الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

من سورة النساء.. وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿سورة النساء: 95﴾..!

منذ ساعتين
الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

✍ السيد بلال وهبي  ||

 

 

 

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿سورة النساء: 95﴾

لا يكفي أن تؤمن بالحق، بل يجب أن تحمله، وتدافع عنه، وتضحي من أجله، وتبذل في سبيله ما يلزم من مالك وجهدك وراحتك. وفي هذا السياق، تأتي الآية الكريمة لتقرر قاعدة واضحة في ميزان الإيمان والعمل، وتبيّن الفرق بين من يظل إيمانه في حدود القناعة الفكرية والقلبية، ومن يحوّله إلى موقف وبذل وتحمّل للتبعات. فالإيمان بالهدف شيء، والاستعداد لدفع كلفته شيء آخر، وليس من العدل أن يُتخطّى هذا الفرق في ميزان التقييم.

نعم، لا يستوي القاعد والمجاهد، مع مراعاة المانع من الخروج إلى الجهاد، وهو ما لحظته الآية بقوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، مستثنيةً أصحاب الأعذار كالمرض والعجز وما يشبههما؛ إذ إن تكليف المريض أو العاجز بما لا يُطاق محال على الله تعالى.

ولا يعني ذلك أن كل من لم يشارك في القتال مذموم، فالآية تتحدث عن القاعدين القادرين في مقابل المجاهدين، مع مراعاة طبيعة التكليف وأحكامه. كما أن العاجز عن الجهاد القتالي يمكنه أن يجاهد بماله أو لسانه أو دعائه، وأن يسهم في احتضان الناس وخدمتهم ومساندتهم معنويًا، أو يحضر في ميادين الجهاد العلمي والاقتصادي والثقافي والتربوي والإصلاح الاجتماعي.

واللافت أن الله تعالى كرر تفضيل المجاهدين، فقال أولًا: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. وهذا التكرار يؤكد أن البذل في سبيل الله له وزن لا يعوّضه مجرد الانتساب إلى الإيمان. ففي التفضيل الأول، ربط القرآن المنزلة بوسيلة البذل: ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾؛ ليبيّن أن التفاضل لا يقوم على الادعاء أو المنزلة الاجتماعية، بل على ما يقدّمه الإنسان بالفعل. ثم جاء التفضيل الثاني ليؤكد عظمة الثواب، قبل أن تفصّل الآية التالية بعض وجوهه: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾.

وهنا نلحظ أن تشابه الأعمال في صورتها لا يعني تساوي أصحابها في المنزلة؛ فالإخلاص، وصدق النية، ومقدار التضحية، واحتمال المشقة، كلها معانٍ تتفاوت بها الأعمال. فليس كل من بذل المال بذله بالدرجة نفسها من الإخلاص، ولا كل من حضر ميدان المسؤولية تحمّل أعباءها بالقدر نفسه. وعليه، فإن التفاضل لا يقف عند صورة العمل، بل يمتد إلى حقيقة ما بذله الإنسان فيه.

وبعد أن قررت الآية عدم استواء الفريقين، قالت: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾. وقد يبدو لأول وهلة أن ثمة تعارضًا بين تفضيل فريق ووعد الفريقين بالحسنى، لكنه يزول بالتمييز بين أصل الاستحقاق وتفاوت الدرجات. فوعد المؤمنين بالحسنى لا يعني تساوي أعمالهم ومواقفهم، كما أن تفاوتهم في الأجر لا يلغي ما لدى القاعدين من إيمان وأعمال صالحة. إنما يقرر القرآن حقيقتين معًا: للإيمان قيمة، وللعمل الذي ينهض بتكاليفه قيمة إضافية لا تُلغى.

ومن هنا نفهم أن القاعدين ليسوا بالضرورة منافقين أو معادين للرسالة؛ فقد يكونون مؤمنين صادقين قصّروا في بعض المسؤوليات، مع بقاء الخير فيهم وإمكان نهوضهم. فالقرآن لا يكتفي بتصنيف الناس، بل يفتح أمامهم باب الاستجابة والتغيير.
لكن الوعد بالحسنى ليس تصريحًا بالبقاء في موضع التقصير؛ فالآية التي تحفظ قيمة الإيمان هي نفسها التي ترفض مساواة القعود بالبذل. إنها ترحم الإنسان من اليأس، لكنها لا تعفيه من مراجعة نفسه وتحمّل مسؤوليته تجاه دينه وأمته ووطنه.

✍ السيد بلال وهبي 
فجر يوم الأربعاء الواقع في: 28/10/2026 الساعة (04:47)