الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

بيبي نتنياهو ( الحيوان السياسي المدمن على البقاء )..!

منذ ساعتين
الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

حسام الحاج حسين ||
مدير مركز الذاكرة الفيلية

 

 

 

لم تعد نهاية حقبة نتنياهو مجرد أمنية لدى خصومه . بل أصبحت سؤالاً مصيرياً يتعلق بمستقبل الدولة العبرية نفسها. فبعد ثلاثة عقود من صعوده إلى قمة السلطة، يجد نتنياهو إرثه السياسي محاطاً بأزمات عميقة، وانقسامات اجتماعية حادة، وإخفاقات أمنية هزّت ثقة قطاعات واسعة من الإسرائيليين بقيادتهم. وما بدأ مساراً سياسياً قبل ثلاثين عاماً قد ينتهي، وفقاً لمنتقديه، إلى ترك دولة أكثر انقساماً وهشاشة، بعدما تحولت المحافظة على السلطة إلى محور أساسي في إدارة الحكم.

منذ وصول بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة عام 1996، أخذت ملامح حقبة سياسية جديدة تتشكل داخل إسرائيل. ومع مرور السنوات، لم يعد حضوره مرتبطاً بحكومة أو برنامج سياسي محدد، بل أصبح مرتبطاً بمنظومة كاملة تتمحور حول شخصه، وتستمد استمراريتها من بقائه في الحكم.

وقد أثار مساره، منذ بداياته، تحفظات لدى شخصيات من داخل معسكره السياسي، في وقت أخذت فيه الخلافات حول أسلوب قيادته تتسع تدريجياً. ومع تعاقب الحكومات والأزمات، بات السؤال المطروح ليس فقط عن السياسات التي انتهجها، بل عن الثمن الذي دفعته المؤسسات والمجتمعات الإسرائيلية نتيجة صراع طويل على السلطة.

في نظر منتقديه، لم يعد حزب الليكود، تحت قيادة نتنياهو، مجرد حزب يحمل مشروعاً سياسياً أو رؤية أيديولوجية، بل أصبح إطاراً تتداخل فيه المصالح الحزبية والشخصية مع حسابات البقاء في الحكم. وأصبحت المناصب الحكومية والتفاهمات الائتلافية، وفقاً لهذا النقد، أدوات لضمان استمرار السلطة، حتى عندما تتعارض مطالب الشركاء السياسيين مع احتياجات الدولة على المدى البعيد.

وتكمن خطورة هذا المسار في أن الدولة قد تتحول تدريجياً من مؤسسة تعمل لخدمة مواطنيها إلى ساحة تتصارع فيها القوى السياسية على النفوذ والمكاسب. وعندما تصبح الأولوية هي منع سقوط الحكومة، تتراجع القدرة على اتخاذ قرارات صعبة، وتتحول الأزمات الكبرى إلى ملفات مؤجلة، فيما تتراكم نتائجها على المجتمع والمؤسسات.

إن أخطر ما يُنسب إلى نهج نتنياهو السياسي هو تعميق الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي، وتحويل الخلافات السياسية والاجتماعية إلى أدوات للصراع على الحكم. فقد اتهمه خصومه مراراً بتأجيج المواجهات بين معسكراته السياسية وخصومه، وتعميق الهوة بين المواطنين اليهود والعرب، فضلاً عن توسيع الخلافات بين التيارات العلمانية والدينية.

وهنا تتجلى صورة (( الحيوان السياسي )) الذي لا يكتفي بمواجهة خصومه، بل يترك المجتمع نفسه ساحةً للصراع، حيث تتراجع الثقة المتبادلة، وتتآكل فرص التوافق، ويصبح كل خلاف تهديداً جديداً للاستقرار الداخلي.

