هل العراق على حافة المواجهة.. وهل تستعد الدولة لحرب إقليمية؟!
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

من إبعاد رئيس المخابرات إلى إجتماعات القيادات الأمنية.. هل إقتربت إختبارات السيادة وقرار الحرب؟ حيث لم تعد إحتمالات تجدد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران مجرد تقديرات سياسية أو تحليلات إعلامية، بل باتت تفرض نفسها على حسابات الأمن الوطني العراقي، في ظل تصاعد التهديدات والتحشيد العسكري، وإستمرار التحركات الدبلوماسية التي تحاول منع إنزلاق المنطقة إلى مواجهة جديدة.
بينما تتحدث بعض التقارير عن إحتمالات إستئناف العمليات العسكرية بعد الإنتخابات النصفية الأمريكية في الثالث من تشرين الثاني، تبرز تساؤلات بشأن طبيعة الإستعدادات العراقية، وما إذا كانت بغداد تتهيأ فعلياً لمرحلة قد تجد نفسها فيها أمام تداعيات حرب إقليمية لا تملك قرار إشعالها.
ولعل ما شهدته بغداد خلال الأيام الأخيرة يستحق التوقف عنده؛ إذ لم تكن التحركات الحكومية مقتصرة على التصريحات السياسية، بل إمتدت إلى تغييرات وإجراءات داخل المؤسسات الأمنية والإستخبارية.
فإنهاء تكليف رئيس جهاز المخابرات الوطني حميد الشطري، ثم تولي رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة علي الزيدي بنفسه مهام رئاسة الجهاز، يمثلان تطوراً لافتاً في إدارة أحد أهم الملفات السيادية في البلاد.
ورغم عدم إعلان الأسباب التفصيلية وراء إعفاء الشطري، فإن الزيدي تحدث عن ضرورة إبعاد جهاز المخابرات عن المحاصصة الحزبية والفئوية والطائفية، مؤكداً أنه جهاز لجميع العراقيين.
لكن توقيت هذه الخطوة، في ظل التوترات الإقليمية، يفتح الباب أمام قراءة أوسع تتعلق بإعادة ترتيب المؤسسات الأمنية والإستخبارية، وتوحيد مرجعية المعلومات والتقديرات الإستراتيجية، وتعزيز إشراف القيادة السياسية على الملفات التي تتصل بأمن العراق وسيادته.
لا يمكن فصل ماتقدم عن الإجتماع الأمني الرفيع الذي ترأسه الزيدي في يوم السبت 31 تشرين الأول، بحضور وزيري الدفاع والداخلية، ورئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، ورئيس أركان الجيش عبد الأمير رشيد يار الله، إلى جانب مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة.
الإجتماع، الذي تناول تطورات الأوضاع الأمنية، وتأمين الحدود، وتعزيز التنسيق الإستخباري والميداني، يطرح تساؤلاً مشروعاً: هل تدخل العراق مرحلة رفع الجاهزية تحسباً لتداعيات حرب إقليمية محتملة، أم أن الحكومة تسعى إلى إستباق أي محاولة لجر البلاد إلى المواجهة؟
إن أهمية هذه الإجتماعات لا تكمن في إنعقادها، بل في طبيعة الملفات التي تجمع القيادات العسكرية والأمنية ورئاسة الحكومة في وقت واحد؛ فالعراق يدرك أن أي مواجهة أمريكية إيرانية جديدة قد تضعه أمام معادلة شديدة التعقيد، خصوصاً إذا قررت بعض الفصائل المسلحة الدخول في المواجهة دعماً لطهران، خلافاً لموقف الحكومة العراقية.
وهنا تظهر الإشكالية الأكثر حساسية: من يملك قرار الحرب والسلم في العراق؟
فالدستور يمنح رئيس مجلس الوزراء، بصفته القائد العام للقوات المسلحة، مسؤولية قيادة المؤسسة العسكرية، كما أن القوانين النافذة تضع التشكيلات الأمنية ضمن المنظومة الرسمية للدولة. لكن التحدي الحقيقي يكمن في مدى الإلتزام العملي بالتسلسل القيادي، وقدرة الحكومة على منع أي تحرك عسكري منفرد خارج قرارها.
ولا ينبغي إفتراض أن جميع الفصائل ستتخذ موقفاً واحداً إذا إندلعت الحرب؛ فهناك تباينات في الحسابات السياسية والعسكرية، وقد تختار بعض الجهات تجنب المواجهة، فيما قد ترى جهات أخرى أن تطورات الميدان تستوجب التدخل، خصوصاً إذا تعرضت إيران لإستهداف واسع أو تعرضت مواقع عراقية لهجمات مباشرة.
وفي هذه الحالة لن يكون العراق أمام مجرد خلاف سياسي، بل أمام إختبار حقيقي لسلطة الدولة، فالولايات المتحدة قد تتعامل مع أي هجمات تنطلق من الأراضي العراقية بإعتبارها تهديداً لمصالحها وقواتها، وقد تنفذ ضربات تستهدف الجهات المسؤولة، بما يضع الحكومة العراقية أمام تداعيات أمنية وسياسية واقتصادية بالغة الخطورة.
كما أن أي توسع في الحرب قد ينعكس على صادرات النفط والملاحة في مضيق هرمز، وإيرادات الموازنة، وإستقرار الأسواق، فضلاً عن إحتمالات إستهداف المنشآت الحيوية وتعطيل حركة الإستثمار والتجارة.
من هنا، فإن المطلوب من حكومة الزيدي لا يقتصر على إعلان موقف الحياد، بل يتطلب إجراءات عملية تضمن عدم إستخدام الأراضي والأجواء العراقية في أي عمل عسكري ضد دول الجوار، وعدم السماح في المقابل بإستهداف العراق أو تحويله إلى ساحة للردود المتبادلة.
كما أن الإجتماعات الأمنية ينبغي أن تترجم إلى خطط واضحة لإدارة الأزمات، وتأمين الحدود والمنشآت الحيوية، ورفع مستوى التنسيق بين الأجهزة، وضمان خضوع جميع التشكيلات المسلحة لقرار الدولة.
إننا أمام مرحلة لا تحتمل تعدد القرارات الأمنية أو إزدواجية المواقف، فالتعاطف السياسي مع أي دولة لا يعني بالضرورة الإنخراط في حربها، والعلاقات التأريخية أو الإستراتيجية لا ينبغي أن تكون على حساب أمن العراق وإستقراره.
قد تنجح الوساطات في إحتواء التصعيد، وقد تعود المواجهة العسكرية، لكن العراق مطالب بأن يكون مستعداً لكلا الإحتمالين، دون أن يستبق الأحداث أو يسمح للآخرين بتحديد مستقبله.
فالدولة القوية ليست التي تستعد للحرب فحسب، بل التي تمتلك القدرة على منع الحرب من الوصول إلى أراضيها، وتفرض قرارها على الجميع دون إستثناء.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل العراقيين جميعاً: إذا إندلعت الحرب الأمريكية الإيرانية، فهل سيكون العراق قادراً على حماية حياده وسيادته، أم أن تعدد مراكز القوة سيجعله مرة أخرى ساحة لمواجهة لا يملك قرارها؟
العراق لا يحتاج إلى أن يكون طرفاً في حرب الآخرين، بل يحتاج إلى دولة تمتلك قرارها وتحمي شعبها.
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع




