علي جويد شعبوث السباهي.. مقاوم غيبه الإرهاب الطائفي..!
انتصار الماهود ||

انتصار الماهود
كم جثمانا لشهيد لم يُعثر عليه؟ وكم مقبرة جماعية ما زالت أسرارها مجهولة؟ وكم شابا غيبه الإرهاب والطائفية، وكم بريئا دفع حياته ثمنا لفكر متطرف ابتُلي به العراق، فواجهه رجال المقاومة بصلابة وإيمان وعقيدة راسخة؟
نعم، قد يحمل المتقاتلون شعارات العقيدة، لكن الفارق شاسع بين من يتخذها غطاء للتكفير والإرهاب وسفك الدماء، وبين من يرى فيها إيماناً وشجاعة وثورة على الظلم، مستلهما نهج الإمام الحسين (عليه السلام) في رفض الجور والانتصار للمظلومين.
وبين هذين الطريقين، خاض رجال المقاومة مواجهات لم تكن سهلة، ولم تكن خياراتهم ترفا فقد رأوا أن المواجهة ضرورة للدفاع عما يؤمنون به، ولحماية الأبرياء من آلة القتل والتهجير.
ومن بين هؤلاء الرجال الذين نفخر بكتابة سيرتهم، اليتيم المغيب (علي)
وُلد الشهيد علي جويد شعبوث السباهي في العاصمة بغداد، في السادس عشر من أيلول عام 1980. لم تمهله الحياة طويلا ليعرف معنى الاستقرار الأسري إذ فقد والده مبكرا إثر حادث سيارة، فنشأ يتيماً في كنف والدته، التي تحملت وحدها أعباء الحياة، وسعت لتربيته ورعايته حتى اشتد عوده وأصبح قادرا على تحمل المسؤولية ومساعدتها في مواجهة مصاعب العيش.
وُلد علي في زمن الحرب، وعاش طفولته في سنوات الحصار الجائر الذي أنهك العراقيين وأثقل كاهل العائلات. ولم تكن الظروف الاقتصادية تسمح له بإكمال دراسته، فاكتفى بالمرحلة الابتدائية، والتحق مبكرا بسوق العمل ليعين والدته بعدما أصبح المعيل الوحيد للأسرة، والرجل الذي تستند إليه أمه في مواجهة قسوة الأيام.
تنقل علي بين أعمال شاقة، فعمل عاملا في البناء، وفي أحد المصاهر، كما اشتغل في بيع وشراء الأغراض القديمة، ب«الدوارة». لم تكن تلك الأعمال سهلة، لكنها كانت وسيلته لتأمين احتياجات أسرته، لقد عرف التعب في سن مبكرة، وحمل أعباء تفوق عمره، لكنه لم يتخل عن مسؤولياته، ولم يسمح لظروفه القاسية أن تمنعه من اسناد امه.
وحين تزوج وأصبح أبا لثلاثة أطفال، بدا حريصا على أن يمنحهم ما افتقده في طفولته، وأن يوفر لهم من الحنان والرعاية لانه كان يعرف جيدا معنى أن يكبر الطفل من دون أبيه، فقد عاش تلك التجربة بنفسه، لذلك أراد أن يكون لأبنائه الأب الحاضر، والسند الذي يحميهم من قسوة الحياة، وكأنه كان يحاول أن يعوضهم عن كل نقص عرفه صغيراً
بعد سقوط النظام البعثي عام 2003 ودخول قوات الاحتلال الأمريكي إلى العراق، رفض علي وجود القوات الأجنبية على أرض بلاده، وانضم عام 2005 إلى صفوف المقاومة الإسلامية، عصائب أهل الحق، وشارك في عمليات استهدفت أرتال قوات الاحتلال، في موقف عبّر عن قناعته بمقاومة الاحتلال ورفض وجوده العسكري في البلاد.
ولم تقتصر المواجهة في مسيرته على قوات الاحتلال فقد واجه أيضا التنظيمات الإرهابية، وفي مقدمتها تنظيم القاعدة، الذي أسهم في إشعال الفتنة الطائفية واستباحة دماء الأبرياء، وغيب أعدادا كبيرة من العراقيين في عمليات قتل واختطاف وتهجير على أساس الهوية المذهبية.