فالدول لا تنهار دائماً بفعل قوة خارجية؛ إذ قد تبدأ عملية تفككها من الداخل، عندما تتراجع المؤسسات أمام المصالح الشخصية، ويتحول الانقسام إلى وسيلة للحكم، ويصبح الخصم السياسي عدواً ينبغي إقصاؤه لا طرفاً في نظام ديمقراطي. ومن هذا المنظور، يرى منتقدو نتنياهو أن سياساته لا تهدد خصومه وحدهم، بل تنذر بإضعاف الأسس التي يقوم عليها المجتمع الإسرائيلي نفسه.

على الرغم من الخطاب السياسي الذي يضع الأمن في صدارة الأولويات، واجهت سياسات نتنياهو انتقادات بسبب اعتمادها، في ملفات عدة، على احتواء الأزمات وتأجيل حسمها. وقد تجلى ذلك بوضوح في الجدل المتعلق بإدارة الصراع مع حماس في قطاع غزة، وفي استمرار الخلافات بشأن الترتيبات الأمنية والسياسية التي حكمت العلاقة مع القطاع.

كما أثارت قضية إعفاء قطاعات من اليهود الحريديم من الخدمة العسكرية خلافات حادة، ولا سيما في ظل الحرب والأعباء المتزايدة على الجيش. وأعاد هذا الملف طرح سؤال جوهري حول مدى استعداد الحكومة لفرض التزامات متساوية على شركائها، بدلاً من تقديم التنازلات اللازمة لضمان استمرار الائتلاف.

وتكمن المفارقة في أن حكومة ترفع شعار الأمن قد تجد نفسها عاجزة عن معالجة التناقضات التي تستنزف مؤسساتها من الداخل. وعندما تتقدم الحسابات الائتلافية على القرارات الاستراتيجية، يصبح تأجيل المشكلة مكسباً سياسياً مؤقتاً، لكنه قد يتحول إلى خسارة وطنية بعيدة المدى.

مع توجيه اتهامات جنائية إلى نتنياهو، دخلت إسرائيل مرحلة أكثر حدة من الصراع الداخلي. فقد تحولت التغييرات المقترحة على المنظومة القضائية إلى محور مواجهة واسعة بشأن استقلال القضاء، وحدود سلطة الحكومة، وطبيعة التوازن بين مؤسسات الدولة.

ويرى منتقدو نتنياهو أن هذه المواجهة لا يمكن فصلها عن ظروفه القانونية والسياسية، ويعتبرون أن إضعاف الرقابة القضائية قد يفتح الباب أمام تركيز السلطة وتقليص قدرة المؤسسات على مساءلة المسؤولين. في المقابل، يطرح مؤيدو الإصلاحات القضائية مبررات تتعلق بصلاحيات المؤسسات المنتخبة وطبيعة النظام القضائي.

لكن جوهر الأزمة يتجاوز الخلاف القانوني؛ إذ يتعلق بمدى قدرة الدولة على حماية مؤسساتها من أن تتحول إلى أدوات في صراع سياسي شخصي. فعندما تصبح شرعية المؤسسات موضع نزاع دائم، وتتراجع الثقة بالقواعد التي تنظم عملها، يجد المجتمع نفسه أمام أزمة لا تقتصر على الحكومة، بل تمتد إلى النظام السياسي برمته.
وسيبقى هجوم السابع من أكتوبر 2023 من أبرز الأحداث التي ستُقاس بها حقبة نتنياهو. فقد كشف الهجوم عن إخفاقات أمنية واستخباراتية خطيرة، ووجّه ضربة قاسية للصورة التي بنتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة حول قدرتها على الردع وحماية الحدود والمواطنين.

وبالنسبة إلى منتقدي نتنياهو، لم يكن ما حدث مجرد إخفاق أمني منفصل، بل نتيجة تستوجب مراجعة شاملة للسياسات التي اتُّبعت تجاه غزة وحماس، ولطريقة اتخاذ القرارات المتعلقة بالأمن القومي. فقد أظهرت الأحداث أن الخطاب المتشدد والوعود المتكررة لا يكفيان لضمان الأمن، وأن تجاهل المخاطر أو الاكتفاء بإدارتها قد يؤدي إلى نتائج كارثية.

