في كل رأس قبو..!
رياض الفرطوسي ||

التُقطت صورة في بغداد، فارتجّ البلد كأن أحداً فتح بابَ مخزن قديم. صورة لفنانة مع مسؤول ثقافي إيراني، لا أكثر. ومع ذلك خرجت من الناس كلمات لم تكن في الصورة أصلاً: خيانة، ذيلية، بعثية، عمالة. لم ترتفع الكهرباء درجة، ولم يتحسّن الماء، ولم يجد عاطل عملاً، ولم يتواضع مسؤول، ولم يتراجع فساد. الذي حدث أن كل واحد فتح قبوه الخاص وأخرج منه ما كان يخبّئه.
فهذا الجدل لا يدور حول الفنانة. من ينتقد زيارة رسمية أو لقاءً ثقافياً يمارس حقاً مشروعاً، ومن يدافع عن حرية امرأة في أن تكون صاحبة موقف يمارس حقاً مشروعاً أيضاً. المشكلة في اللغة التي يتحدث بها الطرفان. لغة تنفي ولا تتواصل، وتنزل أحكامها قبل أن تُنهي السؤال.
لماذا نتكلم هكذا؟ لأننا تعلّمنا أن للإنسان حياتين. عقود من العقاب على النوايا والأحلام علّمت العراقي أن يقول شيئاً ويفكر في آخر ويفعل ثالثاً. اختبأت الأفكار في القاع، وفي القاع تنتفخ الأحلام. تكبر معها أوهام البطولة وخيالات الثأر وحسابات الذل القديم. وحين رُفع الغطاء لم يخرج إنسان جديد، خرج ما كان تحت الغطاء. فُوجئ الناس بوجوه جيرانهم، والحقيقة أن الجيران لم يتغيروا، كانوا يحملون ملامحهم هذه في الظل.
هكذا انقسمنا إلى مواطنين: واحد يرى الوطن ملكه، وآخر يراه مصادراً منه. وكل طرف صار يتقن لغة الآخر ليحاربه بها، ويتقن لغته ليخفي بها نفسه. تبدّلت الأسماء وبقي العقل. انتهت ثنائية (وطني وخائن) لتولد ثنائيات أخرى لا تقل صرامة، لأن الذي يصنعها هو نفسه، العقل الذي لم يخرج من قبوه.
هنا نأتي إلى العقيدة والوطن. حين انهارت الموصل عام 2014 خرج عراقيون كثيرون للدفاع عن بلدهم، ودفع بعضهم الإيمان، وبعضهم الخوف على أهله، وبعضهم الواجب العسكري. وقف مع الشيعي سُنّي ومسيحي وإيزيدي وكردي وعلماني لا يصلي. من يحتكر ذلك المشهد لعقيدة واحدة يظلم نصف أبطاله، ومن ينكر أثر العقيدة فيه يظلم النصف الآخر. العقيدة غرفة في بيت واسع اسمه الوطن، ولصاحبها حرمتها، لكنها لا تصلح بطاقةً تُمنح بها الوطنية أو تُسحب.
وأتساءل: هل ما نراه هو الواقع فعلاً؟ يقول الفيزيائي بريان غرين (عالم أمريكي، صاحب كتابي الكون الأنيق والواقع الخفي) إن ما تراه العين من العالم أقل بكثير مما يحكمه. الجاذبية أمامنا كل لحظة ولم يرها أحد. فكيف نصدّق أن المجتمع، وهو أعقد من الكون، يُقرأ من سطحه؟ في الأندلس بعد السقوط ظلّ كثيرون قروناً يحملون اسماً عربياً داخل البيت واسماً آخر خارجه. وميخائيل غورباتشوف (آخر رئيس للاتحاد السوفييتي) يروي أن أمه كانت تخفي إيمانها خلف لوحة في صالة المنزل، وابنها يحكم دولة ملحدة. الواقع القديم لا يموت بقرار ولا بتغيير الأثاث، يتنكر ويحتجب. والجديد لم يُولد بعد.
وبين الاثنين تنمو الأمراض: يقين زائد عند من فقد موقعه، وانتقام عند من ذاق الذل، وصمت عند من تعب. ومن عاش المنفى يعرف هذا جيداً، ويرى كيف يحمل الناس أقبيتهم معهم إلى بلاد الحرية ويقرؤون رسائل مشفرة في أبسط الأفعال، لأن الخروج من القبو أصعب من الدخول إليه. تعلُّم القمع أسهل من تعلُّم الحرية.
والعالم في الأثناء لا ينتظر. تُرسم خرائط جديدة، وتُقسَّم الموارد، وتتقدم تقنيات تغيّر معنى العمل نفسه. ونحن نقضي أسبوعاً في محاكمة صورة. الأمم التي تتقدم لا تخلو من الخلاف، لكنها تنقله إلى قاعات النقاش وصناديق الاقتراع، فيحاسب الناس القرارات ويتركون الأشخاص وشأنهم. نحن نفعل العكس تماماً.
وأعمق من كل جدل أن لحظة صدق واحدة تكفي لاكتشاف القبو. أنا نفسي: هل أقول ما أفكر فيه؟ هل أفعل ما أقول؟ هل أنا واحد مع الناس، أم لي وجه للنهار وآخر لليل؟ الذي يجيب بصدق قد يفهم لماذا يصرخ غيره.
العلاج ليس أن نُطفئ الجدل، بل أن نخرج الكلام من القبو إلى الضوء. نتفق على أن الفنانة حرة، وأن منتقدها حر، وأن الوطن أوسع من الاثنين. نسأل في كل خلاف جديد: هل يخدم هذا النقاش حياة العراقي، أم يعيد صفّه في معسكر؟ إن كان الثاني فلنطوِ الصفحة ونعد إلى الأسئلة التي لا تنتظر: الماء، والعمل، والمدرسة، وبناء دولة يملكها الجميع ولا يملكها أحد.