وفي ناحية اللطيفية، التي عُرفت خلال سنوات العنف الطائفي باسم «مثلث الموت»، خاض علي ورفاقه مواجهات شرسة ضد عناصر تنظيم القاعدة. فقد تحولت المنطقة، بفعل موقعها الجغرافي وطبيعتها الزراعية، إلى أحد معاقل التنظيم ومسرح لعملياته الإرهابية، مستفيدا من بساتينها ومساحاتها التي أتاحت له التحصن والتخفي وتنفيذ هجماته.
كانت اللطيفية تقع على الطريق السريع الرابط بين بغداد ومحافظات الوسط والجنوب، ومنها بابل وكربلاء المقدسة والنجف الأشرف ، الأمر الذي جعل المرور عبرها محفوفا بالمخاطر خلال سنوات العنف. وكانت الجماعات الإرهابية تنصب نقاط تفتيش وهمية، واستهدفت مدنيين وزوارا، وعزلت أشخاصا على أساس هوياتهم، ثم أعدمت بعضهم ميدانيا، فيما دُفنت جثامين ضحايا في بساتين المنطقة. كما تعرضت عائلات للتهجير، واغتيل وجهاء وكفاءات رفضوا أفكار التنظيم وممارساته.
في تلك السنوات، لم يكن تعطل السيارة أو الضياع في طرق اللطيفية أمرا عابرا، فقد يتحول إلى خطر يهدد الحياة. وكانت البساتين مسرحا لكمائن ومجازر مباغتة، فيما عاش المدنيون هاجس الخوف من المرور في منطقة أمست شاهدا على واحدة من أكثر مراحل العراق دموية.
وسط تلك الظروف، نشط مقاتلو عصائب أهل الحق في المنطقة لمواجهة خلايا تنظيم القاعدة، وحماية الزائرين، وملاحقة الجماعات التي استهدفت الأبرياء. وكانت المواجهات عنيفة، في محاولة لاستعادة الأمن وإنهاء سطوة التنظيم على الطرق والمناطق الزراعية.
لكن الرابع من حزيران عام 2005 حمل نهاية مفتوحة في حكاية علي ورفاقه، فخلال إحدى جولاتهم في المنطقة، تعرض علي برفقة مجموعة من رفاقه للاختطاف على يد عناصر التنظيم الإرهابي، لتنقطع أخبارهم منذ ذلك اليوم. لم تعرف عائلاتهم مصيرهم، ولم تحصل على دليل يحسم ما إذا كانوا قد بقوا أحياء أم تعرضوا للقتل.
والأشد إيلاما أن جثامينهم الطاهرة لم يُعثر عليها،وظلت العائلات معلقة بين الأمل والخوف ومرارة الانتظار.
علي الذي عاش طفولته يتيما، وربته أمه حتى أصبح سندها ومعيلها، ثم حاول أن يمنح أطفاله الثلاثة طفولة أكثر أمانا مما عرفه، انتهى به المطاف إلى غياب لا يعرف أهله له قبرا ولا موعدا للرحيل.
أي وجع يمكن أن تحمله أم فقدت زوجها مبكرا، ثم أفنت عمرها في تربية ابنها، لتجد نفسها أمام مصير مجهول لا تعرف فيه أين انتهى به الطريق؟ وأي ألم يرافق ثلاثة أطفال حُرموا من أبيهم، فلا يملكون سوى ذكراه، ولا يجدون قبرا يقصدونه كلما اشتاقوا إليه؟
إنها ليست حكاية غياب فرد واحد، بل جزء من ذاكرة عراقية مثقلة بأسماء المفقودين والمغيبين، وبعائلات لا تزال تنتظر الحقيقة، وبجثامين لم تُستعد، ومقابر لم تُكشف أسرارها.
فسلام على علي يوم وُلد يتيما فصنعت منه أمه رجلا، ويوم وقف في مواجهة الإرهاب متمسكا بما آمن به، ويوم غُيّب جسده وبقي مصيره مجهولا.
سلام على الشهيد المغيب، الذي لم يُعثر على جثمانه، ولم يُطوَ اسمه في سجل النسيان. سلام على كل شهيد غيبه الإرهاب، وعلى كل أم ما زالت تنتظر، وكل طفل كبر على سؤال لا جواب له، وكل عائلة لم تنل حقها في الحقيقة والوداع.
سلام على المغيبين الذين لم تنصفهم القبور، وعلى الشهداء الذين بقيت حكاياتهم أمانة في أعناق الأحياء.