كما أعادت الأحداث طرح مسألة المسؤولية السياسية، وضرورة التحقيق في الإخفاقات ومحاسبة الجهات المعنية. فالمسؤولية عن الأمن لا تقتصر على إعلان الحرب أو إصدار الأوامر العسكرية، بل تشمل أيضاً الاعتراف بالفشل، وتوضيح القرارات التي سبقته، وضمان عدم تكرار الأخطاء.

ومن هنا، أصبحت أحداث السابع من أكتوبر عبئاً تاريخياً ثقيلاً على إرث نتنياهو السياسي، وأحد أبرز الاختبارات التي ستحدد كيفية تقييم سنوات حكمه في المستقبل.

ربما يقود نتنياهو إسرائيل إلى حافة التدمير الذاتي حيث الخطر الذي يثيره منتقدو نتنياهو لا يتعلق بشخصه وحده، بل بالمسار الذي قد تجرّ إليه سياساته الدولة الإسرائيلية. فاستمرار الاستقطاب، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وتفاقم الخلافات حول تقاسم الأعباء، وتكرار الأزمات الأمنية، عوامل قد تتفاعل لتنتج أزمة داخلية أعمق من قدرة أي حكومة على احتوائها.

والحيوان السياسي، في هذا السياق، ليس وصفاً للقوة بقدر ما هو تحذير من سلطة تنفلت من قيود المساءلة، وتستهلك المجتمع في معارك البقاء، وتترك مؤسسات الدولة تدفع ثمن صراعاتها. فإذا استمر هذا النهج، فقد يجد نتنياهو نفسه، وهو يسعى إلى حماية موقعه السياسي، مساهماً في إضعاف الدولة التي يتولى قيادتها.

ولا يعني ذلك أن انهيار إسرائيل نتيجة حتمية، لكنه يعني أن المخاطر الداخلية لا تقل أهمية عن التهديدات الخارجية، وأن استمرار الحكم من دون مراجعة جدية للأخطاء قد يفاقم هشاشة النظام السياسي والاجتماعي.

بعد ثلاثين عاماً على صعود نتنياهو، لم يعد السؤال مقتصراً على ما إذا كان سيبقى في رئاسة الحكومة أو سيغادرها، بل أصبح متعلقاً بما ستتركه حقبته وراءها. هل ستتمكن إسرائيل من استعادة الثقة بمؤسساتها، وتقليص الانقسامات الداخلية، وإعادة بناء مفهوم المسؤولية السياسية؟ أم ستظل أسيرة صراعات السلطة والتحالفات الضيقة؟

ستحدد نتائج الانتخابات والتطورات السياسية اللاحقة جانباً من الإجابة، لكن الحكم على هذه الحقبة لن يتوقف عند نتائج صناديق الاقتراع وحدها، بل سيمتد إلى نتائج السياسات التي اتُّبعت، وحجم الأضرار التي لحقت بالمؤسسات والمجتمع، ومدى القدرة على تصحيح المسار.

إن أخطر ما يمكن أن تتركه ظاهرة الحيوانات السياسية وراءها ليس رحيل نتنياهو أو بقاءه، بل ترسيخ نموذج سياسي يجعل الدولة رهينة لمصالح الحاكم، والمجتمع ساحةً للاستقطاب، والأمن شعاراً لا يكفي وحده لحماية المواطنين.

وهكذا، قد يتحول السؤال التاريخي عن نتنياهو من سؤال حول طول بقائه في السلطة إلى سؤال أكثر خطورة: هل كان مشروعه السياسي وسيلةً لحكم إسرائيل، أم أن استمرار هذا المشروع أصبح تهديداً لقدرتها على البقاء متماسكةً من الداخل .؟