدير النفط العراقي وتقليل الاعتماد على مسار واحد، بما يعزز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز.
5. تعزيز الأمن الغذائي والمخزون الاستراتيجي: تأمين مخزونات كافية من الحبوب والمواد الغذائية والأدوية والوقود، وتنويع مصادر الاستيراد، ودعم الإنتاج الزراعي المحلي، ووضع آليات تضمن وصول السلع الأساسية إلى المواطنين بأسعار مناسبة.
6. تطوير منظومة الإنذار المبكر والاستجابة للكوارث: اعتماد تقنيات الرصد والتنبؤ، وتحديث خرائط المخاطر الزلزالية والفيضانية، وتأهيل فرق الإنقاذ والإسعاف والدفاع المدني، وإجراء تدريبات ميدانية دورية.
7. إنشاء قاعدة بيانات وطنية للمخاطر: تتضمن المعلومات المتعلقة بالبنية التحتية والمناطق الأكثر عرضة للكوارث والموارد المتاحة والإمكانات اللوجستية بما يساعد على اتخاذ قرارات سريعة تستند إلى معلومات دقيقة.
8. تعزيز الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص: إشراك المؤسسات الاقتصادية والخدمية في خطط الطوارئ، وتحديد مسؤولياتها في توفير الغذاء والطاقة والنقل والاتصالات خلال الأزمات.
9. إعداد استراتيجية وطنية للاتصال أثناء الأزمات: تضمن وصول المعلومات الدقيقة إلى المواطنين وتحد من الشائعات والتضليل الإعلامي، وتعزز الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة.
10. إخضاع خطط الطوارئ للتقييم والمراجعة المستمرة: من خلال اختبارات الجاهزية والتدريبات المشتركة، وتقييم الأداء بعد كل أزمة، وتحديث الخطط وفق المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية.
إن تطبيق هذه التوصيات من شأنه أن يعزز قدرة العراق على امتصاص الصدمات الكبرى ويحد من الخسائر البشرية والاقتصادية ويحول إدارة الأزمات من استجابة مؤقتة إلى سياسة وطنية مستدامة لحماية الدولة والمجتمع.
إن إدارة الأزمات ليست إدارة للخوف، بل إدارة للوقت والموارد والقرار وهي أحد أهم مقومات الدولة القادرة على الصمود والاستمرار.




